المحتوى الرئيسى

إكرام يوسف : الداخلية.. وثورة صارت ضرورية

07/06 11:42

 

استبشرنا خيرا بتعيين اللواء منصور العيسوي وزيرا للداخلية ، عندما سمعنا أنه من خارج جهاز أمن الدولة سيء السمعة، و تردد أنه من محبي “العارفين بالله”. وأكبر الناس شهادته في برنامج تليفزيوني أن أي إطلاق للرصاص الحي على المتظاهرين، لا يحدث إلا بأوامر من القيادة السياسية. ولكن، الواضح أن تغيير الرأس ـ وحده ـ لم يغير فلسفة الجهاز التي عاش عليها طوال عقود. فمازال قطاع واسع من السادة الضباط يعيش بعقلية “احنا اسيادهم”!، ولم يقتنع بعد بالتغيير الأخير في شعار السلطة، أو ربما لايعترف بأن ثورة قامت من الأساس. وعلى الرغم من إيماننا بخطأ التعميم، وأن قطاع الشرطة لا يخلو من شرفاء، إلا أن الصورة الظاهرة مازالت تكشف عن إصرار آخرين على لي ذراع المجتمع وممارسة الإضراب التباطؤي؛ والسماح بالانفلات الأمني رفضا لمحاسبة أفراد منه على قتل المواطنين أثناء الثورة! وظهرت أبواق تردد أن “السادة” الضباط لا يريدون العمل اعتراضا على احتجاج الناس على ممارساتهم الوحشية قبل الثورة.. كما لو كانت إهانة المواطنين وسحق كرامتهم شرطا  لقيام هؤلاء “السادة” بواجبات  يتقاضون عنها رواتب من جيوب هؤلاء المواطنين.

الأمر خطير بالفعل، ويحتاج وقفة حازمة، وعقلاء من وزارة الداخلية يقودون ثورة لإفهام “الآخرين” أن زمن الغطرسة وإذلال المواطنين، ولى بغير رجعة.. وأن الناس بعد أن ذاقوا طعم استرداد الكرامة لن يفرطوا فيها بعد الآن.. على الكبار في وزارة الداخلية إفهام  “الصغار” أن الشعب هو “السيد” الآن، وإلى الأبد.. وعلى من لايريد أن يفهم ذلك، أن يبحث له على وظيفة أخرى، أو يذهب إلى أقرب طبيب نفسي ملتمسًا العلاج، فلن يسمح له  أحد بإرضاء رغباته السادية مرة أخرى.. وكانت هذه الرغبات، وممارسة متعة سحق إنسانية المصريين، سبة يعيرنا بها حتى الأشقاء عندما نذهب إلى بلدانهم؛ وبات أسهل اعتذار يوجه إلى مصري تعرض للمهانة في قسم شرطة بلد شقيق “يا أخي.. هنا أهون كثيرًا من عندكم”. وبعد أن رفع أبناؤنا الثوار رؤوسنا، وأظهروا للعالم كله أن في مصر شعبًا، ربما علمته حكمة آلاف السنين أن يمد حبال الصبر للطاغية آملا أن يرتجع، لكنه أبدا لايستمرئ الذل ولايقبل الركوع إلا لخالقه.

وإذا كنتم تريدون يا “سادة” رأب الصدع فعلا، وإعادة الثقة في جهاز الشرطة، فأنتم من عليكم التقرب إلينا أولاً.. وأنتم من تدينون لنا بالكثير، وفي أعناقكم دماء بعض أطهر أبنائنا، وفي سجلكم ممارسات تنافي ماهو مفترض من مهنية جهاز يعمل في “خدمة” الشعب.. إذا كنتم تريدوننا أن أن نصدق أنكم أبناؤنا وإخوتنا، فعليكم أولا إظهار إيمانكم بأننا أهلكم، ولسنا عبيد إحساناتكم. عليكم أن تطهروا صفوفكم ممن يسيئون إلى صورتكم، وألا تحولوا دون معاقبة الجناة منهم، قبل أن تطالبونا بأن نحسن الظن فيكم. وإذا كنتم ستخيروننا بين إهانتنا وبين الانفلات الأمني، فلا مرحبا بمن يهيننا؛ ولتجلسوا في بيوتكم بغير شر، ويعود أبناؤنا لحمايتنا بلجانهم الشعبية؛ فقد جربنا أياما كنتم فيها غائبين، نعمنا فيها بالأمان في ظل حماية هؤلاء الأبناء، الذين حموا بصدورهم المتحف المصري يوم تقاعس الآخرون عن حمايته بأسلحة لم توجه إلا إلى صدور المتظاهرين ورؤوسهم وأعناقهم..

وكانوا ينظمون المرور، ويسهرون على حماية المنشآت والممتلكات بإخلاص وحب، فننصاع لأوامرهم بالتفتيش، ونبرز لهم أوراقنا الثبوتية بكل احترام؛ ولم نشهد وقتها طوبة ألقيت على كنيسة، ولم نسمع عن حوادث تحرش، حتى حوادث التخريب التي ارتكبها بلطجية اعترف كثيرون منهم أنهم خرجوا من السجون بأوامر ضباط كلفوهم بالتخريب، توقفت تماما بعد تكوين هذه اللجان.. وأشهد أنني شخصيا فقدت في الميدان أثناء الثورة رخصة قيادتي مرة، ومحفظتي مرة أخرى.. وفي المرتين بلغني نبأ العثور على أغراضي عبر إذاعة الميدان قبل أن أكتشف ضياعها.

وكان تصرف قوات الشرطة في ميدان التحرير ليلة الأربعاء الماضية منذرا بإعادة سيناريو جمعة 28 يناير مرة أخرى. خاصة بعدما تردد ـ هذه المرة أيضا ـ عن دفع ضباط من الشرطة بلطجية إلى الميدان لإحداث تخريب، يكون مبررًا لاستخدام العنف المفرط مع المتظاهرين. وهي صورة طبق الأصل من ممارسات شرطة العادلي في عهد المخلوع، عليهما من الله ما يستحقان. وبصرف النظر عمن بدأ الأحداث، بات واضحا للجميع أن المصريين أصبحوا أكثر استعدادًا من قبل للتضحية بحياتهم درءًا لعودة أوضاع ما قبل 11 فبراير. وحسنا فعل وزير الداخلية، عندما أمر قواته بضبط النفس والانسحاب من الميدان.. وتعهد للشعب بمحاسبة من تجاوزوا من رجاله. فلا يعلم سوى الله تعالى ما كان الحال سيصل إليه لو لم يفعل.. على الرغم من أن تنفيذ هذا الأمر استغرق عدة ساعات؛ كان ضباطه لا يفرطون في استخدام العنف مع المتظاهرين السلميين فحسب؛ وإنما أظهر يبضهم مهارات لم تكون متوقعة في ضباط شرطة ما بعد الثورة، كالرقص بالسيف و”الردح” للمتظاهرين وتوجيه ألفاظ بذيئة تدل على مستوى أخلاقي كلان سائدا في عصر المخلوع!.. ويمثل تأخر الاستجابة لأوامر الانسحاب من الميدان والتوقف عن ضرب المتظاهرين عدة ساعات علامة استفهام كبرى، فهل مازال بالجهاز قيادات لاتمتثل لأوامر الوزير الجديد، ومازالت تعمل بأوامر صادرة من طرة؟ أم أنها صوارع الزمار التي مازالت تلعب؟

بقي أن تعمل القيادة السياسية مع وزير العدل على إعادة تصحيح مفاهيم العمل الشرطي في أذهان أفراد الشرطة، وتطهير صفوفهم ممن يصرون على تجاهل قيام الثورة، ويواصلون سلوكيات كان لها أكبر الأثر في قيامها يوم عيدهم بالذات.. وإن لم يكن ذلك ممكنًا في وجود القيادات الحالية للجهاز، فلا  بديل عن تحرك ثوري يتفق ومقتضيات الثورة، ربما يكون إقالة أغلب القيادات، وتعيين خريجي كليات الحقوق ضباطًا في الجهاز، بعد اجتيازهم دورة تدريب مكثفة.. وربما نحتاج أيضا إلى العودة إلى فكرة تعيين وزير داخلية مدني، يستطيع التفاهم مع المواطنين، ويحترم كرامتهم، ويعرف حدود دور الشرطة في “خدمة” الشعب..ويلغي من أذهان أفرادها ـ تماما ـ سياسة “احنا أسيادهم”!.

ekramegypt@yahoo.com

 

 

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل