المحتوى الرئيسى

نثريّة التّرقيم في مرافئ الجليد لمحمّد الجابلّي بقلم محمّد خريّف

07/06 22:16

نثريّة التّرقيم في مرافئ الجليد لمحمّد الجابلّي

بقلم محمّد خريّف

الرّقم علامة لغويّة شأنه شأن أي دالّ. والأرقام لها دوالّ منها ما هو مترسّخ أو متمكّن من معان دون أخرى ، والرقم 1 كالرقم 7 والرقم 100 والمليون والبليار و 1000 يكاد أن ينحصر بالنثّر في سجن الدّلالة المحددة بمعاني الكثرة والتبرك تنفيذا لحتمية الاستعمال عصا السلطة الثقافية والسياسية والأسطورية إلا أن النثرية باعتبارها فعل خلخلة وفك الصرامة ، صرامة الاعتقاد ، جعلت من الأرقام فرصة تهميش وانفتاح على دوالّ أخرى ممكنة للترقيم تحرّر الرّقم ممّا كبّله من قيود الاستعارة المتمكنة التي يصبح فيها العدد3 أو 7 متحكّما في الحاضر والمستقبل بما يرشّحه الذّهن للتقديس، تقديس الهيمنة التي يتعدّى تأثيرها من الذّهن إلى اليد . والتّرقيم يشمل الأرقام الفرديّة والزوجية كما يشمل النّسب في الفوز أو الخسران وحتى السنوات الأشهر الأيام.

والخطاب الرّوائي الحديث لم يخل من التذرّع بالتّرقيم وتدبير أمره إمّا على وجه النثر أي التوثيق مجاراة للخطاب السائد أو النثريّة أي القلع على وجه التناصّ بفعل التحّي والتّجاوز.

ولعلّ الترقيم في مرافئ الجليد لمحمد الحابلي من الظواهر النّثرية المفيدة التي تستقطب الاهتمام "وتضاءل مبتعدا واختفى بسرعة شبح تأملت رقم الهاتف الإيطالي014-512 717 بدت لك سلسلة من الصدف العمياء توجه حياتك بأكملها رحلة 717 ورقم الهاتف في أرض قصية يبدأ ب 717!!" (ص33)

الرقم حيثما وجهته وجهك باعتبارك رحلة بأكملها وقد لا تخفى نثرية الرقم واحد محاطا بسبعة على اليمين وسبعة على اليسار..

"تجاوز "جون" حاجز الشرطة وقصد الطائرة ومضخمات الصوت تردد (الرحلة 717 إلى روما- شركة الطيران البولونية ترحب بكم وتتمنى لكم رحلة هادئة على طائرة البوينغ 727." (ص34)

والرّاوي واع بما لا يدعو للشك بأن هذا الترقيم لم يكن وليد الصدفة "أصابك هلع لا يوصف حين انتبهت لرقم المقعد الذي تجلس فيه رقم 717 وبدا لك أن الصدف لا يمكن أن تكون بهذا التسلسل وأن الأسباب الكامنة التي لا نعلمها هي التي تخط كل شيء... انتبهت لهذا الرقم الذي يتكرر بشكل ملح غريب الطائرة 727 ورقم الرحلة 717 ثم رقم المقعد وبداية رقم الهاتف في مكان قصي... ذكرك رقم بعوالم الغيب لأن الآلهة مغرمة به لأسباب يجهلها الإنسان" (ص35)

الترقيم لم يكن بظاهرة جديدة في الأدب العربي إذ هو في الشعر كما في النثر لها دلالات سياقية مختلفة ومن الأرقام المتواترة في النصوص الأدبية العربية المائة والألف والأربعة وغيرها كالثلاثة والشهر.

والتّرقيم في مرافئ الجليد يحضر نصا ومنصوصا عليه أي بلغة النقد الروائي الحديث خبرا وخطابا بمعنى الرمز والحيثيات. الرقم سلسلة حاضرة أرقاما بالحرف اللاتيني خطابها من الصدف العمياء توجه حياتك بأكملها وموجه الحياة أليس قائدا . إذن تغيرت دلالة الرقم من التعبير عن معنى التمثيل أو القدسية إلى معنى التحكم في رقاب الناس أي في حياتهم وهكذا يصبح الترقيم من هذه الناحية أسلوبا في التعبير عن موقف إيديولوجي راهن يصعب التعبير عنه صراحة فيصير الترقيم تعبيرة نضال اندرجت فيها الرواية، الرواية المقموعة في الداخل :

" أصابك هلع لا يوصف حين انتبهت لرقم المقعد الذي تجلس فيه رقم717 وبدا لك أن الصدف لا يمكن أن تكون بهذا التسلسل وأن الأسباب الكامنة التي لا نعلمها هي التي تخط كل شيء..."

والنثر في مرافئ الجليد سيد الموقف قائم بشكل لافت في كامل الرواية وقرائنه الملاحظة والتحليل والتفسير وصولا إلى الاستنتاج فيقول في الرقم 7 في أسلوب تعليمي:

"- لاحظ أننا نحن نرسمه نحن والهنود بشكل خطين يلتقيان في القاعدة وينفر جان في القمة 7 فهو رمز المطلق واحتضان اللانهائي في حين ترسمونه انتم بشكل يوحي بالحدود والرواية (هكذا في الطبع) والانغلاق وكان أجدادي البابليون يجعلونه رمزا لمجموعة الدب الأكبر والدب الأصغر في علم الفلك ثم ورث عنا اليونانيون الرمز فسموه مجموعة الثريا...." (ص36)

ويستطرد الراوي في هذا المبحث التاريخي بقطع النظر عن مرجعياته التأويلية إلى أن ينتهي إلى استنتاج أو خلاصة لا تختلف عن التفسير السائد المنتظر "تأمل الرقم المنحون على حافة المقعد فبدا له أن شكل الحرف 7 فيه انغلاق فهو محدود ومعقوف ينطوي على زاويتين حادتين في حين أن الرقم 1 فيه انسياب يوحي بالمطلق والثبات سبعتان بينهما واحد متوحد متكبر يجلس بين أسطورتين على عرشه الفخم يلتفت إلى الشرق فيلفاه تائها في سبع سماوات ويسأل عن الأرض الثامنة... فيضحك الواحد سبحانه ثم تأخذه سنة طولها دهور والملائكة من حوله خفافا في حين ينصرف أهل الجنة المخلدون إلى نحر سبع بقرات سمان قربانا طاهرا..." (ص37)

نثر الترقيم يكاد لا يختلف عن نثر المقال الخاص بالعدد 7 فلا يفاجئك بتفسير غير منتظر تخلع منك ما ترسب فيك من نثر القص، قص المقولات الموروثة الجاهزة كما يفعل كونديرا في كتاب الضحك والنسيان لولا هذا الخروج بالألفاظ عن دلالاتها المترسّبة إلى دلالات نقيض في قوله "سنة طواها دهور" أو في سرد قصة الواحد الضاحك سبحانه حيث تطوع المحاكاة الساخرة للنثرية التي يتقد لظاها حسب رأيي لا في نثر الترقيم بل في نثرية المشهد الجنسي الفوضوي الملتهب حبا دمويا "وتجولت يدا "مستر هاردي" في جسد "كريستين" ببطء وبدا لك أن الجسد يلين أو يتلوى كتمثال مطاطي ثم أصابها ما يشبه الخدر فتهالكت متداعية في حضن "مستر هاردي" فحملها بين يديه ومددها على طاولة بيضاء ومسح كامل جسدها بيده وكأنه منوم ثم جال حول الجسد يتفحصه وكأنه جراح ووقف اللحظات كالمنبهر ثم هوى على رقبتها بفم مفتوح خلته (هكذا في الطبع) يقبلها إلا انك رأيت الدماء نافرة حول شفتيه المرتعشين تمتصان بل تنهلان الدماء....." (ص113)

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل