المحتوى الرئيسى

القيود التي ترد على إضراب الموظفين العموميين... بقلم: دانا الديك

07/05 20:33

الواقع إن الحق في الإضراب هو حق اجتماعي واقتصادي يمثل أهم الحريات العامة للموظفين والعمال، وهو إلى جانب ذلك حق فردي وإن كان يلزم أن تتم ممارسته في إطار جماعي، كما أنه يرتب أضراراً للموظفين وللعمال ولأصحاب الأعمال وللدولة أيضا، وأخيرا فإن الإضراب هو حق مقيّد وليس حق مطلق. لذلك تنبه المشرع لضرورة تقييد هذا الحق وتنظيمه مراعاة للمصلحة العامة، ودون مساس بالتّمتع في هذا الحق.

المشرع الفلسطيني ما زال متأخراً بالنسبة لغيره من المشرعين بمسألة تنظيم الإضراب بالشكل الذي يناسب وضع الوظيفة العمومية في فلسطين.

أولاً: موقف المشرع المصري من الإضراب.

تنبه المشرع المصري إلى تأثير الإضراب على استقرار الدولة الاقتصادي فحاول تقييده في وقت مبكر حيث صدر قانون العقوبات رقم (37) لسنة (1923)، وأضاف أحكاماً جديدة حرّمت الإضراب على المستخدمين أو الموظفين العموميين، واعتبرت المادة (108) اتفاق ثلاثة على الأقل منهم ترك العمل دون مسوّغ شرعي يعاقبون بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو غرامة لا تزيد عن مائة جنيه، كما أنّ القانون الجنائي المصري القديم كان يفرض عقوبة على من يحرّض أو يُكرِه الموظفين على الإضراب في نص المادة (475)، وقد أشار المشرع الفلسطيني للتحريض أو الإكراه الذي قد يقوم به الموظف العمومي ضد الموظفين الآخرين في الفقرة (4) من نظام الدفاع رقم (2) لسنة1952، ونصّ أيضا على أنه ينبغي على عمال المصالح ذات المنفعة العامة أن لا يبدؤوا الإضراب دون إخطار أكبر موظف إداري في المنطقة التي يعملوا فيها قبل 48 ساعة من موعد الإضراب في الفقرة الأولى منه، وهكذا نص يستتبع مشروعية الإضراب في القطاعات الأخرى دون إخطار، وعدم مشروعية الإضراب إذا تمَّ بدون إخطار ضمن هذه الشروط.

حديثاً إنّ المشرع المصري يشترط لبدء الإضراب وبشكل مشروع، أن يستنفذ العمال الوسائل السلمية لحل النزاع الجماعي دون إنهاء المنازعة ومن ناحية أخرى يلزم إخطار صاحب العمل والجهة الإدارية قبل بدء الإضراب بمدة معينة حسب إن كان مرفق عام أولا.

نلاحظ أنّ المشرع المصري تنبه لأمور لم يتنبه إليها المشرع الفلسطيني بعد، مثل: مسألة الجهة التي تلتزم بالإضراب، في القانون المصري عُهدت هذه المسؤولية للّجنة النقابية الموجودة داخل المنشأة، وفي حال عدم وجود لجان نقابية فإنّ النقابة العامة التي ينتمي إليها العمال أو الموظفين هي التي تتولى الإخطار، أيضا مسألة طبيعة الإخطار وشكله هذه تناولها المشرع الفلسطيني بشيء من الوصف لكن ليس كما المشرع المصري ويعود السبب وراء تقدم المشرع المصري كونه أقدم في التنظيم القانوني بشكل عام من المشرع الفلسطيني، حيث أنّ المشرع المصري استلزم أن يكون الإخطار كتابياً كما فعل المشرع الفلسطيني، إضافة لاشتراطه أن يتم في شكل خطاب مسجل بعلم الوصول.

سؤال يطرح نفسه متى نبدأ باحتساب مدة الإخطار؟

يرى أحد الفقه أن يبدأ سريان مهلة الإخطار من اليوم التالي لإرساله بريدياً فقد يرفض صاحب العمل أو من يمثله قانوناً استلام الخطاب الذي يتضمن الإخطار وهذا يفتح باب التحايل على أحكام الإضراب.

كما ويضيف المشرّع المصري ويتدخل في مضمون الإخطار، حيث استلزم وجوب احتوائه على الأسباب الدافعة للإضراب، ومدته، في حين سكت المشرع الفلسطيني عن ذلك أيضاً.

هذا بالنسبة لحق الإضراب بشكل عام في مصر، لكن المشرع المصري حظر الإضراب في بعض المنشآت الإستراتيجية أو الحيوية، وصدر قرار من رئيس مجلس الوزراء حدد المنشآت التي تعتبر حيوية، لكن الواقع العملي يشير لاقتصار الإضراب على العمال الضروريين فقط، ويتوقف ذلك على طبيعة المرفق ومدى ارتباطه بحاجات المواطنين، وهذا يجب أن يتم بموازنة بين حقوق الموظفين في الإضراب وحقوق العامة في التمتع بخدمات المرفق العام. أما المشرع الفلسطيني لم يحظر الإضراب في مثل هذه المنشآت، وسنرى تفصيل ذلك في الفقرات اللاحقة، باستثناء ما نصّت عليه المادة الثالثة من القرار بقانون رقم (5) لسنة (2008) التي منحت الحق لمجلس الوزراء وأي جهة متضررة أن تلجأ لمحكمة العدل العليا لوقف الإضراب إذا كان مخالف لأحكام هذا القانون أو سبب ضررا جسيما بالمصلحة العامة.

ثانياً: موقف القضاء المصري من تقييد الحق في الإضراب.

أقرَّ القضاء المصري بمشروعية الإضراب في قرار محكمة الإسكندرية الكلية الرمل في 26/5/1939، الذي جاء فيه:" إن حق العمال في التوقف عن العمل فرادى وجماعات حق مقرر قد سلّم لهم به الشارع واقتصر تقييده بقيدين نص المادة (374) من قانون العقوبات المصري التي تضمنت قيد لانتظام السير في المرافق ذات النفع العام، والقيد الثاني ما ورد في المادة (375) من قانون العقوبات المصري التي قررت منع الاعتداء على حرية العمل. وخلصت المحكمة إلى جواز اجتماع العمال للتشاور في ما تقتضيه مصلحتهم حتى لو كانت الامتناع عن العمل.

ثالثاً: موقف المشرع الفلسطيني من الحق في الإضراب.

سبق وذكرنا أنّ المشرع الفلسطيني لم يسلك مسلك المشرع المصري في حظر الإضراب في المرافق العامة، فقد كانت أول مرة يُنص صراحة على الحق في ممارسة الإضراب في التشريع الفلسطيني، في قانون العمل الفلسطيني من خلال نصوص المواد (66_67) إلا أنه أثقله بقيود جعلت من تحقيقه أمراً مستحيلاً بل إن غالبية الشروط اللازمة تناقض المعايير الدولية السابق الإشارة إليها حيث اشترط المشرع:

في نص المادة (67) من قانون العمل والتي كانت مرجعية لتنظيم الإضراب في كافة القطاعات قيوداً غير مبررة على الحق بالإضراب. بمراجعة المادة (67) من قانون العمل، نجد أنها تتطلب توجيه تنبيه كتابي من قبل الطرف معلن الإضراب إلى الطرف الآخر قبل أسبوعين من الإضراب أو أربعة أسابيع في المرافق العامة، كما يجب أن يكون التنبيه موقعا من 51% من العاملين بالمنشأة، كما لا يجوز الإضراب أو الإغلاق أثناء إجراءات النظر في النزاع الجماعي، ويترتب على عرض النزاع على جهة الاختصاص وقف الإضراب أو الإغلاق. إذ تشكل هذه المتطلبات قيوداً تعيق ممارسة الحق في الإضراب، والحكمة من اشتراط التنبيه الكتابي بداية تلافي وقوع الإضراب ابتداءً، تفادياً للخسائر التي قد يسببها الإضراب الغير معلن عنه على المرفق العام، وفي نظام الإجراءات المتعلقة بإشعارات الإضراب والإغلاق رقم (33) لسنة (1963)، تطرق لشروط وطريقة توجيه التنبيه بالإضراب للجهة المعنية، حيث أجاز التنبيه بالبريد المسجل، ويعد الوصول مؤكدا بعد مضي خمسة أيام على وضع الإخطار في البريد المسجل، وهذا بالتأكيد يستوجب تغيير تاريخ الإضراب ليتناسب ونصوص القانون.

لكن في الواقع العملي فإننا رأينا أنّ الإخطار في الغالب لا يكون كتابياً، إنما بالتبليغ عن طريق الهاتف أو شفوياً، هذا ما أكدّته سحر المالكي.

أما بالنسبة لتوقيع ما يزيد على نصف العمال في المنشأة، فإنّ الفقرة الثانية في نظام الإجراءات السابق ذكره، أجازت توقيع التنبيه من قبل ممثلي العمال في النقابة شرط ذكر وتحديد فئات العمال المعينين بوضوح. وعليه لا يشترط توقيع 51% من الموظفين العموميين لكي يكون الإضراب قانونياً في الواقع العملي، طالما وُقِّع التنبيه من ممثليهم باعتبار أنهم منتخبين، وتأكدنا من ذلك في مقابلتنا مع سحر المالكي، حيث صرّحت أنه يكفي أن يوافق على الإضراب غالبية أعضاء الهيئة العليا المنتخبة للوزارة، عوضاً عن توقيع 51% من موظفي الوزارة معلّلة ذلك بأنهم منتخبين من الموظفين لكي يمثلوهم في اتخاذ القرارات عنهم ولمصلحتهم.

قياساً على ذلك مثلاً عند إقرار قانون ما، فإن موافقة نواب المجلس التشريعي تكفي لكي يقال أن الشعب موافق على هذا القانون، ولا داعي للعودة لكل أفراد الشعب لنأخذ موافقتهم، وهذا ما تقتضيه العملية في الحياة المهنية.

أما بخصوص وقف الإضراب طالما بدأت إجراءات حل للنزاعات حسب نص الفقرة الخامسة من المادة رقم(67) من قانون العمل الفلسطيني، فهذه المادة غير مطبقة في الواقع العملي ويعلّل الموظفين ذلك بأن الإضراب هو السلاح الذي يحاربون به من أجل تحقيق أهدافهم فإن أوقفوه فما الضمان لهم لكي يحققوا أهدافهم!

رابعاً: ما مدى تكريس نصوص المشرع الفلسطيني للحق في الإضراب؟

للأسف قد أغفلت المادة (67) السالف ذكرها الكثير من الشروط الأساسية ومنها ضرورة النص على ضمان المضربين على أمن وسلامة أماكن ووسائل العمل أثناء الإضراب، علاوة على عدم التحديد وبدقة إجراءات التسوية الودية بين العمال ورب العمل وضرورة استنفاذها قبل الدخول في الإضراب.

عدا عن عدم تنظيمها لمسائل غاية في الأهمية مثل مضمون الإخطار ومدته والجهة الملتزمة به حيث تترتب عليها المسؤولية عما ينتج عن الإضراب.

كما خلقت المادة (3) من القرار بقانون إشكالا إذ أعطت للحكومة الحق بالّلجوء إلى القضاء لوقف الإضراب دون تحديد حالات معينة لممارسة هذا الحق، حيث جاء هذا النص مرناً وفضفاضاً، ما يؤدي إلى تقييد حق الموظفين العموميين في الّلجوء للإضراب كحق أساسي كفله القانون الأساسي والمواثيق الدولية.

بناء على نص المادة (3) من القرار بقانون رقم (5) لسنة (2008) فقد نظرت محكمة العدل العليا بتاريخ 9/4/2008، دعوى الحكومة لوقف إضراب الموظفين العموميين، الذي جاء على خلفية تعديل قانون التقاعد العام رقم (7) لسنة (2005) من خلال القرار بقانون رقم(5) لسنة (2007)، والقرار بقانون رقم (1) لسنة (2008)، وبررت الحكومة دعواها بوقف الإضراب كون هذا الإضراب يضر بالمصلحة العليا، ويخالف نص المادة (67) من قانون العمل التي لا تجيز الإضراب في أية منشأة إلا بتوافر تواقيع 51% من العاملين على عريضة مسببة. وقد أصدرت المحكمة قراراً مؤقتاً في مواجهة اتحاد نقابات المهن الصحية، واتحاد المعلمين، ونقابة العاملين في الوظيفة العمومية يقضي بتعليق الإضرابات، وأتاحت المحكمة للنقابات المضربة حق الاعتراض حتى نهاية شهر نيسان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل