المحتوى الرئيسى

الفيل يا رئيس الزمان

07/06 04:40

عادل الطريفي

في حوار أجرته قناة «العربية» مع عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري السابق (1984 - 2005)، قال: «أتوقع أن يكونوا - أي أركان النظام السوري - في السجن بعد ثلاثة أشهر»، ولكن لم يشرح لنا السياسي المخضرم كيف سيحدث ذلك؟

لعل أكبر الأوهام التي تتعلق بالانتفاضات العربية - أو ما يسمى «الربيع العربي» - هو أن إرادة الشعب غيرت - أو ستغير - النظام، ولكن الوقائع على الأرض تروي حكاية أخرى. فقد حدث التغيير في هرم السلطة في دولتين هما تونس ومصر بفضل تدخل الجيش في الحالتين إما بطرد الرئيس، أو دفعه إلى الاستقالة. أما في البلدان التي ما زال فيها الجيش، أو بعض قطاعاته يقف إلى جانب الرئيس، فإن الانتفاضات ما زالت عاجزة عن تغيير النظام على الرغم من مرور شهور على مئات المظاهرات والاعتصامات في الساحات المفتوحة.

أين هو جيل «تويتر» و«فيس بوك» في أحداث ليبيا، وسوريا، واليمن؟! لقد بات من الواضح، أن من يمتلك السلاح والعسكر ما زالت لديه القدرة على مصارعة حالات العصيان المدني، والرهان على الوقت حتى ينحسر الزخم الشعبي، وتتراجع الجماهير إلى بيوتها، فالغالبية لا تستطيع التظاهر كل يوم إذا ما رأت أن الداخل والخارج لا يستجيب مع خسائرها.

هناك من يجادل بأن نظاما كالعقيد في ليبيا أو البعث في سوريا لم يعد بوسعهما الاستمرار في الحكم، وأن مبررات بقائهما قد انكشفت، ولذلك لم يعد أمامنا إلا الانتظار حتى يحدث التغيير. المشكلة في هذه القراءة، أنها تفترض أن التغيير أفضل من الواقع، وأن الذي يحول بين تلك الانتفاضات الشعبية والحكم التعددي الديمقراطي هو رحيل تلك الأنظمة.

حقيقة، هؤلاء يقعون في ذات الخطأ الذي وقعت فيه إدارة الرئيس بوش عبر احتلال العراق وتفكيك مؤسساته في 2003، فإزاحة الطاغية وطبع صور رموز النظام على ورق لعبة الكوتشينة لم تنجح في إجراء تغيير سلمي ومدني في العراق، وباستثناء انتخابات طغت عليها الطائفية، فإن العراق كدولة قد فشل في إعادة الحياة الاقتصادية والأمنية، والخدمات إلى وضعها الطبيعي، وتحولت البلد إلى ساحة للحرب الطائفية والقتل والإرهاب، وامتداد للنفوذ الإيراني، بحيث لا يحول بين تفكك الدولة إلا بقاء القوات الأميركية.

هناك كارثة محدقة تواجه الدول العربية التي تشتعل نار الانتفاضة والعصيان فيها، وهي احتمالية تحولها إلى دول فاشلة. حالة اليمن الذي يتهدده التقسيم، والفقر، وانتشار جماعة القاعدة الإرهابية، واضحة، ولكن دول مثل ليبيا أو سوريا مهددة بأن تتحول إلى الحرب الأهلية، أو أن تواجه أزمة انتقالية تضعف من فرصها في التحول إلى نظم حكم مدنية.

المبشرون بـ«الربيع العربي» - أو الثورة - في منطقتنا محقّون بشأن استبداد وفساد الأنظمة القائمة، ولكن أزمة «السياسة» في العالم العربي لا يمكن اختصارها في الحاكم المستبد وبطانته الفاسدة، بل إن دول المنطقة تعاني مشكلة بنيوية في نظام الحكم إلى جانب الاستبداد، وهي: غياب الاقتصاد والمؤسسات.

الدول العربية لا تنتج، وأداؤها الاقتصادي متواضع للغاية، وباستثناء ليبيا التي لديها نفط، فإن البقية، كسوريا واليمن، تعاني فشلا اقتصاديا عسير حله حتى بعد ذهاب النظام، ثم إن النظام في هذه الدول - على الرغم من سوئه - لديه القدرة على تسيير شؤون الدولة، وهنا تواجه الانتفاضات العربية بابا مسدودا، فهي إن نجحت في إزاحة النظام قد لا تتمكن من خلق نظام أفضل لعدم توافر المؤسسات الضرورية لصناعة دستور جديد، وأنظمة وتشريعات جديدة، ثم من أين لها أن تخلق واقعا اقتصاديا - وصناعيا - أفضل من أجل تلبية تطلعات الثائرين في الشوارع العربية.

ولعل هذا ما أدركه المجلس العسكري الذي بات يحذر من استدامة الوضع «الثوري» في مصر - لا سيما مع حملة «الدستور أولا» - لأن من شأن ذلك أن يجعل مصر عاجزة اقتصاديا، وأن يؤخر فرصة البلاد والعباد في استعادة الأوضاع الطبيعية.

كل يوم يتمكن فيه نظام القذافي، أو الأسد، أو صالح من الاستمرار يعني نقصا في قدرة الانتفاضة على صناعة تغيير ناجح. صحيح أن مستقبل هذه الأنظمة بات معدودا، ولكن قدرتها على تأخير هذا التغيير ستقود إلى فشل التجربة برمتها، وتحولها مع مرور الوقت إلى مرحلة فوضوية قضت على مقدرات تلك البلدان الاقتصادية ناهيك عن الخسائر البشرية.

ليس هذا دفاعا عن الوضع القائم، ولكن كان يجدر بالكثير ممن شجعوا - أو باركوا - الثورات أن يضعوا في اعتبارهم أن الانتفاضات الشعبية هي تحولات غير مضمونة العواقب، ومفتوحة على سيناريوهات بعضها جيد، والبعض الآخر أكثر سوءا.

لدى هذه البلدان مشكلات إثنية، وطائفية، ومناطقية، وما تزال متأخرة في مؤسساتها واقتصادياتها، ومرورها بحالة التحول هذه قد لا يزيد عن صب الزيت على النار في بلدان تائهة أصلا.

ألا يلفت انتباهك أن الباجي قائد السبسي في تونس، وحسين طنطاوي في مصر، ومصطفى عبد الجليل في ليبيا، وخدام في سوريا، وأعضاء اللقاء المشترك المعارض، كلهم كانوا جزءا من النظام السابق وهم من يقودون اليوم عملية التغيير أو يطمحون إلى ذلك؟!

لماذا؟ لقد نزل مئات الآلاف إلى الشوارع للاحتجاج على الأوضاع أولا، ثم تحولت المطالب إلى جمعة «ارحل»، ولكن لم يكن يدري أحد ماذا ينبغي أن يحدث بعد ذلك، ولهذا لم يكن بمستغرب أن يأخذ بزمام الأمور رجال وأحزاب لهم الخبرة في السياسة من هؤلاء المتظاهرين الذين لم يجمعهم إلا غضب، وعليه فإن الذين تصوروا أن العالم العربي تحول بقدرة قادر إلى شعوب تطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية كانوا متفائلين للغاية، فالتظاهر وحده لا يصنع أنظمة أفضل، بل تصنعه الأفكار والإنتاج، أي مزيج من التطوير المؤسساتي والنمو الاقتصادي.

من أجل ذلك ينبه آندرو ميتشل، وزير التنمية الدولية في الحكومة البريطانية، إلى أن المشكلة الأصعب ستأتي بعد إزاحة النظام، ألا وهي محاولة بناء دولة مؤسسات وحقوق على أنقاض مجتمع متفكك بالأصل، ففي تقرير من 50 صفحة يمثل مقترحات للخطة الانتقالية في ليبيا، جدل حول عدم جواز حل الجيش أو المؤسسات الأمنية بعد رحيل القذافي، أو إقامة لجان استئصال، لأن من شأن المحافظة على وحدة العسكر، والدفع باتجاه المصالحة والعفو العام أن يهيئ للبلد الانتقال السلمي - ولو عبر مؤسسات القذافي المتواضعة - لأن حلّ النظام القائم قد لا يعني القدرة على إقامة مؤسسات جديدة.

إذا كان هذا هو الموقف تجاه نظام القذافي الذي لا يملك مؤسسات حقيقية بل لجان ثورية، فما بالك بسوريا واليمن اللذين على الأقل لديهما شيء من مقومات الدولة الطبيعية، ولهذا فإن الدعوة الثورية التي تطالب بالتغيير الشامل قد تزيد التعقيدات في تلك البلدان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل