المحتوى الرئيسى

> «عبد الحليم موسي» كان يسير في طريق «المحجوب» وغير مساره بأوامر من «مبارك»

07/05 21:03


بعد أيام من التحقيق الموسع الذي نشرته «روزاليوسف» حول اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق، فتحت التحقيقات من جديد في القضية بإشراف المستشار عبد المجيد محمود النائب العام، إلا أن هناك دلائل أخري علي تورط الرئيس المخلوع حسني مبارك في اغتيال «المحجوب» نكشفها مجدداً في هذا التحقيق.

لقد سجلت أوراق القضية واقعة لا يمكن السكوت عنها بعد ثورة 25 يناير، فقبل دقائق من مقتل «المحجوب» كان اللواء عبد الحليم موسي وزير الداخلية المصري ساعتها الذي زعموا أنه من كان مقصودا بالقتل سيمر بنفس خط السير لكن أشخاصاً منتمين لجهاز أمني يتبع الرئيس السابق حسني مبارك أغلقوا عليه الطريق وحولوا مسار موكبه لطريق آخر يبعد عن مكان اغتيال «المحجوب» عدة شوارع، وبعد أن علم «موسي» بنبأ اغتيال «المحجوب» في هذا الموقع أصيب بالانهيار العصبي فخبرته كضابط محنك كشفت له المستور!

أما كل شهود الإثبات مجتمعين فلم يتعرفوا علي أي فرد من المجموعة التي حوكمت علي أساس أنها من كانت بمسرح الجريمة، وهو ما جعل القاضي الدكتور وحيد محمود إبراهيم يطمئن في حكمه.

شهادة الرائد محمد النجار ضابط أمن الدولة في أوراق القضية تفيد بأن جهة خاصة تتبع الرئيس ولا تتبع أجهزة الأمن المصرية هي التي تولت عملية القبض علي المتهمين في القضية ومنهم المتهم الثالث «محمد أحمد علي» الشهير بـ«محمد النجار»، إلا أن المتهمين الأول والثاني قتلا قبل بدء الجلسات.

مستندات أمنية حديثة وجدت في أمن الدولة المنحل تفتح بابا آخر، فقد سجلت كلمة مهمة وهي: "لقد كان التخلص من الدكتور رفعت المحجوب ضرورة فرضتها قوي داخلية وإقليمية وعالمية لتغيير شكل الحياة في مصر من الاشتراكية إلي الرأسمالية ومن القطاع العام إلي الخصخصة ولتغيير شكل التفاهم في المنطقة من تحالف القومية إلي تفتت الانعزالية ومن معاداة إسرائيل إلي الصلح معها"، وهي المعلومة التي يجادل عليها البعض حاليا.

الزمان الجمعة 12 أكتوبر 1990 وعقارب الساعة تشير إلي الحادية عشرة إلا ربعاً صباحا واليوم هو المحدد لإعلان نتيجة الاستفتاء علي حل مجلس الشعب تنفيذا لحكم المحكمة الدستورية بعدم شرعية المجلس، وأوشك الأمر أن يصبح سابقة تاريخية لم يشأ مبارك أو نظامه لها أن تسجل، عقارب الساعة تتسارع ووقت «المحجوب» ينفد من الدنيا والمفترض أنه في طريقه للقاء رئيس البرلمان السوري بفندق ميريديان فقد أكد الأخير أنهم لم يخبروه أبدا بزيارة «المحجوب» له وأنه كان يعد للخروج مع الوفد السوري المرافق له لزيارة منطقة آثار الجيزة في إطار الجدول الترفيهي المحدد مسبقا، وهو ما يجعلنا نتساءل عن كيفية حدوث ذلك.. فحتي فندق الميريديان شهد عنه حسام الدين طلعت السادات مدير العلاقات العامة بأنهم لم يخطروا بقدوم «المحجوب» لكنهم أعلنوا في إدارة المراسم التابعة لرئاسة الجمهورية بأنهم أصدروا خطاب حجز لـ«المحجوب» وهو الخطاب الذي لم يظهر أبدا!

وفي سؤال طرحه الدفاع برئاسة أحمد نبيل الهلالي ووجهه لحسام السادات هو:

• هل تقوم الأجهزة المعنية والفندق عند إقامة أي من الوفود الاجنبية به بإخطار أجهزة الأمن المختلفة بتواجد الوفد وقدوم شخصية كبيرة هي الرجل الثاني في مصر؟ وأجاب «السادات» قائلاً:

ــ نعم بيخطروا شرطة السياحة وفي بعض الأحيان بنخطر قسم شرطة مصر القديمة الذي يتبعه الفندق، وذلك عند قدوم شخصية كبيرة للفندق بمناسبة تواجد الوفد ومع ذلك لم يحدث أي إخطار أو أي إبلاغ بزيارة الدكتور «المحجوب» المرتقبة للفندق وعليه لم يخطر أحد.

أما شهادة أمين الشرطة إيهاب نافع بالجلسة رقم 68 في صفحة 1530 فـ«كانت غريبة» فقد شهد أنه لمح القاتل بقوله: "دخل برأسة من الشباك اللي جنب الدكتور رفعت ودخل الرشاش وبدأ يضرب جوة السيارة"، وكانت المحكمة قد سألته بقولها: "طيب الجاني برأسه ملخوم في ضرب المحجوب وأنت في إيدك طبنجة وبيدك أيضا مدفع رشاش ومع ذلك لم تطلق رصاصة واحدة علي الجاني؟ ويرد الشرطي: "إن كل ما فعلته هو إطلاق عدة طلقات عشوائية في الهواء الطلق".

نفس الشرطي اعترف في شهادته بشيء مريب، فيقول في صفحة 1523: قعدت أصرخ علي أساس أن حد من فندق سميراميس أو حد من فندق شبرد من أفراد الأمن ينقذنا لكن المنطقة كانت خالية تماما وماكانش فيها حد لمدة عشر دقايق بعد انتهاء الحادثة".

ومن شهادات الشهود «المراكبية» الذين كانوا يعملون في النيل يوم الحادثة نجد الشاهد الحادي عشر محمود صبري المراكبي يروي أن ضابطاً بشرطة المسطحات المائية قد مر عليه وفي الصفحة رقم 1614/1613 نجده يشهد علي ذلك الضابط بقوله: "وهو واقف بيتكلم معانا كمراكبية سمعت صوت طلقتين متتاليين ولقيت واحدة من الطلبة بتقول ده واحد ماسك رشاش ضرب منه نار وفي واحد مرمي علي الأرض فلقيت العقيد سابني وخد البوكس ومشي أنا لقيته ركب العربية البوكس ومعاه العساكر ومشي"! وكأن تعليمات قد صدرت لكل رجال الشرطة في القاهرة في ذلك اليوم بالالتزام بالحكمة الصينية المشهورة «لا أري ولا أسمع ولا أتكلم»!

تفصيلات أخري أكثر غرابة عن الواقعة جاءت علي لسان المراكبي محمد سيد عز، الذي شهد بقوله: "وقت الحادثة كان هناك ضابط قوات خاصة (أمن مركزي) ومعه 6 أفراد من قوته أمام الجاني بحوالي 5 أمتار ولم يتحرك وبعد عشر دقائق وقبل وصول وزير الداخلية لمسرح الجريمة أخذ قوته ومشي"!

أما شهادة الرائد مجدي ابراهيم الشيخ فتثبت تورط النظام حيث قال: "أخبرنا بعض الأشخاص المتواجدين في الحادث بأنهم شاهدوا الجناة مستقلين دراجتين بخاريتين بعد إطلاقهم النار علي «المحجوب» وكان عددهم أربعة وأنا أخطرت السيد وزير الداخلية عند حضوره بأسماء الأشخاص اللي شاهدوا الحادث واصطحبهم رجال المباحث معهم الي وزارة الدخلية".. ثم يكمل في صفحة 2561 بقوله: "أنا أخدت أسماء هؤلا الأشخاص اللي شاهدوا الحادثة وقدمتهم إلي وزير الداخلية ومدير مباحث أمن الدولة وقاموا باصطحابهم معهم الي الوزارة لاستجوابهم عما شاهدوا بالتفصيل لكن هؤلا الأشخاص لم يظهروا بالمحكمة".

في التحقيق وجدنا أن مؤامرة اغتيال الدكتور المحجوب تم طبخها علي نار هادئة إذ بدأت الترتيبات في 1 فبراير 1990 بصدور قرار مفاجئ دون مقدمات أو مبررات بتجريد الدكتور المحجوب من كل طاقم حراسته القديم الذي كان محل ثقته، كما شهد اللواء خيري راغب مدير الشئون الادارية لشرطة الحراسات الخاصة في أقواله: "أنه تم نقل طاقم الحراسة إلي الأمانة العامة لمجلس الشعب في 1 فبراير 1990 وعندما سئل من هم أفراد الحراسة الذين تم نقلهم في تاريخة حسبما قررت؟ رد في إجابته: أفراد الحراسة اللي كانوا مع الدكتور المحجوب هم رقيب أول عبد العال علي رمضان ورقيب أول شعبان سلطان فرج ورقيب محمد ابراهيم سماحة ورقيب أول سائق كمال عبد المطلب وكل هؤلا تم نقلهم الي وظائف مدنية خارج الوزارة الي الأمانة العامة لمجلس الشعب اعتبارا من 1 فبراير 1990 وذلك بناء علي طلب الإدارة العامة لشئون الأفراد لتنفيذ تعليمات عليا.

أما أبلغ دليل علي أن «المحجوب» قد تم استدراجه ليسير موكبه في طريق الموت الذي رسم له جيدا فكان اللقاء الكاذب مع الوفد السوري، حيث نجد أن الوفد السوري لم يكن علي علم بلقاء المحجوب والثابت في الأوراق أن الوفد طلب الخروج من الفندق وتوجه بالفعل الي مكتبة مدبولي بميدان طلعت حرب.

كما أن اللقاء لم يتحدد صباح الجمعة بين الوفد السوري والدكتور المحجوب لأن الدكتور محمد عبد اللاه رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشعب لم يتوجه إلي الميريديان في ذلك الصباح ولم يظهر له أثر علي مسرح الأحداث ولو أن اللقاء حقيقي لكان من المفروض والطبيعي أن يكون «عبد اللاه» في انتظار «المحجوب» في الميريديان.

معلومات جديدة تفيد بأن «المحجوب» كان قد تلقي استدعاء فوريا لحضور اللقاء مع الوفد السوري من الرئيس السابق نفسه حيث أملي علي «المحجوب» موعد اللقاء ما اضطره للعدول عن المبيت في بلدته التي كان يزورها والعودة السريعة ليلقي مصيره.

من نفس الصفحات الخاصة بالمحاكمة نجد الشاهد مدير مكتب «المحجوب» محمد فتحي عبد المقصود وقد حدد للمحكمة مهام وظيفته وهي تحديد المواعيد الخاصة والمقابلات بالتنسيق مع السكرتارية، بمعني أن ذلك الشاهد تحديدا من المفترض أن يكون أول من يعلم بأي ميعاد خاص بالدكتور المحجوب، وقد سئل في صفحة 2808: ألم يخبرك الدكتور رفعت برغبته في زيارة الوفد السوري بفندق الميريديان صباح الجمعة 12 اكتوبر؟ فكانت إجابته: لا، هو أخبرني بالعشاء فقط وطلب مني مقابلته هناك والذهاب للعشاء".

أما مدير الشئون الإدارية بمجلس الشعب اللواء محمد عادل رفيق فقد فجر مفاجأة أكدت ما حدث من استدراج للمجني عليه ففي شهادته يقول ردا علي سؤال المحكمة: هل كان محددا في برنامج زيارة الوفد السوري لمصر أن هناك مقابلات أو احتفالات أو مواعيد بفندق الميريديان صباح يوم الحادثة؟ أنه لا يوجد علي الإطلاق في برنامج الزيارة التي أخطرتنا بها جهات الأمن أو الوفد السوري أي مقابلات أو مواعيد للقاء الوفد السوري بفندق الميريديان صباح يوم الجمعة 12 أكتوبر واللي حصل إن هم بعد ما جم يوم الخميس أخطرنا تليفونيا برغبة الوفد السوري لزيارة الأهرام صباح يوم الحادث وتم إخطار الجهات الأمنية بذلك فعلا".

وعن الأسلحة التي استخدمت في اغتيال المحجوب فقد جاءت في شهادة الطبيب الشرعي الدكتور فخري محمد صالح للمحكمة بجلسة 20 مايو 1996 حيث أكد أن السلاح حكومي بقوله: "هذه الاسلحة عسكرية وخاصة بالشرطة ولا يجوز تداولها بالشارع، والحصول عليها يكون بطريقة غير قانونية كالسرقة أو التهريب".

أما الشاهد صبري عرابي فقال أمام المحكمة: "اللي كان بيضرب النار في اتجاه الفندق شعره قصير زي ما يكون مجند".

شحاتة محمد أحمد سائق سيارة الدكتور المحجوب يعد لغزاً لم يحل فبعد أن نجا من الحادثة ونقل لمستشفي قصر العيني في وعيه التام وجد ميتا في المستشفي صباح اليوم التالي.

السائق القتيل هو الذي حدد خط سير سيارة المحجوب حتي يتفق مع المخطط الذي كان ضالعا فيه.. وهذا يتضح بجلاء من إجابة أمين الشرطة قائد الموتوسيكل الأمامي عبد المنعم كامل فقد قال ردا علي سؤال المحكمة: من الذي حدد خط سير صباح يوم الحادثة؟ «إن سيارة الدكتور رفعت المحجوب كسرت شمال علي الكورنيش في الاتجاه اللي بيمشي فيه واحنا رايحين علي المجلس فأنا رحت سابق علي طول وماشي قدامهم لأنه كان يوم جمعة والطريق فاضي»!

التحقيقات أيضا أثبتت أن السائق القتيل أوقف السيارة أمام الكمين حسب اتفاقه المسبق مع الجناة الحقيقيين وذلك ليتمكن الجناة من سهولة التصويب علي الهدف ولتمكين السائق من القفز من السيارة والابتعاد عنها قبل بدء إطلاق الرصاص، ولقد وردت في شهادة أمين الشرطة إيهاب نافع صفحة 1521 عبارة بالغة الدلالة حيث قال: "أمام فندق سميراميس في شارع كورنيش النيل فوجئت بسيارة الدكتور رفعت المحجوب التي كانت تسير أمامنا توقفت فتوقفت السيارة الخاصة بنا خلف سيارة الدكتور رفعت مباشرة".

لقد حاولوا قتل السائق بموقع الجريمة الذي يتضح أنه لم يكن من المفروض أساسا تواجده هذا اليوم، فهو ليس السائق الأصلي للدكتور المحجوب، فقد اعتذر سائقه هذا اليوم دون مبررات وقاد السيارة بدلا منه السائق الذي قتل بالمستشفي.

أدلة قتل المحجوب موجودة في تسجيلات المرافعة التاريخية للمحامي أحمد نبيل «الهلالي» علي شريطين الأول تقريباً 40 دقيقة، والثاني أكثر قليلاً من ساعتين وكل الوقت تكلم فيه هذا المحامي دون مقاطعة، إلا وقت أن أذن للصلاة، غير أن الصوت ليس واضحاً في آخر خمس دقائق من الشريط الأول وأول 15 دقيقة من الشريط الثاني، فيما عدا ذلك فجودة الصوت معقولة والشريطان جديران بالمشاهدة والدراسة.

المحامون في هذه القضية مجموعة من أشهر المحامين مثل سليم العوا ونبيل الهلالي وعبد الحليم مندور ومنتصر الزيات دافعوا ببسالة عن المتهمين وحصلوا علي البراءة المطمئنة.

أما تشكيل المحكمة فتضمن المستشار عبد المجيد محمود المحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة العليا والسادة ياسر رفاعي وأسامة قنديل وهشام بدوي وعبد المنعم الحلواني رؤساء نيابة أمن الدولة العليا، وحضور نبيل محمود شحاتة وعصام عبد الفتاح ومحمد جبر أمناء سر المحكمة في قضيتي النيابة العامة رقمي (1) القضية رقم 903 لسنة 1991 جنايات قسم امبابة ورقم إمبابة 164 لسنة 1991 كلي شمال الجيزة ورقم 546 لسنة 90 حصر أمن دولة عليا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل