المحتوى الرئيسى

ديمقراطية عربية بدون ثورات

07/07 01:56

وحيد عبد المجيد


يدل الاستفتاء على الدستور المغربي الجديد، يوم الجمعة الماضي، على أن التغيير ممكن عبر الإصلاح التدريجي وأن الانتفاضات والثورات الشعبية الجذرية ليست الطريق الوحيد للتحول نحو الديمقراطية في العالم العربي. فقد تفاعل العاهل المغربي مع المطالب الديمقراطية التي طرحها بعض الشباب عبر "الإنترنت" ودعوا إلى تظاهرات شعبية من أجلها اقتداءً بما حدث في تونس ومصر.

فما أن ترك بن علي السلطة والبلاد في 14 يناير الماضي، وقبل أيام على "تنحي" مبارك عن الحكم، حتى بدأت الدعوة إلى احتجاجات شعبية في المغرب. كان ذلك في أول فبراير الماضي، عندما حملت مواقع التواصل الاجتماعي هذه الدعوة لمطالبة المغاربة بالنزول إلى الشارع في 20 من الشهر نفسه.

غير أنه لم تمض أيام على بدء التظاهرات، وإعلان تأسيس حركة "20 فبراير" الشبابية، حتى كان محمد السادس قد أبدى استعداداً جاداً لإطلاق موجة جديدة من الإصلاح الدستوري والسياسي الذي بدأه والده الحسن الثاني قبل نحو عقد ونصف العقد.

كان العاهل المغربي الراحل قد وصل بعد تجربة صعبة، بل مريرة، إلى إدراك حكمة الرفق في استخدام السلطة والإصلاح التدريجي الذي يحافظ على الاستقرار. وقد عبر عن هذا المعنى في كتابه "ذاكرة ملك" الذي لم يقرأه رؤساء عرب كثر، بقوله: "إن السلطة تشبه الرحى، فإن لامسها المرء بلطف صقلته، وإن هو على العكس ضغط عليها بقوة مزقته إرباً إرباً".

كانت هذه خلاصة تجربة المغرب منذ ستينيات القرن الماضي وسبعينياته حين اشتدت الأزمات وحدثت محاولات انقلاب عدة، وتسعينياته عندما اختار الحسن الثاني طريق الإصلاح وأخذ الخطوة الأولى في اتجاهه عبر إجراء تعديلات دستورية وتوسيع نطاق الحريات العامة، إلى جانب تداول للسلطة بين الأحزاب للمرة الأولى في العالم العربي منذ الخمسينيات.

ومضى محمد السادس، منذ توليه العرش في صيف 1999، في هذا الاتجاه الذي جعل المغرب مؤهلا لبناء نظام ديمقراطي عبر إصلاح تدريجي دون حاجة إلى ثورة تستهدف تغييراً فورياً وجذرياً. فعندما تتوفر فرص الإصلاح يقل احتمال الثورة. وهذه خلاصة التجربة الإنسانية عبر قرون طويلة. لكن الإصلاح، بهذا المعنى، ليس مجرد بديل عن الثورة. فالإصلاح حين يكون حقيقياً يعتبر في حد ذاته ثورة بطريقة أخرى أو من نوع مختلف، أو قل إنه يحقق ما تسعى إليه الثورة لكن بدون آثارها الجانبية.

ولأن المغرب كان مؤهلاً للإصلاح الذي بدأت مقدماته عام 1996، فقد أخذ عاهله زمام المبادرة عندما وجد أن "العدوى" التونسية التي وصلت إلى مصر تطرق أبواب بلاده أيضاً، إلى جانب كل من ليبيا واليمن في الوقت نفسه. ولم يكن غريباً أن يفشل نظام الحكم في هذين البلدين، ثم في سوريا، في التفاعل الإيجابي مع "تسونامي" التغيير الذي انطلق من تونس ثم مصر، بينما ينجح النظام المغربي في استيعابه عبر مواصلة المسار الإصلاحي. فقد تعهد ملك المغرب في منتصف مارس الماضي بإجراء إصلاحات جديدة تشمل مراجعة الدستور الذي كان بعض السياسيين وكثير من المثقفين قد طالبوا بإعادة النظر فيه قبل أن يضرب "تسونامي" التغيير المنطقة.

ولم يتراجع عن هذا الالتزام عندما وقع اعتداء إرهابي في قلب مراكش في 28 أبريل وأودى بحياة 17 شخصاً وأثر سلباً على الأجواء العامة. لم يستغل العاهل المغربي ذلك الاعتداء الذي ثبت أن "القاعدة" كانت وراءه، بينما تذرع حكام عرب بخطر هذا التنظيم لتبرير إفراط أجهزة أمنهم في استخدام القوة ضد المتظاهرين بدلاً من التفاعل مع مطالبهم وإجراء إصلاحات جديدة.

ورغم أن مسودة الدستور التي وافقت عليها أغلبية كبيرة في استفتاء الجمعة الماضي، وضعتها لجنة معينة وليست جمعية تأسيسية منتخبة، فقد ضمت تلك اللجنة ممثلين لفئات المجتمع وفاعلياته الأساسية وشخصيات قانونية وحقوقية موثوق في إيمانهم بالديمقراطية. لذلك جاء الدستور الجديد أو المعّدل خطوة جديدة في طريق الديمقراطية، خصوصاً على صعيد تقليص صلاحيات الملك وتوسيع سلطة رئيس الحكومة الذي أصبح الشعب هو من يختاره بشكل غير مباشر عبر الانتخابات البرلمانية. فلم يعد بإمكان الملك تعيين من يشاء رئيساً للحكومة، وبات ملزماً بأن يطلب من رئيس الحزب الذي يحصل على المركز الأول في الانتخابات القيام بتشكيل الحكومة.

كما صار تعيين كبار المسؤولين في الدولة من اختصاص رئيس الحكومة، بينما احتفظ الملك بالقيادة العليا للقوات المسلحة وسلطة تعيين السفراء والمحافظين وتشكيل مجلس أعلى للأمن برئاسته.

كما أصبح الفصل بين السلطات أكثر صرامة، وحُظي استقلال السلطة القضائية بمزيد من الضمانات، وصار للنقابات والجمعيات وغيرها من فاعليات المجتمع دورٌ مميز حيث خصص الدستور الجديد فصلين كاملين (الثاني عشر والثالث عشر) للمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. هذا فضلا عن تأكيد حقوق مختلف فئات المجتمع عبر النص على اعتبار الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، وعلى المساواة في الحقوق المدنية مع إنشاء هيئة خاصة لتتبع أي تمييز يحدث ضد المرأة.

وهذه خطوة كبيرة في طريق الإصلاح الديمقراطي التدريجي رغم أن "حركة 20 فبراير" وبعض القوى الأخرى تعتبرها غير كافية وترى أنها لم تقيد ما تراه هيمنة من جانب المؤسسة الملكية على السلطة التنفيذية. وربما يكون رأيها صائباً بشكل جزئي لأن الإصلاح الدستوري الجديد قلّص سلطة الملك ولم يلغها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل