المحتوى الرئيسى

وقفة مع تخصيص قطاع المياه

07/06 06:38

محمد بن ناصر الجديد

شهدت اقتصادات أمريكا اللاتينية خلال الفترة من 1950 إلى 1990 موجة تأميم معظم الشركات الخاصة. عزيت أسباب موجة التأميم هذه إلى طبيعة الاقتصاد السياسي في هذه الدول خلال تلك الفترة؛ من وقوع تحت الحكم العسكري أو انضمام إلى المعسكر الشيوعي أو كليهما.

أسهمت موجة التأميم هذه في بلوغ آفاق الاقتصاد السياسي، لكنها عجزت عن بلوغ آفاق الاقتصاد التنموي. أدى هذا التباين بين الآفاق إلى تواضع مساهمة اقتصادات أمريكا اللاتينية في نمو منظومة الاقتصاد العالمي. فتزايدت مشاركة السياسيين في القرار الاقتصادي وتواضع أداء الأنشطة والخدمات التنموية وتراكمت ديون الشركات العامة وتراجعت مكانة العملة الوطنية.

ألقى انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء حقبة الحرب الباردة بظلالهما على اقتصادات أمريكا اللاتينية وأيديولوجيتها السياسية، فبدأت اقتصاداتها بالتوجه نحو المعسكر الرأسمالي وتدعيم مبادئ الاقتصاد الحر من توطين الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتدويل الاستثمارات الوطنية وتفعيل تنافسية الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي.

بدأ الاقتصاد البرازيلي ضمن موجة الإصلاح الاقتصادي هذه مطلع التسعينيات الميلادية من القرن الماضي بتدشين برنامج تخصيص طموح لتخصيص الشركات العامة العاملة في مجال الحديد والصلب، الاتصالات، الطائرات، الكهرباء، والطاقة.

تميز برنامج التخصيص البرازيلي بميزتين رئيستين. الأولى اعتماده على آلية تنفيذ واحدة تمثلت في إنشاء وزارة للتخصيص لتتولى مهام التخصيص الجزئية والكلية. والأخرى اتباعه أسلوب البيع لمستثمر رئيس عوضاً عن الاكتتاب العام لاعتبارات اقتصادية، من أهمها تواضع دخل المواطن البرازيلي وتواضع قوته الشرائية.

بدأت عملية التخصيص بشكل بطيء لكنها ما لبثت أن تسارعت مع زيادة المعرفة في التخصيص وتدفق عائدات التخصيص للخزانة البرازيلية وتحسن البنى التحتية الرئيسة بشكل ملحوظ.

أسفرت عملية تخصيص الشركات البرازيلية بنهاية التسعينيات الميلادية من القرن الماضي عن تخصيص قرابة 300 شركة عامة وجمع قرابة 150 مليار دولار أمريكي كعائدات تخصيص، وتطوير البنى التحتية، وتحسين الأداء العام، وتطوير تنافسية الاقتصاد البرازيلي. كما أسهمت كذلك في وضع الاقتصاد البرازيلي موضع منافس رئيس لاقتصادات الصين، الهند، تركيا، وجنوب إفريقيا، للاستحواذ على معظم الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال العقد الماضي.

وعلى الرغم من بلوغ جميع هذه الآفاق إلا أنها تعد متواضعة إذا ما قرئت من وجهة نظر المواطن البرازيلي. فما زال مستواه المعيشي دون المتوقع، ومعدل البطالة في تحسن طفيف، والخدمات الصحية والتعليمية دون المأمول. تحمل تجربة التخصيص البرازيلية فوائد عديدة حول إيجابيات وسلبيات اتباع آلية وأسلوب تخصيص واحدة، وانعكاسات هذه المنهجية على المستوى المعيشي للفرد والأسرة والمجتمع. عديدة هي الفوائد عندما نقارن التجربة بمثيلتها السعودية، فتجربة التخصيص السعودية تتميز باتباعها آليات مختلفة وأساليب متعددة نابعة من تباين الأهداف الاقتصادية بين السعودية والبرازيل. نستطيع التعرف أكثر على هذه المنهجية من خلال قراءة استراتيجية التخصيص السعودية الوطنية، بشكل عام، وتخصيص قطاع المياه بشكل خاص.

يعد قطاع المياه من القطاعات الحيوية الجاري تخصيصها ضمن مظلة استراتيجية التخصيص السعودية الوطنية. تشمل عملية التخصيص هذه تحويل قطاع المياه الجوفية وتوزيع مياه الشرب وتجميع الصرف الصحي ومعالجته بمختلف مكوناتها وتجهيزاتها الفنية والإدارية إلى شركة المياه الوطنية كشركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة ممثلة في صندوق الاستثمارات العامة.

تهدف شركة المياه الوطنية إلى أن تقدم خدمات استخراج المياه الجوفية وتنقيتها وتوزيعها وتجميع ومعالجة مياه الصرف الصحي، والإسهام في تدريب الكوادر البشرية الوطنية وتأهيلها، وتشغيل القوى العاملة الوطنية، وتهيئة إمكانات ومرافق التأهيل والبحث والتطوير ونقل التقنية وتوطينها وتطويرها.

وعلى الرغم من الجهود الحثيثة المبذولة في هذا الجانب، إلا أن مدارسة آلية قطاع المياه والتعمق في خصوصياته من الأهمية بمكان لضمان نجاح عملية تخصيص القطاع، بشكل خاص، واستراتيجية التخصيص السعودية الوطنية بشكل عام. مجموعة من القطاعات تم تخصيصها خلال الفترة الزمنية الماضية. من قطاع الموانئ، إلى قطاع الاتصالات، مرورا بمرفق البريد، ووصولاً إلى قطاع المياه. تباينت الأهداف الاقتصادية من تخصيص هذه الخدمات والأنشطة بين تحسين الأداء أو زيادة الربحية أو تطوير الإنتاجية أو جميعها.

وتباينت مع تباين الأهداف الاقتصادية آليات التخصيص بين إنشاء هيئات عامة، كهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، أو إعادة هيكلة هيئات عامة قائمة، كرئاسة الطيران المدني، أو إنشاء شركات تعمل على أسس تجارية، كما هو الحال في شركة المياه الوطنية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل