المحتوى الرئيسى

سيد تركي : الأساطير المؤسسة للثورة المصرية .. الأسطورة رقم 2: البلطجية

07/06 12:12

لم يكن في ذهن الشقيقين أدولف وردولف داسير، مؤسسا شركة أديداس للأحذية الرياضية في يوليو 1924، أن تصبح علامتهما الثلاثية الشهيرة صك براءة لأحد الثوار من تهمة البلطجة في يونيو 2011، كما لم يكن في ذهن أحد من الثوار أن يصل تأثير الإعلاميون، إعلاميو القائمتين “السوداء والبيضاء”، إلى هذه الدرجة من السطوة والقدرة على غسيل الأفكار.

هكذا بدأ إعتصام الثامن من يوليو في ميدان التحرير قبل موعده بنحو أسبوعين على خلفية إعتداءات الشرطة واستخدامها المفرط للقوة في مواجهة أهالي شهداء ومصابي الثورة ومئات المتضامنين في 28 يونيو. وواحدة من الصور الأيقونية في هذه الإشتباكات جاءت لشاب في العشرينات وجهه ينزف بغزارة ويحاول أحد المتظاهرين مساعدته.

نشر موقع “الدستور الأصلي” على الإنترنت الصورة وسرعان ما إجتذبت عشرات التعليقات فور نشرها ما بين أقلية معارضة لما يحدث من اشتباكات مؤكدين أن المشاركين في المواجهة مع الشرطة مجرد “بلطجية” وأغلبية مؤيدة للمظاهرة ورافضة لعنف الشرطة.. إلى هذا الحد لا شيئ جديد. لكن المثير بحق كان تفاعل واستدلال المؤيدين وليس هجوم المعارضين للمظاهرة. إذ استدل الفريق المؤيد بصورة هذا الشاب التي يظهر فيها بوضوح ماركة الـ تي- شيرت الرياضي الذي يرتديه، وعزفت التعليقات على تيمة واحدة: كيف يكون هذا الشاب الذي يرتدي تي شيرت “أديداس” بلطجيا. وسخر آخرون في تأييدهم للتظاهرة: يبدو الشاب بهذا الـ تي- شيرت “غالي الثمن” بلطجيا عتيدا.. ويتعبونه بقول: اتقوا الله ولا تتهموا المتظاهرين بأنهم “بلطجية”.

التأصيل للفظ “بلطجية” يستدعي بالضرورة العودة إلى إختفاء ثقافة قبول الآخر في مصر.. الآخر في العرق واللغة والمظهر الخارجي والدين، وغزو ثقافة “مجتمع الفوتو كوبي”، حتى تحول المصريون إلى أمريكيون صغار يعتقدون أنهم محور الكون والثقافة واللكنة وطريقة ممارسة الشعائر الدينية، وأي مغاير عنهم بات يجذب الأنظار ويدفع بالفضول إلى المعرفة إلى استراق النظرات والإتهام وأحيانا يصل إلى التحرش، إضافة إلى ممارسة “طبقية الفقراء”.

لم يعد غريبا أن تجد سائق تاكسي أو ميكروباص من محدودي الدخل يعبر ميدان التحرير يتهم المعتصمين بأنهم بلطجية، وعندما تسأل: ما تعني لفظة “بلطجي”. يقول:” مش شايف أشكالهم عاملة إزاي يا باشا”. عندها سيكون أمامك خياران؛ إما أن تطلب منه بطريقة مهذبة أن يستوعب معنى الثورة وأن نتائجها يجب أن تصل إلى هؤلاء الفقراء الذين لا يرضى عن ملابسهم، أو أن تطلب منه بطريقة غير مهذبة النظر إلى ملابسه البسيطة وتتركه يواجه الحقيقة المرّة.

إعلاميو القائمتين السوداء والبيضاء من جانبهم باتوا يركزون في برامج توك شو ما بعد الثورة على تصدير يوم “الخامس والعشرين” من يناير بإعتباره بداية ونهاية الثورة، هذا اليوم الذي شهد مشاركة كاسحة لشباب الطبقة الوسطى المسيس منه كأقلية وغير المسيس كأغلبية. هذا التركيز “الخبيث” بات يحظى بمباركة رجال الأعمال والإخوان المسلمين ورجالات الأحزاب المدجنة وقيادات الأحزاب الوليدة وكوادر العلمانيين واليسار القديم ومشايخ السلفيين، الأمر الذي ألقى بظلال شكٍ على أي تحرك حالي لبسط نفوذ الثورة وتسهيل اقتحامها ميداني الإقتصاد والإجتماع، وجعل استمرارها يعني ببساطة مواجهة كل هذه الحجافل المسلحة بقوة الميديا والمال والدين.

ما يفعله هؤلاء هو إشارات لمستقبل يريد هؤلاء أن يمحو منه ذكرى “الثامن والعشرين” من يناير، والذي شهد مشاركة كاسحة لأبناء المناطق الشعبية الذين لا يرتدون أديداس ولا يعرفون طريقا لزارا أو تمبرلاند، ولم يخرجوا من منازلهم بعبوات إسبراي لرشها على زجاج العربات المصفحة، وإنما خرجوا بصدور عارية محملين بميراث ثقيل من عنف الشرطة وانتهاكات المخافر التي تم إحراقها بالكامل في هذا اليوم الخالد من تاريخ مصر.

تفصيلة صغيرة لم تحظ باهتمام في خبر تقديم قيادي سلفي اغراءات لأهالي شهداء الإسكندرية بقبول الدية الشرعية بدلا من الإستمرار في مقاضاة الضباط قتلة الثوار، لكنها ذات دلالة كبيرة. هذه الدية “الشرعية” تتراوح قيمتها بين 100 ألف و 500 ألف جنيه. طرحت سؤالا على أحمد ممدوح محامي واحدة من أسرة الشهداء، لماذا التفاوت الكبير في التعويض. قال: أفتى أحد مشايخ السلفية بأن قيمة البعير، وحدة قياس الدية، بأسعار اليوم تصل إلى 500 ألف، وعندما رفض مدير الأمن فتواه لأن القيمة كبيرة والشهداء بالمئات، ذهب إلى شيخ سلفي ثان أفتاه بأن قيمة 100 بعير بأسعار اليوم 100 ألف جنيه.. ووافقت 8 أسر فقيرة على قبول الدية الشرعية مبدئيا مقابل التنازل عن دماء أبنائها”.

 

للتواصل:

https://twitter.com/#!/torkyat

 

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل