المحتوى الرئيسى

برهان الخطيب: اللحظة الراهنة تاريخية

07/07 13:20

  برهان الخطيب: اللحظة الراهنة تاريخية*


 

حاوره: د. صالح الرزوق

 

الكاميرا الخفية تطارد الكتاب أيضا بالكلمات، كانت الفكرة في البداية دردشة خفيفة بالبريد الإلكتروني لاستوضح بعض المفاهيم في أعمال الروائي العربي الكبير برهان الخطيب، خاصة آخرها (على تخوم الألفين) ومع اتساع الأسئلة والأجوبة صارت تشبه الاستدراج والتورط في مقابلة وعرة، رد الأستاذ برهان مشكورا على رسائل بريئة غير مصممة، تطورت إلى مقصودة وعتاب، في محاولة ولوج عالم برهان الخطيب وهو يعمل على مسودة جديدة، يشطب بالقلم الأحمر ينقح، يضيف، يحذف.. 

 نقطة الانطلاق كانت من المسلمة التالية: لأعمال برهان الخطيب نكهة محلية ذات عبق خفيف بعيد مؤثر، هو كاتب كلاسيكي، تقاليده راسخة في مضمار الفن الإبداعي، وهكذا استمر الحوار:

 

 

* بروايتك (على تخوم الألفين)  لماذا كان الغزو خشنا وناعما في وقت واحد. قوات تحالف وصحافيون غربيون. ولماذا لم يكن العائد هو الأنثى الضالة التي تبحث عن أحضان وأرض الوطن..

 

ـ من حديث الأدب إلى السياسة إذاً، الغزو خشن وناعم في الظاهر بالنسبة للعراق لظروف خاصة، جعلته للعراق شرا لا بد منه، لإخراجه من عزلة الأخطاء المتكررة فيه، حربان ضد جارين أحرقت اليابس والأخضر، زد تعنت الأطراف في الداخل. الغزو عنجهية وقاسية صار من وجهة نظر متساهلة مثل عملية جراحية، لإزالة ورم عدم التفاهم المتفشي في البلد، منذ قررت هذه الجهة  وتلك إنها أفضل من الأخرى، الأصح بل الأخطر لم تقرر، بل قرر لها من خارج كيانها. المذنب فيه ليس البعث ولا صدام وحده بل والمعارضة أيضا، وأحمّل المعارضة ذنبا كما أحمّله للبعث لا لأني أميل إلى هذه الجهة أو تلك، وأنا أميل نعم لجهة تفهم وتمثل مصلحة الوطن أرجح من غيرها، لا أعبأ كثيرا من تكون، المهم كيف تصون المصلحة الوطنية. إهمال تعزيز المرجعية الوطنية في شكل مؤسسة فكرية مستقلة كبّر الخطأ، نقلوا خلافاتهم بتعنت إلى خارجها، خارج منطقة العقل الهادئ، هذا إلى العشيرة وذاك إلى حليف الخارج وضاع الحل. النصفان الأيسر والأيمن للدماغ الوطني متمثلان بالحكم والمعارضة  ضربهما داء التعنت، ورأى باحث عن حل ساهٍ، في تدخل الغريب الطامع، أملا في إنقاذه. زاد الحال سوءا. ذلك يوضح لماذا لم تقلب رواية (على تخوم الألفين) الصورة كما تقترح من العائد المذكر إلى عائد أنثى، فالمبادرة تركوها ليد الخارج، نبهت لذلك حتى بروايتي (الجنائن المغلقة) الصادرة عام 2000 وأبقوها ليد الغريب، المذكر. والأنثى في الداخل كانت تمثل رد الفعل الصاحي، وحمدا لها لم يكن استسلاما تبيّن لنا رواية (على تخوم الألفين).. 

 

* هل تريد أن تناقض صورة العربي المهاجر الذي يغزو الغرب للدراسة ويسقط في الامتحان ويتحول إلى تابع ذليل للمفاهيم الغربية في الحب والحياة والفكر كما ورد في (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم و (الحي اللاتيني) لسهيل إدريس وغيرها من النصوص المبكرة.

ـ في رواية (على تخوم الألفين) أكثر من نموذج للعربي المهاجر إلى الغرب، العائد بقيم تعبر عن نمو ثقافي ونفسي جديد، ليس الجميع يتحولون إلى ذليلين، ولا الجميع يرفضون الامتثال كما في تلك الصورة، الحالة الفردية عند اتساعها تعبر أيضا عن عامة، ضرغام العامل مع الاحتلال، لتأريخ عائلته المتوافق والأجنبي، يقابله خالد الرافض للاحتلال، لتأريخ واستعداد له مغايرين لما لضرغام، عن خلفية ثقافية عميقة في بلده وعن دور تربوي وطني لأبيه في مجتمعه. كلاهما نعم عائد من الخارج، لكن لكل منهما استعداداته الثقافية، ظروفه النفسية، فخياراته الشخصية، كذلك رأينا الاختلاف وتباين رد الفعل عندهما إزاء الغزو في الرواية، مقتربين مبتعدين بعضهما عن بعض حسب حصيلة صراع الإدراك والإرادات لهما وحولهما. هذا لا يعني إن الرواية اتخذت موقفا محايدا بينهما في ظرف لم تعد  فيه قيمة لحياد. الوطن، المنطقة برمتها تتدهور مع تراجع خيارات الوئام والسلام لتعنت ماكر، مطلوب وقف التدهور وترجيح مصلحة الأهل. هذه رواية موجعة نعم لكنها مشبعة أيضا بالأمل، تكثّف وتكشف صورة حقيقية، لا حزبية، لا طائفية، لا مستلَبة، لحقيقة الصراع في المنطقة، من هنا انحيازها، للحقيقة، لمصلحة الأهل، للقيم العليا، لا للأجنبي، دون تجاوز على القيم الجمالية طبعا للإبداع. العائد هذا أو ذاك إلى الوطن، بل كل شخصيات الرواية وسيلة لتجلي حقيقتها تلك، المتحركة فيهم بينهم وفوقهم، إضافة لكونهم من لحم ودم، يمثلون أنفسهم ولحظتهم المؤثرة في تأريخهم الفردي والعام سلبا أو إيجابا حسب إدراكهم للحظتهم الراهنة التاريخية وتغليب مصلحة الوطن على عابرة.

 

* في رواياتك السابقة شخصيات بمنتهى الدمامة والشر الفطري. بعكس ما قلته لي في رسالة سابقة عن إن قارئ روايات الخطيب لا يجد شخصا شريرا فيها ورغم ذلك يتصارع الجميع ما يدل على إن الشر كامن وراء ستار يدفعهم للصراع لتحقيق غايات، أيضا الشر موجود في الجانب المظلم من نفوسهم ولا يعيرون بالا لذلك لانشغالهم بمحاربة غيرهم، ويتغلب في النهاية على غير النابهين منهم ويستوطنهم بالكامل وينعكس ذلك في التأريخ تمردات وحروبا وكوارث اجتماعية ..

 

ـ الرأي المقابل لرأيك، عن إن القارئ لا يجد شريرا في الظاهر في روايات الخطيب، لعطف المؤلف الشديد على شخصياته، لقارئ أجاد قراءتي، هو السياسي العريق والمثقف فيصل الربيعي، وأنا فسرت ذلك بأن الشر موجود فينا جميعا، في الجانب المظلم منا، وهناك قدرة كأنما تحركه من وراء ستار لتحقيق مشيئتها.. تعدد الآراء إذاً عن عمل إبداعي معّين غنى، والتناقض مرجح باتفاق بين أكثر من مشتكي على وجود التناقض، يؤكده مدعي عام، ناقد بارع، حكما في القضية، نسمع بعد ذلك المتهم الروائي ماذا يقول..

لكني كتبت إليك أيضا بتلك الرسالة بأنني قرأت خبرك أو مقالك المعدل، فيه اختلاف يشبه الكيد المضمر يا صالح، النص يسقط "إنها" من عبارة "رواية جديدة تحتل مكانتها بين الأعمال الهامة" هكذا يفهم القارئ إن الرواية الفلانية ليست هي المقصودة باحتلال مكانة بين الأعمال الهامة، وأنت أكدت ذلك في الصيغة المنشورة الأولى، كما تضع "ناجحة" بين قوسين مما يغير معناها من الإيجاب إلى سلب، وتمنيتُ لك أن لا تعتمد على ما تسمعه من كلمات متحزبين إلى أسنانهم في صياغة مقال أدبي. فأنا أكتب أدبا لا سياسة. الحق، مقارنة مقالين عن الرواية أحدهما بعنوان "الراصد الثقافي لألف.." والآخر بعنوان "سياسات برهان الخطيب.. آخر أوراقه الناجحة" يكشف عن تباين للرأي عندك..

 

*  حماستي شديدة لرواية (على تخوم الألفين) وعندما سنحت لي الفرصة لقراءتها وهي مسودة أولى تأكد لي أن الرواية لا تزال ديوان العرب. هي الجواد القوي شديد البأس الذي يجر حاليا عربة الشعر. روايتك (على تخوم الألفين) تضع الحصان أمام العربة في مكانه الصحيح، نتخطى سوء تفاهم، مصدره استخدام مغاير لأدوات الترقيم، إلى رواية (شقة في شارع أبي نواس) أراها عبارة عن تصوير بشع ( طبعا بمهارة فنية تحسد عليها) لمثقف عربي يدرس في بغداد ويغتنم الفرصة ليعتدي – ليغتصب فتاة كردية لاجئة لديه. الشر أصيل في نفوس أبطال الرواية. الشيوعي المعتقل – الكردي تعرض لوشاية من زميله في الشقة، وهو صديق عمره. أليست هذه خيانة مزدوجة. وشاية، نرجسية، اغتصاب..

ـ حين رسم فنان روسي القيصر يقتل ابنه لم يقدم عملا بشعا، بل فني قدم البشاعة، خلَد وخلّد حادثة تاريخية معه. كذلك حين وصف دستويفسكي مقتل العجوز، أو اغتصاب فتاة في مكان آخر، لا يعني قدم عملا إبداعيا بشعا، بل قدم البشاعة في عمل إبداعي. كذلك فعلت رواية (شقة في شارع أبي نؤاس) قبل أربعين عاما وما زال الكلام يجري عنها حتى الآن، ألا يقول ذلك شيئا فوق الجانب السياسي من الكلام، وآخر خفي ربما، لتعميق هوة مثلا بين أخوة وأصدقاء، لتغذية صحافة جائعة للمشاكل دائما، لإرباك واقع وتيسير تمشيته بمشيئة..

 لا تنس، الواقع تغير ويتغير بفضل النقد الأخلاقي الكامن في ذلك العمل الإبداعي وغيره، ثم ما الغريب في وجود تلك البشاعة هناك وواقعنا فيه أسوأ لجهل، وأنت تعترف ذلك تم بمهارة فنية أُحسد عليها. عموما أنا متأكد إن الأشخاص البشعين أنفسهم مسئولون عن البشاعة عند إدراكها أكثر من الأحزاب والأفكار التي ضمتهم وحركتهم. الأفكار يضعها مؤسسون لخدمة الناس عادة، شفيق الكمالي وشاذل طاقة من تلك الفترة أيضا لكني وغيري يذكرهما بمودة حتى الآن لدماثة خلقهما، وذلك يؤكد مقولة نهرو العظيمة: لا تهمني الأفكار السياسية التي يحملها شخص بل أخلاقه. هكذا العمل الإبداعي يُحاسَب ويُحاسِب برسالته الجمالية والفكرية، خاصة حين يشرّح البشاعة ويكشف جذورها الموجودة في المجتمع وأبعد، كجراثيم يتغلب عليها جهاز المناعة في البدن خاصة عند تطعيمه وتحصينه بالمعرفة. هكذا الإبداع.. يساعد القارئ على التغلب على البشاعة.. حين يعرضها بلوحة، بكتاب، بقصيدة. و.. غرنيكا تعرفها.

 

* لماذا تعيد كتابة مؤلفاتك؟ لديك أشياء تضيفها بعد أن تنتهي من عمل، الرواية الوحيدة حسب علمي لم تكتبها مرتين هي الجنائن المغلقة. الأعمال المعادة تنم عن حساسية فنية عالية قوامها الاختصار، الرموز والكنايات، التحليل النفسي المكثف الذي يضعك في الصف الأول بين كتاب الرواية.

ـ أظن كتبت إليك مفسرا سبب إعادة كتابة معظم مؤلفاتي، باستثناء الجنائن المغلقة فعلا، لا أدري لماذا وجدت نفسي غير قادر على إضافة جديد عليها، كنت بعد كتابتها كمن عبر المحيط سباحة، لكن بقية الإعمال كنت حين انتهي من كتابتها أجد بعد حين قد اكتشفت أشياء جديدة تفرض عليّ إعادة كتابة العمل وتحويل مساره ولو قليلا، كمن حل معادلة وأدرك أين أخطأ وصار عليه العودة لحلها ثانية لوصول إلى النتيجة الصحيحة، أحيانا أعيد كتابتها بعد سنوات عديدة من تركها في حالة اختمار، ضروري ترك مخطوطة رواية فترة زمنية كما يترك النبيذ، وتعود إليها أيضا لإعادة معالجتها، رواية (على تخوم الألفين) مثلا استغربت بعد قراءتها بعد فترة من بعض مواقف فلان منها، من بعض كلامه، من تفاعل هذا وذاك بطريقة تبين لي يجب أن تكون أخرى، من نهايتها، غيّرتها حتى اقتنعت وصلت مستواها الذي أبغيه لها. الروائي كأشخاص روايته يحتاج أحيانا معلومات إضافية تنضج تقديمه لهم وتجعل مواقفهم مبررة وموقفه صائبا.

 

* الجنائن المغلقة رواية من حلقات، رواية مدن كثيرة، ومحملة باستطرادات يمكن التخلي عنها.

ـ ذلك يعتمد على ما تريد جنيه من الجنائن، في مكانين منها رأبت صفحتين ثقيلتين على قراءة مَن يتابع مسار الأحداث الفوقاني، لكن ثمة معلومات وثائقية هناك أساسية، لمسار الأحداث التحتاني، ذات قيمة تاريخية، ولها علاقة بالانعطاف الحاصل في مصير بطل الرواية، نافعة في ذاتها كمتتالية تكشف عن الكثير لمن ينقب في زوايا تاريخ العالم خلال أهم فتراته، سقوط الاتحاد السوفيتي، حرصت على أبقائها في طبعة ستوكهولم الأولى وطبعة بغداد الثانية، وحذفتها من طبعة شعبية منتظرة بمصر بعد استماعي لرأي مارينا ستاغ، الشخصية الأدبية السويدية الكبيرة بعد قراءتها الرواية وتثمينها لها، كانت غير محبذة لحوار عدنان وخالد على تل فوربيغورد، لم أوافقها على ملاحظتها وعدلته قليلا للطبعة القادمة.. ليدز فيرست يقال عند الإبداع أيضا..

 

* يوجد لماركيز ومدرسة أمريكا اللاتينية أكثر من علامة في قصصك (الصبي الأشيب، استوكهولم) حيث أنك تقترب من السخرية ومن الغرائب والمبالغات الواقعية. هل يعني أنك تنظر إلى أشخاصك كانعكاس لعالم ثالث يخضع لنظام كوني، متشابه، ظروف متطابقة، حيث أن الشخصيات مدمرة نفسيا، وقريبة من مفهوم موت حقبة، فهي بلا ثقافة متبلورة، فطرية في ردود أفعالها، وماكرة وتسعى للانتقام. وترزح تحت جميع أعباء التخلف. هل تمقت التفاؤل الاشتراكي (حسب المدرسة السوفييتية) وتعتقد أنه من الأجدر أن تبادر العالم بما ملكت يداك، الهزيمة والتشرد وكراهية الذات...

 

ـ شوف صالح، قبل منتصف السبعينات لم تكن رواية ماركيز الأساسية (مائة عام من العزلة) ترجمت إلى العربية، لكنها كانت حققت شهرة واسعة في العالم، ترجمت إلى بعض اللغات من أولها الروسية، وتوقع نقاد لها ولمؤلفها مستقبلا كبيرا منذ البداية. الناقد بروفسور الكسندر غالانوف، الأستاذ بندوة النقد للمعهد الأدبي التابع لاتحاد الكتاب بموسكو، نصحني حينه بترجمتها والوثوب معها إلى موقع أدبي يرنو إليه الكثير من الأدباء، لم أوافق، لم أشأ أن يرتبط اسمي باسم كاتب آخر، رغم محبتي الكبيرة للرواية ولماركيز وأعلنت عن ذلك بمناسبة وأخرى، يعني أنا منذ البداية منتبه أن لا أكون في ظل أحد، وقولك يوجد لماركيز علامة في قصصي ليس فيه غرابة، ليس بمعنى أني تأثرت منه، الكاتب رغم خصوصيته حصيلة وإضافة إلى الذين سبقوه، لا يمكن تقطيع العملية الأدبية في العالم، هي متصلة معبرة عن نمو الإدراك والذوق والأساليب، الصغار يزعلون على الكبار هؤلاء لا يزعلون عليهم، ثم أن ماركيز أعلن عن تأثره بألف ليلة وليلة، كل كتاب الإسبانية يفتخرون بصلتهم بالتراث الإسلامي والعربي، ذلك عزز فرادتهم وعظمة المجيدين، يعني لدينا بيئة ثقافية منها ظروف عالمنا الثالث الذي صار رابعا بفضل جهابذة السياسة تترك بصمتها فينا، ذلك طبيعي، غير تقليد أدجار آلان بو  وبراد بري وغيرهما ممن لنا صلة معهم بأحلام وأفلام، مارسه البعض وفوزوه بجائزة، لأسباب سياسية وميدانية، لا تخلو من صلة أيضا بالأدب طبعا.

الكتاب الغربيون وغيرهم يتأثرون منا أيضا ولا يتكلمون عن ذلك، في النهاية تضمحل الفروق الشكلية بين الكتاب، طموحات الإنسان واحدة أينما كان، تبقى الأساسية التي لها صلة باختلاف لحظتنا التاريخية عن غيرها، خاصة في هذه المرحلة. كثيرون مع الأسف لا يدركون تاريخية اللحظة الراهنة.

 

* كيف تفسر التناقض في قولك: إنه يجب أن نفهم أنفسنا أولا، ثم تقول إن الحقائق موزعة في العالم على الجميع، وليس على الذات ولا على الآخر .

ـ سؤالك يذكرني بقول انشتاين الحياة يمكن أن تعاش باعتبار كل شيء فيها معجزة أو لا معجزة  فيها على الإطلاق. صياغة التعبير تعتمد على زاوية النظر، وعلى سياقه الكلي. السماء لا تكون زرقاء دائما، ولا سوداء دائما، ولا بيضاء.. رغم إنها نفس القطعة من السماء التي نظرت إليها في أوقات مختلفة. نعم، الصياغة الأدبية، الفكرية، ينبغي توفرها على سمة الديمومة، كأن تكون مكتوبة من وجهة نظر الخلود، الأبدية،  ليكون لها معنى أو تأثير دائم في أكثر من مكان، لو كان ذلك ممكنا، لأن الخلود والأبدية وغيرها من المفاهيم المطلقة افتراض نستضيفه في حياتنا لنجعلها أرحب وأمتع. وأنا لا أرى تناقضا بين مقولتي فهم النفس وتوزع الحقيقة في العالم، على العكس هما يكملان أحدهما الآخر، بمعنى إننا حين نفهم أنفسنا نعرف إن الحقائق موزعة في العالم على الجميع، يعني لكل حقيقته، لكل عالمه رغم عيشنا في عالم واحد بدليل اختلاف ردود أفعالنا (من داخلنا، من عالمنا الخاص) إزاء فعل معين (من خارجنا، من عالمنا الخارجي المشترك) أيضا كل الحقائق الخاصة يؤثر عليها مشترك لا نحسب له حسابا لأنه مشترك، وإن تفاوت بكمية حضوره عند هذا مثلا أكثر من ذاك، ما يجعل عوالمنا الخاصة تختلف أحدها عن الآخر، ذلك يخلق سوء فهم بين اثنين عند الاقتراب والاحتكاك، يتحول إلى عراك في حال تصرفَ طرفُ طبقا لما عنده من قوة واندفاع لا بما عنده من عقل يدرك اختلاف الآخر عنه، أو لو تبدى الطرفان على  نفس المستوى من عدم إدراك حتمية اختلاف المقابل. باختصار لا ينبغي احتكار الحقيقة، ذلك يضعنا في سجن كما يضع الآخر في سجن، أي تنتهي إنسانيتنا وتبدأ الحيونة التي يهمها تحقيق نهمها. البعض بدأ يقول ويتصرف علانية  بعودة الإنسان إليها،  من ذلك يزداد التفاوت المادي والثقافي بين أوضاع البشر وينشأ التطرف وصولا إلى الفوضى الدائمة أو الامتثال الدائم لحاكم أرضي بدل سماوي، إنما إذا السماوي مطلق الهوية فلا يمكن نقضه فإن الأرضي لن يكون كذلك، يعني يمكن بل سوف يستدعي نقضه إذا لم يخلق له موازنا. نرى الآن ثورات عربية بعد مئات السنين نرى ثورات عالمية بلا جنسية محددة. وربما أكون أخطأت في بعض تقديري.

 

* ختاما أود أن أعرب عن إعجابي خاصة بالجواب الأخير. موجز ومعبر. وأعتقد أن أعمالك (مع أنها ضخمة و أساسية) تجمع هذين الضدين: تصوير الأخطار الجسيمة بلغة شفافة وبراقة وموحية. لغة لا تمنعها الحواجز من الدخول إلى منعطفات خاصة من مشاعرنا. ولنضع نقطة النهاية في آخر السطر أوجه لك السؤال التقليدي التالي: ما هو عملك القادم. هل لديك تصورات معينة عنه، هل انتهيت من مسودته الأولى، ومتى تتوقع صدوره.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل