المحتوى الرئيسى

المجتمع الفاضل ثمرة التقوى

07/06 12:06

بقلم: سيد معروف

لي صديق يشاكسني كثيرًا ويسعده أن يجادلني، وفي الحقيقة أجدُ في نفسي سعادةً عند جداله لي؛ لأنه يكون مستعدًّا للنقاش والجدال، وفي نفس الوقت مستعدًّا لتقّبل الرأي الآخر، بل وإذا وجد أن الرأي المخالف لرأيه هو الصواب أخذ به بل ودافع عنه وكأنه رأيه، وهذا ما يسعدني وليت جميعَ من يجادل ويناقش مثل صديقي، وفي ليلة من الليالي- وهذه عادته- إذا به يتصل في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل وسألني: هل نمت؟ قلت: لا، فقال: أريد أن أناقشَ معك أمرًا؛ فقلت: خيرًا، الآن؟ أم ميعاد نحدده؟ قال: الآن، فعلمت أن شيئًا أرقه لدرجة أنه لم يصبر لنلتقي في ميعاد نحدده سلفًا، فقلت: أين اللقاء؟ فقال: في المكان المعتاد، وكان أحد المقاهي التي كثيرًا ما نلتقي فيها، وأسرعت للالتقاء به؛ فقابلني بسيل منهمر من الأسئلة.

 

إحنا فين رايحين؟! وما المخرج من هذا المأزق؟ دينية أم مدنية ؟ الدستور أولاً أم الانتخابات؟ النخبة ومن هم؟ وماذا يريدون؟ والمصلحة العامة وحدودها؟ وإذا تعارضت مع الخاصة فماذا نقدم؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ فقلت: مهلاً قبل أن يطول بنا المقام هنا، ونحن نطرح أسئلةً فقط؛ ولكن علينا أن نتعامل مع أولوية الأسئلة والمواقف والإجابة عنها؛ فقال: أجبني أولاً عن هذا السؤال الذي أراه من أولويات هذه المرحلة التي أراها قد تطول وأرى أنها قد تصبح أزمة، قلت: ما السؤال الذي تراه من وجهةِ نظرك أنه أولى الأولويات؟ النخبة ومن هم؟ وماذا يريدون؟ فتبسمت، فقال: أتسخر مني؟

 

قلت: معاذ الله ولكن الحل في كلمة واحدة؛ كشف الله تبارك وتعالى عن حكمة الخلق والحياة والممات والعمل؛ وفي هذه الكلمة المضيئة ذات الأحرف القليلة يتجمع كل ما يُرجى للإنسان من ألوان الخير، والهدى والبر. قال: وما هي؟ أفدني أفادك الله، قلت: التقوى.

 

وإن هذه الكلمة الجليلة تتسع على قلة حروفها؛ فتشمل الإسلام عقيدةً وعبادةً، وهي مع خفتها على اللسان ثقيلة في الميزان وبها يرجح الناس عند الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)، وهي صمام الأمن في المجتمع، والحارس اليقظ في داخل الضمائر، وطوايا السرائر، فإذا ثارت الشهوة، وجمحت الغريزة، وعربدت نوازع الشر، جاءت التقوى فكبحت الجماح، وشدت الوثاق، وروت الهوى الشارد، وصدَّت النفس الأمارة بالسوء، لأن التقوى في حقيقتها حساسية القلب وشعوره بالخوف ورجفته من غضب الله.. وهي بهذا المعنى إذا اكتملت صورتها في قلب الإنسان أقبل على العمل إيمانًا واحتسابًا، وإيثارًا لما عند الله من أجر ومثوبة، وهي التي تحرس الإنسان فتحميه من غوائل الشر والرفث والفسوق وقول الزور والعمل به والفساد والإفساد.

 

فقال: مهلاً جئتك سائلاً عن النخبة ومن هم؟ وماذا يريدون؟ فإذا بك تجبني عن التقوى وما دخلها في موضوعنا؟ أتريد أن تزيدني حيرةً.

 

فقلت: له: أخي استمع ثم جادل وناقش، ألم نتعود على ذلك؛ أن نترك المتكلم ينهي كلامه ثم نناقش؟.

 

قال: بلى، عندك حق.

أخي إذا أردنا أن نبني مجتمعًا فاضلًا تظلله السكينة، وتسوده الحياة المطمئنة، لما أمكن تصوره إلا في ظلال (التقوى) عندئذٍ نرى فيه الحاكم العادل، والقاضي الراشد، والعالم العامل، والكاتب العفَّ، والتاجر الصدوق، والزارع القنوع، والصانع الأمين، وربَّ البيت الذي يدرك أنه راعٍ لشئون زوجه وأولاده، وكل راعٍ مسئول عن رعيته.

 

أخي إذا استطعنا أن نتصور مجتمعًا تجرَّد من تقوى الله وتعرَّى من خشيته، لهالنا ما نرى من انفراط عقد النظام، واختلال موازين القيم، وحينئذٍ تصبح الحياة حصيدًا خامدةً كأن لم تغنَ بالأمس.

 

ولذلك نرى يا أخي عظيمَ اهتمام الإسلام بالتقوى، وعنايته بها، وتردد لفظها في آيات القرآن الكريم في أكثر من مائتي مرة، في صورة الحديث عنها، أو الأمر بها، أو الترغيب فيها.

 

فهي طوق النجاة من سوء الدنيا وعذاب الآخرة: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ﴾ (الزمر: من الآية 61).

 

وهي أكرمُ زادٍ ينتفع به الإنسان في عاجل أمره وأجله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: من الآية 197).

 

وهي خير لباس يصون المرء ويزينه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: من الآية 26).

 

وهي تصاحب الفضائل جميعها، وتدور في فلكها.

 

 إنها العدل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)... ومع الوفاء والنبل: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ (آل عمران: من الآية 76).. ومع التواضع: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ .. ومع الصبر والإحسان: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 90).

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل