المحتوى الرئيسى

الفيسبوك .. البرامج الممولة .. الإغتراب التنظيمي ليست علاجا للحالة الفلسطينية *بقلم: زيد أبو شمعة

07/05 20:33

بقلم: زيد أبو شمعة / إعلامي في فضائية روسيا اليوم - فلسطين

لا شك أن الواقع الصعب الذي يعيشه الشباب في المجتمع العربي عموما والفلسطيني بشكل خاص جاء نتيجة أسباب عدة يقف على رأسها الإهمال وقلة الفرص ووجود فجوة بين الجيل الشاب والأجيال السابقة وعدم الإعتراف بدور وكفاءات الشباب، وهو ما كان محركا رئيسيا لثورات الشعوب العربية الحالية أو ثورات الشباب، لكن للوضع الفلسطيني خصوصية كبيرة تجعل واقعه يختلف تماما عن واقع الدول العربية الأخرى، ما يفترض ضرورة التحرك بناء على فهم هذه الخصوصية، فمهام التحرر الوطني والخلاص من الإحتلال لم تنجز بعد، وبالتالي فإن أي عملية تستهدف فصل الشباب عن مجمل الحراك العام أو عن الأسس التي يقوم عليها المشروع الوطني الذي صيغ نتيجة تجربة كفاحية بنيت على مدار عشرات السنوات، سيحدث خللا جوهريا في مسيرة النضال الفلسطيني، وهنا يمكن تحديد أهم ملامح الأزمة الراهنة التي يمر بها المجتمع الفلسطيني وشبابه، إذ يتم التعامل مع الشباب في السنوات الأخيرة على إعتبار أنهم فئة إجتماعية وليس فئة عمرية، وهذا خطر كبير، وهي ثقافة لا شك أنها دخلت للمجتمع، بشكل رئيسي، من خلال برامج ومشاريع ممولة خارجيا، إذ أصبحت هناك برامج خاصة ممولة لتأهيل الشباب، وإعداد قيادات، وتعميم مفاهيم الديمقراطية ...إلخ، في إطار منفصل عن حركة المجتمع ككل وبعيدا عن ثقافة وتجربة المؤسسة الوطنية، الفصائلية والحزبية منها والرسمية – بالرغم من قصورها وتكلسها الذي لا يمكن إنكاره- كل ذلك من خلال برامج موضوعة ومنسقة وفقا لسياسات ودراسات خارجية، لن تكون في أحسن الأحوال، سوى برامج غير ملائمة لمجتمع وجيل يقع على عاتقه إنجاز مهام التحرر الوطني. فقصور وتكلس الهياكل الحزبية والتنظيمية وإستيعاب المؤسسات الممولة لطاقات الشباب وحاجاتهم، قد حرف الشباب، بشكل أو بآخر، عن بوصلة العمل الوطني الممنهج، نحو عمل عشوائي موجه.

إن التعامل مع الشباب كفئة إجتماعية معزولة، وليس كفئة عمرية متصلة فعليا مع ما سبقها من تجارب سياسية وإجتماعية وثقافية، حتى وإن إختلف معها، يفصل الشباب الفلسطيني عن تاريخه ويشكل حالة من العجز لدى هذا الجيل في فهم المسؤوليات التي تقع على عاتقه وإكماله لتجربة الأجيال السابقة، وتحديدا فيما يخص العمل الوطني، ليتحول أي حراك شبابي إلى عملية بحث عن إشباع حاجات هذا الشباب من خلال بناء منظومة خاصة بهم ومنفصلة عن التراكم التاريخي للوضع الفلسطيني. فالهدف هو سلخ الجيل الشاب عن المؤسسة الوطنية الرسمية ( منظمة التحرير الفلسطينية) وإستبدال الحزب السياسي أو التنظيم الوطني، بالمؤسسات ذات التمويل والأجندات البعيدة عن مشروع التحرر الوطني، وبالترافق مع تفريغ طاقات هذا الجيل الشاب عبر اللجوء للفضاء الإفتراضي، وبالتالي إفراغ المؤسسة الوطنية من كادرها الشاب وإحداث عملية قطع في تواصل الأجيال داخل المؤسسة الوطنية، والإنهاء على إستمرارية منجزات حركة التحرر الوطني والحيلولة دون إتمام مهامها، ومنع عملية التراكم في الآداء الوطني الفلسطيني والبدء من الصفر مجددا، فالمطلوب هو تحويل علاقة الجيل الشاب مع المؤسسة الوطنية بشكل جذري لتكون العلاقة تناحرية بين الطرفين، بدلا من أن تكون علاقة جدلية تعمل على إستيعاب الشباب وحفزهم وتلبية طموحاتهم في سياق الحركة التاريخية العامة للشعب الفلسطيني، بحيث يؤدي هذا الجدل إلى تطوير آداء المؤسسة الوطنية وتعزيز مكانتها.

يجب أن يعي الجيل الشاب أن التغيير فلسطينيا يجب أن يكون من داخل المؤسسة الوطنية ( منظمة التحرير / الحزب السياسي / الشارع ) ويجب على المؤسسة الوطنية أن تستيقظ من سباتها وتعيد صياغة آليات عملها بالكامل وفقا لمتطلبات العصر وحاجات الشباب.


أبرز ملامح الوضع الراهن

- خلق قيادات من نوع ومضمون مختلف، فقد أصبح القائد الشاب هو الناشط الذي يشارك بورشات عمل مدفوعة الأجر، وينظر لقضايا مجتمعه من داخل الغرف المغلقة، بعد أن كان القائد الشاب قادما من صلب حركة وهموم الشارع ويتحلى بتعبئة تنظيمية وتجربة كفاحية كبيرة.

- إنهاء مفاهيم نكران الذات والعمل التطوعي والتضحية، وإستبدالها بفاهيم تجارية تعتمد على أن كل جهد له مقابل مادي، وهي ثقافة إنتقلت إلى داخل العمل التنظيمي كذلك نتيجة عوامل مختلفة - ليس فقط المؤسسات الأهلية - حيث أصبح الناشط الحزبي غالبا، عبارة عن شخص يبحث عن منصب أو تفريغ بالأساس، وليس عن مهمة نضالية، ولكنه في التنظيم السياسي وليس في مؤسسة أهلية أو خاصة لأنه بفتقد للمؤهلات العلمية والمهارات المطلوبة.

- عملية الإنقطاع ما بين ثقافة وتجربة الأجيال السابقة والجيل الشاب أدت لجهل هذا الجيل بتطور مراحل العمل الوطني والتاريخ الفلسطيني، وكيفية تبلور النظام السياسي الفلسطيني وصولا لبرنامج الإجماع الوطني الذي أقر في دورة المجلس الوطني بالجزائر عام 1988

- فقدان الثقة بالمؤسسة الوطنية التاريخية وقدرتها على التغيير، ما فتح المجال أمام التيارات الإسلاموية على جذب الجيل الشاب عبر الشعارات الرنانة وغير المنطقية من جهة، ومن جهة أخرى إجتذاب المؤسسات الأهلية للطاقات الشابة العلمانية ( لأن الزمن يكره الفراغ). وهنا لا يمكن إنكار القصور في آداء المؤسسة الوطنية والملاحظات العديدة عليها، ولكن أصبح الموضوع كشماعة، كل طرف يبدأ بإنتقاد المؤسسة الوطنية بعيدا عن النظر لطبيعة وواقع هذه المؤسسة وقلة إمكانياتها وقدراتها لكونها تحت الإحتلال، وبمعزل عن الشعور بالمسؤولية إتجاه ضرورة تطوير وحماية هذه المؤسسة.

- شيوع ظاهرة أو موضة ( مستقل !)، وكأن الإنتماء السياسي عار، أصبحنا نرى قوائم كاملة لمرشحين يتغنون بإستقلالهم، أو تحرك عام أو تجمع أو كتل طلابية تعرف على نفسها فخرا بأنها مستقلة، بأسلوب فيه نبذ واضح للحزب السياسي ونكران لدور الحركة الوطنية، كأن نرى قائمة (( فلان الفلاني ومستقلون ))، بدنا ننهي الإنقسام ولكن نحن مستقلون ... إلخ، مستقلون عن ماذا ؟؟؟ عن التاريخ ؟؟؟ عن الحركة الوطنية ؟؟؟؟ عن مشروع التحرر الوطني ؟؟؟؟ عن منظمة التحرير ؟؟؟؟. من الطبيعي أن يكون هناك مستقل أو مستقلون، فحرية الإنتماء السياسي من عدمه حق مكفول ويجب أن يحمى بكافة الطرق، ولكن أن نرى جماعات منظمة وحركات كاملة وقوائم بأكلمها كظاهرة تجتاح المجتمع تحت مسمى "مستقلون" فهذا شيء مقلق، وتاريخ منظمة التحرير لم يكن يوما عائقا أمام المستقلين، والدليل تمثيل الكثير من الشخصيات كمحمود درويش وحنان عشراوي وأحمد صدقي الدجاني ومحمد زهدي النشاشيبي والكثير من الشخصيات في مؤسسات منظمة التحرير، وفي أعلى هيئاتها، دون أن يكونوا ممثلين لأحزاب سياسية. وأتسائل هنا مرة أخرى .. هل بالإمكان لأي شعب أن يتحرر ما لم يتبنى مشروعا وبرنامجا نضاليا موحدا ؟؟

- غياب الوعي بطبيعة الواقع الفلسطيني، فهناك جهل كبير بحقيقة أن الساحة الفلسطينية الآن أمام صراع جدي بين مشروعين، المشروع الوطني التحرري والعلماني، والمشروع الإخواني القدري والغيبي ( حتى وإن كان هناك مصالحة معلنة)، وبالتالي هناك مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجيل الشاب بما فيهم المستقلين ( غير المحزبين) بضرورة إحداث التغيير من داخل جسم المؤسسة الوطنية، وليس بالصراع معها، وذلك لحماية المشروع الوطني و ضمان ديمومته وصولا لإنجاز أهدافه، وتعزيز تطور الوعي لدى الأطراف الأخرى من الشعب الفلسطيني بجدوى هذا المشروع وواقعيته، ومراحل تكونه، وأهمية تبنيه كمشروع جامع. بحيث يكون النضال لتحقيق ذلك على صعيدين، الصعيد السياسي، والآخر على الصعيد المجتمعي.

آليات ومتطلبات التغيير

على مستوى المؤسسة الوطنية والحزب أو التنظيم السياسي

- إسقاط كافة أساليب العمل التقليدية التي مضى عليها الزمن والإعتراف بضرورة إنتاج شكل ومضمون جديد من الحزب السياسي يتوافقان مع روح ومتطلبات العصر وبالإعتماد على قدرات الشباب وحاجاتهم.

- إعادة الإعتبار للخطاب الوطني من خلال إعادة صياغتة بلغة معاصرة، ونشره وتعبئة الجماهير به من خلال إتباع أساليب العصر وعبر كوادر مؤهلة شابه، وصهر الخطاب التنظيمي الفئوي في صالح الخطاب الوطني العام ( بحيث يشعر الجيل ككل أن لديه مشروع وطني عام وجامع يناضل من أجله، أقوى من كل المشاريع).

- إنهاء ثقافة التكسب في العمل التنظيمي، وإستبدال الكادر التنظيمي الخامل والعاجز والفاقد للأهلية والقدرات، بالكادر التنظيمي الفاعل والمعبأ والمتخصص في مجال مهني أو علمي، والواعي بقضيته، والقادر على التأثير في مكانه ومحيطه.

- أن يشكل التنظيم السياسي حاضنة إجتماعية وسياسية وثقافية وتنموية وتطويرية للجيل الشاب، بحيث يصبح التنظيم السياسي، وإلى جانب كونه رافعة وطنية، مكانا رحبا لتفريغ طاقات وحاجات الشباب، وهنا يعطى الجيل الشاب حقه في أن يعيش ويعبر عن طاقته مثل باقي الشباب في العالم ولكن من خلال رقابة وحاضنة وطنية، ولذلك لا ضير أن نرى مستقبلا غرفة إنترنت، أو قاعة رياضة، أو مركز أنشطة إجتماعية وترفيهية، داخل مكاتب التنظيم السياسي.

- إعادة بناء الكادر الشاب وفقا للواقع الحالي ولغة العصر، لسنا في مرحلة عمل سري الآن، وثورة المعلومات جعلت من القضية الفلسطينية مفتوحة أمام الجميع للعب بها، أو العمل لصالحها، وبالتالي يجب أن يجهز الكادر التنظيمي بحيث يكون:-

• متعلم أو مختص في مجال عمل محدد ، بحيث يكون ذلك دائرة إختصاصة في العمل التنظيمي ( حتى العمال والفلاحين غير المتعلمين)، ويفضل أن يعمل في مجال إختصاصة، ويكسب قوته منه، لا أن يعتمد على التنظيم في كسب رزقه.

• يتحدث باللغة العربية والإنجليزية بطلاقة.

• محترف في إستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة وتسخيرها لخدمة العمل الوطني.

• لديه إطلاع على مهارات الخطاب الإعلامي / والجماهيري.

• واعي لأهمية وآليات البناء التنظيمي في تحريك الشارع / وليس الفضاء الإفتراضي، لأنه آداة فقط ، وآداة متحكم بها خارجيا كذلك.

وهنا يجب على التنظيم السياسي إعداد الكادر من خلال ما يلي:-

- إعتماد الكادر الكفؤ والمؤهل وليس الكادر غير المؤهل.

- صرف الأموال على برامج مثمرة لإنتاج جيل مؤهل ، بدل صرف مئات الآلاف على كلام فارغ أو دعايات إنتخابية، ردم الفجوة في تعلم اللغة الإنجليزية، جلسات خاصة للتأهيل والتدريب - جلسات على مستوى فردي و أخرى على مستوى جماعي-، تعليم مهارات إستخدام الحاسوب، تطوير الثقافة والمعرفة، تطوير القدرات في الخطاب الإعلامي والجماهيري ومخاطبة الآخر الأجنبي، تعليم أسس البحث العلمي وإعتماد برامج العمل التنظيمي المقدمة من الجيل الشاب بعد إجرائهم لبحث علمي، تغطية تكاليف دراسات عليا في جامعات محلية وأجنبية في مجالات متخصصة تحددها متطلبات العمل التنظيمي أو الوطني.

هنا يشعر الشاب أنه يستفيد على المستوى المعرفي ويتطور ويجاري روح العصر مثله مثل أي شاب يعمل أو يدرس في مؤسسة خاصة أو أجنبية أو أهلية، وبالتالي يتمسك بمؤسسته الوطنية التي وفرت له الفرصة لمواكبة التطور.

- توزيع العمل التنظمي على الكادر الشاب وفقا لإختصاصاتهم ( وليس فهلوتهم ).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل