المحتوى الرئيسى

هرمنا وسئمنا الوعود الزائفة بقلم:د. محمد أحمد جميعان

07/06 21:46

د. محمد أحمد جميعان

سقوط النظام المصري له تبعات لا يمكن تجاوزها، وله تداعيات لا يمكن توقعها، لا سيما انه جاء بعد سقوط نظام آخر تشاطر معه وتقاطع في المنهجية ومحور التوجه ومرتكزات السقوط، ناهيك عن الدماء السيالة، والأجواء الملتهبة التي ستبقى قابلة للانفجار والاندفاع في اكثر من مكان إلى اجل غير مسمى.

وقد ارتكز كلا النظامين في سقوطهما على أساسي الفساد والنفاق؛ فساد نخر في مفاصل ومؤسسات ورموز كلا النظامين، ونفاق حتى الثمالة يتصاعد طرديا مع ارتفاع حومة الفساد والخوف من مكافحته، فساد ونفاق وأزلام حملوه ليعززوا به الفقر والجوع والقهر والتكميم والسياسة الخارجية التابعة المجيرة والمعروفة للجميع، حتى طار الصواب وهاج الوجدان، واشتعلت الرؤوس تأزيما اختمر في النفوس وتفاعل في العقول، فاندفع الناس في قرار باطني جمعي لرفع الظلم وتحطيم مظلة الفساد والإفساد وقهر المنافقين الذين مثلوا على الشعوب كلاما تماما، كما باعوا على الانظمة زيفا وغرورا.

ربما الثمالة هو التعبير المناسب لمن يغرق في النفاق إلى أذنيه، وهو يرى الفساد يغرق به الوطن حتى ينخر فيه، ليصل به الإسفاف ان يضرب ظهر الحائط بكل من حوله من اجل إرضاء نفسه ورغباته والحفاظ على مكتسباته، ولا يلتفت لما يقال عنه، ما دام ذلك يحقق مصالحه وأهدافه وبقاءه الموهوم وتفاهاته..

الثمالة هي حالة الاغراق في المسكرات حتى يفقد الانسان عقله، ويترنح يمينا وشمالا وهو لا يدرك ما يجري معه سوى انه في حالة نشوة غائبة عن الصحيان، يفعل كل ما يريد، يتخبط، يتمتم، يضحك، يبكي، يصرخ، يفعل كل شيء حتى يصل به ان يخلع بنطاله أو سرواله الداخلي ليغطي به رأسه المكشوف من المهازل والفساد والنفاق.

يلتقي الفساد والنفاق معا، يجمعهم الهدف والمصير في حالة النخر والثمالة، وكل يخدم الاخر ليخدم نفسه في نهاية المطاف، وكل يتبادل الأدوار مع الآخر، وكل مكشوف للاخر، ولا صحة لمن يدعي جهلا أو قصدا أن أحدا مخدوع بالآخر، بل كل من الفاسد والمنافق يكمل دور الاخر، وكل يشرب من كأس واحدة، ويتنادمون في ليلة واحدة استغفالا للشعوب المقهورة والمظلومة، وهم في حالة استرخاء بانهم يضحكون على الذقون، وعلى الشعب المسكين.

لست مع من يبرر للفاسد فساده، فقد مللنا اسطوانة البطانة المنافقة، لقد هرمنا وسئمنا الوعود الزائفة، وضجرنا من أساليب التجويع والترويض، ولم تعد تنفع، بعد ان جعلنا منها صكوك غفران وبراءة للفاسد والظالم والقاهر، وحقيقة الامر أن لا صغيرة ولا كبيرة الا تمر تحت قدميه وقلمه أو أمره الشفوي، أو غمزة عينه، أو رضاه ومباركته بشكل أو بآخر..

الفاسدون همهم البقاء للحفاظ على مكتسباتهم، والمنافقون يمارسون صنعتهم خدمة لأنفسهم، لإدامة تدفق نبع المال والسلطة لهم ولأبنائهم وأحفادهم، وبذلك يحافظون على مصالحهم، وهم غارقون بالفساد جمعا وقصدا وعمدا وسبق اصرار، وما الخاسر سوى الوطن المنهوب والشعب المغلوب، والنخب المخدوعة الذين يجهدون وقتهم بالتحليل والتنظير هل البيضة مسؤولة ام الدجاجة، يبررون تارة ويلعنون تارة اخرى…

المنافقون لن يعدموا الوسيلة في تلميع الفاسد والمحافظة عليه، حتى ولو كان ذلك بالبلطجة والقتل والتشويه والتدمير، وما مصر وتونس عنا ببعيد، التي أبصرنا من خلالها كيف يحافظ المنافقون على الفساد وأهله.

ولن يعجز الفساد أمره، من تسخير الآخرين لتغطيته عبر المنافقين وأدواتهم، فهم يملكون القدرة والسلطة والمؤسسات والسطوة والمهارة في استغفال الآخرين وخداعهم، حتى لو قارب النظام على السقوط، ففي ذروة ضعف النظام المصري، عندما ادخل غرفة الإنعاش في نزاعه الأخير أمام هدير الحناجر والمتظاهرين، استطاع ان يسخر ويخرج مسيرات صاخبة بالآلاف في أكثر من محافظة، وهي تهتف تاييدا للنظام وفساده في مواجهة الشرفاء الثوار بالحجارة والبهائم والسكاكين والرصاص، ولكن الفساد والنفاق فشل في الاستمرار وسرعان ما بهت وسقط وانسحب فالحق يعلو ولا يعلى عليه، وهو حال الفساد والنفاق فلا يستطيع ان يثبت أمام الحق والمصير.

وكلما اقترب الفاسدون من الغرق، عظم تخبطهم وتنازلاتهم، واشتدت معه حدة المنافقين وأساليبهم للحفاظ على مصالحهم وسحتهم والحرام الذي جمعوه بغير وجه حق، وسوف يتصاعد نشاطهم طرديا، كما رأينا أساليبهم البذيئة، ولن يتورعوا عن استخدام كل المحرمات حتى لو بالتجني والافتراء والعهر المكشوف.

ولكن الحقيقة التي تعمى بها أبصارهم، انه كلما زاد ارتعاد الفاسدين زادت حماقة المنافقين سعيرا، كلما صحا الشرفاء وارتفع صوتهم وازداد عدهم وعددهم وجمعهم وحيلتهم وأنفاسهم قوة فأنفاس الرجال تحيي بعضها بعضا، عندها سنرى الاغلبية الصامته تتخطى حاجز الانتظار والتردد ليقولوا كلمتهم واضحة عالية، ان لا للفساد ولا بد من محاربته بإرادة وعزيمة وإعادة الحقوق لأهلها كاملة غير منقوصة، وهذا هو ما جعل المصريين يخرجون عن بكرة أبيهم عندما شاهدوا المنافقين يجاهرون بنفاقهم وسطوتهم، ما عجل في سقوط النظام.

إن رؤوس النفاق لهم القدرة على جمع غيرهم من البسطاء والطيبين وغيرهم من المخدوعين الذين لا ناقة لهم ولا جمل سوى لحسة أو صرة أو وعود كاذبة أو طبطبة على كتف أو كلمة بها طراوة وحلاوة من علية القوم ومؤسساته، وقد رأينا بعض هؤلاء الذين ألقي القبض عليهم من قبل الثوار وهم يسردون كيف غرر بهم ودفعوا الى ما لا يريدون بدراهم معدودة ووعود مؤجلة للابتزاز.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل