المحتوى الرئيسى

معركة كوسوفا:العثمانيون يسحقون الصرب وحلفائهم في البلقان بقلم: أحمد الظرافي

07/05 20:33

معركة كوسوفا:العثمانيون يسحقون الصرب وحلفائهم في البلقان

(15شعبان 791هـ/ 28 يوليو1389م )

بقلم: أحمد الظرافي

****

منطقة البلقان عرفت بتركيبها البشري والعرقي والقومي والديني والثقافي البالغ التعقيد، كـما عرفت بتضاريسها الجبلية الوعرة التي تكون ملاذا للأقليات المضطهدة أو الخارجين على السلطة، على الرغم من انتماء قاطنيها في الغالب إلى الجنس السلافي[1].

لا أحد يعرف من أين جاءت الشعوب السلافية التي استوطنت هذه المنطقة. ولا لماذا هاجرت من موطنها الأصلي. ولكن أغلب المؤرخين يعتقدون أنها جاءت من أحراج روسيا الباردة، هربا من الجوع وبحثا عن أرض خصبة، وليس هناك أفضل من ضفاف نهر "السافا". حاول الرومان إزاحة هذه الشعوب المهاجرة دون جدوى. فقد استقروا هم ورحل الرومان، وتمايز السلافيون إلى العديد من القوميات التي مازالت باقية حتى الآن[2].

و"البلقان" كلمة تركية أصيلة تعني الجبـل الوعر المكسو بالغابات[3]. ويصفها الجغرافيون بأنها أقصى شبه جزيرة في جنوب أوربـا ناحيـة الشرق، إذا حسبنا شبه جزيرة إيطاليا وأيبريا. ودول البلقان هي اليونان وتركيا (الجزء الأوربي) وألبانيا وبلغاريا ومعظم يوغسلافيا[4] قبل أن تتفكك في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى عدة دول عرقية أهمها صربيا. وهي – أي البلقان - شبه جزيرة كونها محاطة بالبحار من ثلاث جهات: البحر الأدرياتيكي في الغرب، والبحر المتوسط في الجنوب، وبحر أيجة والبحر الأسود في الشرق.

****

الإسلام في شبه جزيرة البلقان

---------------------------

وإن منطقة البلقان: هذه المنطقة الكبيرة التي تشكل الزاوية الجنوبية الشرقية لأوروبا شكلت عبر القرون خط تماس وتوتر ليس فقط بين الكنيستين الشرقية الأرثوذكسية والغربية الكاثوليكية ـ كما يعبّر عنه نزاع «أبناء العمومة» الصرب والكروات ـ بل بين العالمين المسيحي والإسلامي أيضاً[5]. وتاريخ وصول الإسلام إلى تلك المناطق تـاريخ قديـم يرجع في أصـوله إلى محاولـة المسلمين الانتشار بدينهـم في القارة الأوربية[6]. وتعود البداية الحقيقية لانتشار الإسلام في هذه المنطقة إلى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.

ويرجع الفضل في ذلك – بطبيعة الحال - إلى الأتراك العثمانيين، الذين جعلوا من هذه المنطقة ميدانا لفتوحاتهم، وأنشطتهم في نشر الإسلام، على حساب الإمبراطورية البيزنطية، وسطروا فيها العديد من الانتصارات والملاحم البطولية المجيدة التي خلدها التاريخ، ومن أبرزها وأخلدها ذكرا، معركة "قوصوه" أو كوسوفا سنة 1389/791هـ.

ومع أن هناك تأكيدات من كتاب وباحثين في المنطقة تفيد: بأن التأثير العربي والإسلامي وصل إلى شبه جزيرة البلقان قبل الفتوحات العثمانية من خلال الاتصالات التي جرت مع عرب جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا وبلاد الأندلس[7]" إلا أن تلك الاتصالات كانت نتيجة لجهود فردية، وكانت على نطاق ضيق ومحدود، ولم تكن نتيجة لمجهود واسع ومنظم.

ومهما كان الأمر، فإنه لا يغير من الحقيقة شيئا، وهي أن انتشار الإسلام في هذه المنطقة قد تم بجهود العثمانيين: حيث ترجح الدراسات التاريخية الحديثة أن حروب الدولـة العثمانية مـع خصومها في منطقـة البلقان كـانت هي الحروب الصليبية بامتياز. فقد استمرت زمانا طويلا وأخذت أحجـاما مادية ومعنويـة أضخم من حجم الحرب الصليبية في منطقـة الشرق الأدنى واتسمت بتزمت وتعصب وقسـوة من الطرفين خلت منها المعـارك والاشتباكـات في المنطقة العـربية الإسلامية. كـما لم تعـرف مراحل هدنـة طويلـة من النـوع الذي كـانت تعرفـه العلاقـات بين الصليبيين والأمراء المسلمين في بلادنا[8].

وتعتبر معركة كوسوفا من المعارك الكبرى الفاصلة في التاريخ – وهي من أهم المواجهات الحاسمة بين المسلمين وبين المسيحيين الأرثوذكس في شبه جزيرة البلقان، في شرق أوروبا، وهي تمثل منعطفا حاسما في تاريخ منطقة البلقان والوجود الإسلامي فيها.

ودارت المعركة بين تحالف الجيش الصليبي الأرثوذكسي بقيادة الملك الصربي لا زار من جانب، وبين الجيش العثماني المسلم، بقيادة السلطان مراد الأول (1360ـ 1389م ( من جانب آخر – كما سيأتي - .

***

رد الفعل الصربي والمسيحي

--------------------------

تمكن الصرب - الذين اعتنقوا المسيحية الأرثوذكسية، في القرنين السادس والسابع الميلاديين، ثم وقعوا تحت سيادة الإمبراطورية البيزنطية التي كانت عاصمتها القسطنطينية - تمكنوا خلال تاريخهم الطويل من إقامة دولة مستقلة لهم خلال القرن الثاني عشر الميلادي، وكان ذلك بالتحديد في عهد ملكهم ستيفان (إسطفان) نومانيا الذي تمكن عام 1208 من طرد البيزنطيين، وجعل الإقليم مركزاً حضارياً ودينياً مسيحياً للصرب[9]. وكانت تلك المملكة الصربية، هي أول دولة مستقلة في منطقة البلقان.

وبلغت قوة الصرب ذروتها زمن الملك دوشان الذي أعلن نفسه قيصراً عام 1346 وجعل عاصمته مدينة بريتزين، الواقعة غرب مدينة بريشتينا عاصمة كوسوفو الحالية[10]. وأعطى هذا الملك الصربي امتيازات كثيرة للكنيسة الصربية، ونقل مقرها الذي كان في "شيج" إلى مدينة " بييا Peja " ( مدينة تابعة لكوسوفا الحالية ). وأظهر الصرب التعصب للأرثوذكسية، وسعوا إلى فرضها بالقوة على الشعوب الواقعة تحت سيطرتهم، واضطهدوا كل الذين رفضوا اعتناقها، اضطهادا وحشيا، وخاصة السكان الكوسوفيين[11]. وقد تزامن ذلك مع صعود نجم العثمانيين في آسيا الصغرى، ووصول طلائع جيوشهم إلى منطقة البلقان في عهد السلطان أورخان بن عثمان.

ثم: تمكن مراد الأول ثالث أمراء آل عثمان من دخول البلقان، وتحقيق العديد من الانتصارات التي توجت بفتح مدينة "أدرنة " سنة 1361م[12] وهزيمة القوى النصرانية ونقل العاصمة من بروسه إلى أدرنة التي عمرت بالمساجد والمدارس وأصبحت نقطة انطلاق لمواصلة الفتوحات الإسلامية في أوربا[13]. وقد نجم عن دخول العثمانيين إلى شبه جزيرة البلقان وتوغلهم فيها، وانتشار الإسلام على أيديهم في تلك المنطقة، حدوث موجة من الخوف والذعر اجتاحت الدول الأوروبية، من هذه القوة المتعاظمة.

ولما كان الصرب هم القوة الرئيسية في جنوب البلقان في ذلك الوقت، فقد نشطوا للتصدي للعثمانيين، ولمجابهتهم، وكانوا أكثر القوى الأوروبية حساسية من وجودهم، وأشدها تحمسا لقتالهم، وسعيا لإخراجهم بالقوة معتبرين أنفسهم حماة للمسيحية الأرثوذكسية في شرق أوروبا.

وعلى ذلك الأساس، شرع الصرب في الاستعداد، وحشد الأعوان والحلفاء من حولهم وبعثوا بالرسل طالبين النجدة من ملوك الغرب الصليبي ومن بابا الفاتيكان في روما، والذين لم يكونوا غافلين أو متغافلين عن تحركات العثمانيين، في تلك المنطقة.

بل بلغت الجرأة بالصرب حدا جعلهم يتجرؤون على مهاجمة أدرنة عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، أثناء انشغال السلطان مراد الأول بحصار مدينة ( بيجا )، وذلك في سنة 866هـ- 1363م. ثم: ( في العام 773هـ/ 1371م) عندما كان السلطان مراد منشغلا في آسيا استغل الصرب الفرصة للهجوم على القوات العثمانية، التي كانت في أراضيهم…ولأجل استئصال هذا التمرد .. فإن لسلطان مراد استعد للحرب بتجهيز جيشه الآسيوي ومعه ابنه بايزيد ويعقوب، وفي أوروبا انضمت أجزاء جيشه إليه وجمع السلطان مراد الأول هذه الجيوش واتجه إلى المعركة[14].

في غضون ذلك كان الصرب قد نجحوا في تشكيل أول تحالف صليبي ضد المسلمين في البلقان. هذا الحلف الذي أنشأه « لازار » ملِك الصرب وانضم إليه « توارتكو الأول » ملِك بوصنة أيضاً. ثم توسع هذا الحلف فدخل فيه الألبانيون، والبولنديون، والبوشناق. وجمعوا جيشاً ضخماً، وضعوه تحت قيادة « لازار ». كان هذا الجيش ضخماً إلى درجة ساد شعار ( لو أن السماء وقعت لتلقيناها بأسنّة حرابنا ) بين جنود هذا الجيش اللجب[15]. وكان ذلك الجيش حسب بعض التقديرات، يتكون من ما يزيد عن مائتي ألف مقاتل من الصرب وحلفائهم.

وأخير عندما جاءت الأخبار بقدوم الجيش العثماني إلى معقل الصرب، أعلن الملك الصربي لازار النفير العام، واستثار نخوة الصرب وحماسهم الديني إلى أقصى حد، وزاد على ذلك بأن صرح على رءوس الأشهاد بأن " كل مَن وُلد وتجري في عروقه دماء صربية أو نسب ولم يأت لقتال الأتراك في كوسوفو، لن يولد له صبي، أو صبية، ولن يرث أرضه ابن[16]".

***

العثمانيون يسحقون الصرب

-------------------------

وما لبث الصرب وحلفاؤهم من نبلاء البلقان، أن زحفوا بتلك القوات من الشمال، لوقف الاندفاع العثماني، وعسكروا بجيوشهم الجرارة في سهل كوسوفا – إلى الشمال من مدينة بريشتينا- واحتلوا أفضل التلال المشرفة على الميدان، وحقق جيشهم بذلك نقطة إيجابية لصالحه. وحينئذٍ كان الجيش العثماني قد أكمل استعداداته، فزحف بدوره من الجنوب، على وجه السرعة.

وفي صبيحة يوم 28 يوليو1389م، الموافق 15شعبان 791هـ، وبعد مفاوضات فاشلة، التحم عشرات الآلاف من الجنود في نفس ذلك المكان، في معركة ضارية وطاحنة يشيب من هولها الولدان، بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معنى، وقاتل فيها الطرفان بعناد وضراوة، وكان الطابع الديني هو الغالب على شعارات وهتافات الطرفين في تلك المعركة ( الملحمة ).

ويقال إن المعركة بدأت في الثامنة صباحا حينما هجم الأتراك، وأن ثلاثمائة وخمسين ألفا من الجنود الصرب شاركوا فيها، كما يذكر أيضا أن الجيش التركي كان يتكون من مائة ألف من الجنود[17]. وبقيت الحرب بينهما سجالا لأيام عديدة، وتكبّدت فيها القوات من الطرفين خسائر فادحة[18]. وكان السلطان « مراد »، وابنه وولي عهده « بايزيد » مع جميع وزرائه وقواده بأيديهم السيوف، يقاتلون جنباً إلى جنب مع الجنود، وقد أبدى ولي العهد – خاصة – شجاعة فائقة في هذه المعركة ، فكان ذلك برهاناً على صدق اللقب الذي لُقّب به سنة 1386م ، وهو لقب « الصاعقة » إذ كان ينزل كالصاعقة على الأعداء[19]. وأخيرا، فر صهر الملك لازار ( فوك برانكوفتش) ومعه عشرة آلاف فارس، وانضم إلى جيش المسلمين، فدارت الدائرة على الصربيين، وجرح ( لازار ) ووقع أسيرا في قبضة المسلمين فقتلوه[20]. بسبب ما فعله من شناعات ومذابح للأسرى المسلمين.

ولم تلبث المعركة أن انتهت بانتصار حاسم للأتراك العثمانيين المسلمين وهزيمة ساحقة ماحقة للصرب وحلفائهم، والذين فقدوا في هذه المعركة زهرة شبابهم، وكبار قادتهم، وعلى رأسهم الأمير الصربي لازار، فضلا عن كونها كانت نهاية لاستقلال الصرب وفقدهم لدولتهم، التي اجتاحتها الجيوش التركية، التي استمرت في اندفاعها على مراحل تاريخية متقطعة، حتى وصلت إلى أسوار "فيينا"، واختفت الشعوب السلافية الجنوبية من التاريخ لمدة ثلاثة قرون ونصف[21]. ولم تقم للصرب دولة طوال تلك المدة، وبقي ذكر هذه المعركة شهيرا في أوروبا بأسرها

***

السلطان مراد الأول شهيدا

------------------------

لقد انتصر المسلمون انتصارا حاسما في معركة كوسوفا إلا أن القدر لم يمهل السلطان مراد الأول، لكي يحتفل بانتصاره الكبير والباهر. فقد أغتاله أحد الجنود الصرب بينما كان يخوض إلى جانب أتباعه من كبار الوزراء والقواد، بين جثث القتلى ويتفقد الجرحى، من جيشي الطرفين في نهاية المعركة.

وكان هذا الجندي الصربي قد تظاهر بأنه مقتول، وعندما أقترب منه السلطان استل خنجره ونهض من بين الجثث، وسدد له طعنة نجلاء في لمح البصر، فسقط القاتل قتيلا تحت سيوف الانكشارية، لكن لم يفدهم قتله شيئا إذ أسلم السلطان الروح بعد ذلك بقليل[22]. فكان أحد شهداء المعركة – نحسبه كذلك -.

وحول مقتل السلطان مراد الأول قال في ( قصة الحضارة ) " وادعى فارس حربي إسمه ميلوش كوبيلتش، أنه آبق في الخدمة العسكرية وجاسوس واستطاع بذلك أن يشق طريقه إلى خيمة مراد وأن يغتال السلطان فضرب حتى مات. واستثار ابن مراد ووريثه بايزيد الأول الحمية الغضوب في نفوس الأتراك وقادهم إلى النصر[23]".

وكان عمر السلطان مراد آنذاك حوالي اثنين وستون سنة (1326-1388م )، ومدة حكمه تسع وعشرون سنة (1360ـ 1389م (قضى معظمها في الغزو والفتوحات، وقام بالكثير من الأعمال.

وكان السلطان مراد الأول سلطانا غازيا، وقائدا عسكريا فذا. وقد اشتهر بالجهاد في سبيل الله عز وجل والاهتمام بالجيش والشجاعة وحسن التدين والكرم والعدل وبناء المساجد[24]. ودرب مراد جيشا لا يكاد يقهر، وفتح معظم أراضي البلقان، ويسر خضوعهم له بأن أقام لهم حكومة أقدر من تلك التي عرفوها على عهد السيطرة المسيحية[25]. وقد خاض السلطان مراد الأول بنفسه سبعاً وثلاثين معركة كبرى، سواء كانت في الأناضول أو في البلقان، وخرج منها كلها منتصرا، ووسع غزواته للاستيلاء على الدول الأوروبية، بصورة تدريجية، ووفق خطة محكمة، كان يسير في ضوئها حتى يوم قتله. ووسع مملكته التي كانت مساحتها عند استلامه الحكم تبلغ (100000كم2 ) تقريباً، إلى مملكة مساحتها ( 400000 كم2) أي وسعها أربعة أضعاف، لذا يُعد أول سلطان في الدولة العثمانية ، إذ أن والده « أورخان » وجدّه « عثمان » كانا يلقبان بـ « بك »[26]. وتسلم ابنه ( بايزيد الأول ) الحكم[27] من بعده. وكانت هذه الولاية بداية خير وبشارة للمسلمين الذين تألموا بشدة لاغتيال بطلهم ‘مراد الأول’ ونذير حزن وغم شديدين على أعداء الإسلام الذين ظنوا أنهم أصابوا الإسلام فى مقتل يوم أن قتلوا ‘مراد الأول’[28].

وقد أقيم للسلطان مراد الأول ضريح في نفس المكان الذي استشهد فيه يحتوي على دمه وأحشائه، بينما جثمانه نقل إلى مدينة بورصا التركية حيث مقبرة السلاطين الستة الأوائل من بني عثمان.

***

نتائج معركة كوسوفا

-------------------

لقد كان من نتائج معركة كوسوفا الفاصلة، سقوط البلقان برمته في قبضة الدولة العثمانية – فيما بعد - وخضوع كوسوفا وصربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا، للحكم العثماني ، وانتشار الإسلام على نطاق واسع في أقاليم هذه المنطقة، ما عدا مدينة بلغراد – عاصمة صربيا اليوم - فإنها فتحت بشكل نهائي، في عهد السلطان سليمان القانوني، وذلك في 26 من رمضان المبارك سنة 938هـ (1521م). وتم تحويلها إلى مركز للثقافة الإسلامية وبوابة للشرق.

وقد كان للتسامح الديني الذي تميز بها العثمانيون، مردود إيجابي كبير لدخول سكان المنطقة في الإسلام – في بداية الأمر - حيث دفع ذلك أهل البلقان إلى أن يعتنقوا الإسلام طوعا، وفي مقدمتهم الألبان والبوشناق – والذين دخلوا في دين الله أفواجا، وحسن إسلامهم وعظم بلاؤهم في خدمة الإسلام، وكانوا سندا وعونا للدولة العثمانية في قتال أعدائها، وفي نشر الإسلام في أوروبا وفي غيرها.

وقد امتزاج الألبان وبقية المسلمين من القوميات الأخرى في البلقان – ولاسيما في القرون الأولى من الفتح العثماني للبلقان - امتزاجا شبه كامل مع إخوانهم المسلمين من الأتراك وغيرهم، وانخرطوا في سلك العمل في هذه الدولة الإسلامية كقادة وكولاة وتبوءوا مختلف الوظائف والمناصب السياسية والعسكرية ، بل وحتى كمستشارين وكتاب في بلاط السلطان العثماني نفسه، مستفيدين في ذلك من مبدأ المساواة الذي حاول العثمانيون تطبيقه – قدر جهدهم - على مواطنيهم المسلمين أيا كان موطنهم ، وأيا كان جنسهم أو عرقهم أو لونهم.

فقد كان منهم في الدولة العثمانية القواد العظام مثل بالابان باشا - قائد من قواد فتح القسطنطينية – ومحمد علي باشا ، والي مصر والداهية الانتهازي المشهور ، الخارج على الدولة العثمانية ، وكما كان منهم كبار الكتاب والشعراء، والذين كانوا يؤلفون بلغات خمس : الألبانية والبوسنية والعربية والتركية و الفارسية ، مثل محمد عاكف أرسوى وسامي فراشري وغيرهم.

وفي عهد العثمانيين كانت ولاية كوسوفا أكبر الولايات العثمانية في رومليا ( أوروبا ) ، وقد اكتسبت أهمية إستراتيجية لوقوعها على الطريق التجارية إلى البلقان وتمتعت كغيرها من بقية أقاليم البلقان بأطول فترات السلم والاستقرار والرخاء وشهد نهضة عمرانية إسلامية وما زال بعض تلك المنشآت قائماً حتى الآن. ولقد استمر الحكم الإسلامي في المنطقة حتى بدء تراجع نفوذ السلطنة العثمانية عام 1912[29] .

***

معركة كوسوفا في الذاكرة الصربية

-------------------------------

بعد هزيمتهم في معركة كوسوفا 1389 /938 هـ، أصبح الصرب جزءا من دولة الخلافة العثمانية، واستمروا كذلك لأكثر من ثلاثة قرون. ومع عصر انبعاث القوميات في أوربا في منتصف القرن التاسع عشر، بدأ الصرب مسيرة البحث عن ذريعة لإنقاذ سمعتهم وتاريخهم، ولم يجدوا أمامهم سوى المسلمين الألبان، ليجعلوا منهم شماعة يعلقون عليها أسباب هزيمتهم النكراء والقضاء على دولتهم – مملكة صربيا. بل ويتهمونهم بأنهم يقفون وراء مظلوميتهم التاريخية المتمثلة في " النزوح الكبير " الذي يزعمون أنه حدث لهم مع دخول العثمانيين بلادهم، - كما تتحدث عن ذلك أحدى أساطيرهم. وقد اعتبر الصرب تحول الألبان إلى الإسلام، خيانة عظمى ارتكبوها في حقهم وفي حق الكنيسة، وفي حق أسلافهم المسيحيين، وفي حق التاريخ الأوروبي المسيحي برمته. وقد تجسمت هذه الدعاية مع مرور الزمن حتى تحولت إلى أسطورة من الأساطير الرائجة، التي تتخذ في الأدبيات الصربية، شكل ملحمة شعبية حافلة بالقصائد الشعرية والقصص الرومانسية الخيالية. وتحولت هزيمة الصرب في معركة كوسوفا الشهيرة سنة 1389 إلى ذكرى يتم الاحتفال بها سنويا، ويتم خلالها تمجيد القادة والفرسان الصرب الذين خاضوا تلك المعركة وخاصة الملك الصربي لازار الذي لقي مصرعه في تلك المعركة، فقد حولته تلك الأسطورة – إلى بطل قومي للصرب، بل وإلى قديس يحظى بمكانة خاصة لدى الصرب، ولدى الكنيسة الصربية الأرثوذكسية، لا يحظى بها حتى القديسون الحقيقون أنفسهم. وصار كل ذلك جزءا لا يتجزأ من الثقافة الشعبية ومن التراث القومي والديني عند الصرب، والمتوارث جيلا بعد جيل، وأصبح مصدرا للشحن الديني التي ترتكز عليه الأيديولوجية القومية الصربية المتعصبة.

ومنذ انهيار المملكة الصربية، كثيرا ما يزعم الصربيون أن الأراضي التي تكونت منها مملكتهم، والأراضي التي استعمروها عنوة أراض صربية خالصة، ويطلقون أوصافا عجيبة على أراضي " كوسوفا " على وجه التحديد، حيث يعتبرونها أرضا مقدسة للصرب، أما أهل "كوسوفا" بصفة خاصة وبلاد البلقان بصفة عامة فإنهم يعتبرون الصرب غزاة ودخلاء على بلادهم، وأن استيلاءهم على بعض أجزاء بلاد البلقان لفترة معينة من الزمن لا يعطيهم حقا شرعيا في امتلاكها إلى الأبد حتى ينـادوا بملكيتهــــم لها..[30]

ولا زال الصرب يتذكرون هذه المعركة، حيث أحيوا قبل عشر سنين ذكراها بأن أعلن رئيس الصرب بهذه المناسبة إلغاء الحكم الذاتي لمسلمي كوسوفا، وقال كلمته المشهورة "معركة كوسوفا بدأت قبل ستة قرون وانتهت اليوم ونحن مستعدون بأن نضحي بثلاثمائة ألف مقاتل وصربي لاستئصال الإسلام من سراييفوا إلى مكة[31]".

وكان ذلك تدشينا لحرب الإبادة الجماعية التي شنتها صربيا ضد إقليم كوسوفا على مرأى ومسمع من العالم. وظهر الحقد الدفين المتراكم منذ أن انتصر العثمانيون عليهم في معركة "كوسوفو" وحكموا هذه البلاد. وظهرت أوربا على حقيقتها في تعاملها مع المسائل التي تمس المسلمين[32]

***

الهوامش

---------

[1] الدكتور محمد الرميحي، الخيار الذي يواجهه المسلمون في البوسنة والهرسك ( حديث الشهر ) ، مجلة العربي – العدد 415- 6/1993

[2] محمد المنسي قنديل ، بلجراد على أبواب الفراق الصعب ( استطلاع )، مجلة العربي – العدد – 398- 1/1992

[3]سامر بايروش أحمدي، انتشار الإسلام في كوسوفا، سلسلة كتاب الأمة، العدد 124، ربيع الأول 1429هـ - السنة الثامنة والعشرون، ص39

[4] الدكتور محمد الرميحي، الخيار الذي يواجهه المسلمون في البوسنة والهرسك ( حديث الشهر ) ، مجلة العربي – العدد 415- 6/1993

[5] الشرق الأوسط، الاحـد 09 صفـر 1429 هـ 17 فبراير 2008 العدد 10673

[6] الدكتور محمد الرميحي، الخيار الذي يواجهه المسلمون في البوسنة والهرسك ( حديث الشهر ) ، مجلة العربي – العدد 415- 6/1993

[7] إبراهيم المليفي، البوسنة والهرسك.. نار تحت الرماد ( استطلاع )، مجلة العربي – العدد 563- 10/2005

[8] منح الصلح، العروبة والنظام العالمي الجديد ( مقال ) ، مجلة العربي - العدد 431- 10/1994

[9] الشرق الأوسط، الاحـد 09 صفـر 1429 هـ 17 فبراير 2008 العدد 10673

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل