المحتوى الرئيسى

حياة بلا أسئلة

07/06 08:18

فى كثير من منابر المساجد، تلمح الجهل يخطب فى الناس، والتشدد يخطف عقولهم، فيكون التكفير راية والأحكام القاطعة سبيل الموعظة، ورُخَص الجنة والنار توزَّع يميناً ويساراً، وينتفض المنبر من قسوة الكلمات ورنين الوعيد والدعوة والتشديد على المخالفين والمختلفين والمفرطين، ومن هم ليسوا على منهج ملك المنبر الذى صعد فى غفلة ليسوس الناس بأقوال من قبيل الموضوع والضعيف والدعايات والهوى وغيرها، والحدود هنا بين الأفكار وهمية لا تقف أمامها الجدر أو الأسوار، فالسياسة دين والدين سياسة، والعلمانى كافر، والليبرالى يترك زوجته لصديقه، والإخوانى عدو للسلفى، والسلفى هو السائر على الأشواك فى زمن التفريط، والصوفى فى النار، والشيعى خارج عن الملة، والأزهريون كغثاء السيل.

هذا هو خطاب مساجدنا: استقطاب وتصنيف وتناحر لفظى، ويخرج المصلون بنفس ترددهم وحيرتهم، ويسيرون حتى منازلهم مشوشين تتعرج عقولهم مثل علامة الاستفهام وينتظرون الإجابات، ويعودون ويبحثون عن النقطة قبل أن تجىء لهم النقطة.

القاعدة بالتأكيد تحمل استثناءات، لكنها لا تملأ الفراغ ولا تغلق أبواب الرياح العاتية، فالقادم أسوأ، فالكل يرغب فقط فى الدفع بأفكاره لهدم الأفكار الأخرى حتى لو كانت المساجد الوسيلة.

حكى لى أحد الملتزمين دينياً أنه ركب سيارة فراح أحدهم يخطب فى الناس ويستشهد بآيات، فضاق الشخص به ذرعاً لأنه يحاول لىّ ذراع القرآن الكريم ليناسب أفكاره فسأله الملتزم «أرجو أن تكمل لى الآية القرآنية التى تستشهد بها»، فغاص الملتحى فى صمته وعجز عن إكمال الآية لأنه لا يحفظها، فهو قد لقن بلا عقل أو استيعاب، فأخذ يدعو الناس بما حفظه وليس بما فهمه.

وفى هذا الشأن، يقول الشيخ الغزالى، رحمه الله: «على الداعية أن يعرف ربه، فلسنا نعنى المعرفة العامة التى مكلف إياها كل مؤمن، بل نعنى مزيداً من المعرفة، يجعل صاحبه أنور قلباً، وأرحب فقهاً، وأدوم استحضاراً، وأنضر استذكاراً، من ثم لا يفهم ألبتة أن يتصدى أحد للدعوة لله والأخذ بصراطه، وهو لا يعرف الله ولا يدرى صراطه».

ويكمل «الغزالى» متحدثاً عن حال الدعاة والمتصدين للمنابر: «وقد نشأت من قصر النظر إلى علل المجتمع، وقلة الزاد من هدايات السماء، مفارقات تستدعى العجب، ففى الذهن الفقير تتمدد المعلومات القليلة وتصبح كل شىء، ومصاب الإسلام فى أعصار كثيرة وفى هذا العصر خاصة، يجىء من الدعاة الذين يعجزون عن الموازنة بين شتى تعاليمه، إما لشلل فى مداركهم يمنعهم من الاتزان وإحسان الفهم أو لنقص فى ثروتهم العلمية».

نرى هؤلاء على منابرنا، ولا نثور عليهم رغم أننا ثرنا وخلعنا مبارك لكننا لا نستطيع أن نخلع هؤلاء لأنهم يحملون صكوك الحصانة، فإذا اختلفت معهم أو ناقشتهم فأنت من فلول الكفرة الفجرة. لا تخضعوا لمن يتجاوز بجهله المدى، ولا تدعوا صوتاً زاعقاً يحدد اتجاهاتكم، ومكّنوا أنفسكم بفضيلة الاعتراض على أن تعلو الدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، فدعوة الأنبياء كانت متسامحة حتى مع المخالفين والمعارضين.

لا تستكن حتى لا تكون شيطاناً سكت عن الحق، واسأل من أطاح بك إلى النار «من أنت؟» فالسائل إلى الأبد عاقل يدرك أن الحياة بلا أسئلة لا تعاش.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل