المحتوى الرئيسى

حادثة الإسراء والمعراج وأثرها في منهج حياتنا بقلم: آمال أبو خديجة

07/05 19:42

حادثة الإسراء والمعراج وأثرها في منهج حياتنا

بقلم: آمال أبو خديجة

مرت علينا في الأيام القليلة الماضية مناسبة عظيمة من مناسبات تاريخنا الإسلامي، إنه حدث عظيم قد اخترق قوانين الطبيعة، والحياة المعتادة، لتصل الأرض مع السماء، ولينزل وحي السماء، ليصعد على براقة، خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم للقاء ربه، إنه اللقاء العظيم، الذي سيتلقى فيه عن ربه أمرا عظيما، وسيرى في رحلته أمورا ينبئنا من خلالها، عما سيقع في حياتنا الأخرى، ومرتبط بما سيقع منا في حياتنا الدنيا، سواء كان باتجاه الخير أو الشر.

فهذا الحدث العظيم في حياته صلى الله عليه وسلم، عندما أتاه جبريل وهو نائم ليوقظه على صوت حوافر براقه، ليحمله لرحلة لم يرتحل إليها أحد من قبله ولا من بعده، هي رحلة الإسراء والمعراج، تجاوزت في سرعتها برودة الفرش الدافئة، يطير البراق مهللا في جناحية، فرحا بمن صحبه، ولامس جسده مصعده، يعلو به ليلامس مدد السماء، ويرتقي به لعلو الشمس ونورها، ثم يهبط به على أرض قد التهبت القلوب إليها، ليربط براقة على سارية الأنبياء، لتطأ قدمه الشريفة بقعة باركها الله من سمائه، لينير بنوره أرض المسجد الأقصى ومن حوله، فيدخل إليه مصليا ساجدا في محرابه، مصطفا خلفه الأنبياء جميعا في وحدة الرسالة والعبودية لله، يصطفون متوحدين في أرض الإسراء، لإعلان هذه البقعة أنها مقر وحدة الرسالة والتوحيد، وقهرا لمن ادعوا أنها ملكا لغير المسلمين من بني إسرائيل وصهيون، وأن فلسطين أرض المسلمين جميعا، وقضية الإسلام الأولى، وهي من ستؤلف قلوبهم على العمل والجهاد لنصرة دين الله، إنه لموقف عظيم جلل يعبر عن رهبة قوية، تدل على صدق الانتماء والإتباع، لكل من يحمل دعوة الله.

وفي لحظة انتظار أن يعرج إلى ربه عليه الصلاة والسلام، يأتي إليه جبريل مخيرا إياه ما بين الخمر واللبن، فيختار عليه الصلاة والسلام شرب اللبن، فيقول له لقد هديت الفطرة، ولو اخترت الخمر لغويت وغوت أمتك، فكان اختياره عليه الصلاة والسلام، يدل على صفاء نفسه وسريرته وقلبه، فاللبن بلونه وشكله وطعمه مريح للنفس والجسد، أما الخمر فهو المهلك لها، المضيع للعقل والبدن، لذا وصف اللبن بالفطرة السليمة والهدى.

ثم يصعد البرق من جديد، ليعرج به عليه الصلاة والسلام، بعد الإعلان عن قدسية وطهارة هذا المكان العظيم، واختصاصه من الله لكي يجتمع به الأنبياء مصلين خلف نبيهم، فينطلق به البراق بسرعة تعدت احتساب اللحظات والثواني من عالم الزمن، يصطحبه جبريل إلى السموات السبع، ليمر على كل سماء، فيلقى فيها كل نبي أرسل قبله، فيطرق جبريل باب سمائه، ليرد عليه النبي متسائلا عمن معه، فيخبره بالبشرى، أن محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، يريد أن يلقي التحية والسلام، فيسلم على كل من لقيه من الأنبياء في كل سماء.

وعندما ينتهي عروجه في السماء السابعة، ولقائه الأخير مع سيدنا إبراهيم عليه السلام، يأتي التشريف العظيم، ليدخل على حضرة وجلال ربه سبحانه، فيكون قاب قوسين أو أدني، عند سدرت المنتهى، فينتهي المقر هناك، فلا يسمح بعد ذلك الاقتراب أو الصعود، فهذا مقر ما تطيقه قدرته البشرية على تحمله عند لقاء ربه، فلن يكشف الحجاب ليرى ربه مباشرة، سيبقى هناك ذلك الحجاب الذي لا يزال، إلا عندما تتهيأ القدرة البشرية لذلك في الحياة الآخرة، أما الآن فيكفي أن أخاطبك من وراء ذلك الحجاب يا محمد، فيتدلى له ربه كما جاء في حديث الإسراء في صحيح البخاري ومسلم، ليفرض عليه وعلى أمته فريضة من أعظم ما فرض الله على المسلمين بعد التوحيد، والتي ستكون ملازمة لحركة الإنسان وسكونه بوجوده على الأرض، بل هي الحبل المتين بين العبد وربه، وهي الهوية المعلنة عن صدق الإيمان، والتي يمتاز بها العبد المؤمن، عن كل من انفصل عن اتصاله بخالقه، فيفرض الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خمسين صلاة في اليوم، ثم يأخذه جبريل في رحلة يطلع فيها على مشاهدة تريح النفس وتبشرها بما أعد الله لعباده الصالين في الجنة، لكي يبشر فيها المسلمون ويسارعوا للفوز بها، ويطلعه على أهل النار وأهوالهم، وما كان سببا وراء ما أوصلهم إليه من العذاب، فيخبرنا ليحذرنا من إتباع ما فعلوه.

وفي رحلة عودته من معراجه، يمر مرة أخرى على موسى عليه السلام، الذي خبر الناس وعلم حدود طاقتهم، فيسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عما فرض الله عليه وعلى أمته، فيخبره بالخمسين صلاه، فيطلب منه العودة لربه، يلتمس منه التخفيف واللطف بأمته، فهو الأعلم بقدرة الناس، فيعود ليخفف الله منها خمس صلوات، وهكذا يبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعود بنصيحة من موسى عليه السلام في كل مرة، يطلب من ربه التخفيف، إلى أن يصل لخمس صلوات، فعندها يمنعه الحياء من ربه، أن يطلب أقل من ذلك، فتكتب أنها الصلاة المفروضة على الناس في حياتهم الدنيا.

يهبط الوحي بالنبي الهادي، ليعود إلى فراشه الذي ما زالت حرارة دفئه لا تفارقه، يعود لينام مطمئنا بما رآه في ليلته، وحب من لقاه وزاره ، فقد تجلي نور ربه عليه، قد أنار له الوجود، وأشعل في قلبه الأمل والتفاؤل، في زيادة الثبات على الحق، والتبشير للناس بما عند الله، فينتظر خروج الصباح على شوق،، ليسارع للإخبار عن ربه وعما رآه وفرض عليه، بقلبه الممتلئ بالسعادة، تتفجر منه أحاسيس الشوق إلى ربه، والهمة العالية لأجل أن يتعرف الناس على خالقهم، وما يعده إليهم، إن هم أطاعوا وأحسنوا، فيفاجئه القوم بالتكذيب والسخرية والاتهام بالجنون والخروج عن منطق العقل السليم، ويفتن الكثير منهم بعد أن كان دخل في دين الله، يجادلونه مستهزئين مستبعدين على الله أن يكون قد رفعه إليه، وأسرى به في سرعة تتعدى الخيال والمنطق، وكان من أول من سخر واستهزأ أبو جهل لعنه الله، حيث ادعى أنه صدقه، فجمع القوم ليسخروا بما يخبرهم من خبر رحلة إسرائه ومعراجه ، ورغم وجود دلال على صحة ما يقول، فقد أخبرهم عن خبر تلك القافلة القادمة إلى مكة في طريقها، وحالها وحال إبلها بكل تفاصيلها، وموعد وصولها إلى مكة، ثم طلبوا منه أن يصف لهم بيت المقدس، وهم من كانوا قد زاروه وخبروا وصفه، فعندها يشعر رسول الله ببعض الحرج ، فباله وفكره كان مشغولا بما يهوله من موقف عظيم، ولم ينشغل في تفاصيل البناء والعمارة في تلك الحجارة، ولكن الله ما كان يخيبه ولا يحرجه، فرفع إليه بيت المقدس، فينظر إليه أمام ناظريه، وهم يسألونه فيجيب عن كل وصف دقيق قد يخطر على بالهم، ولكن ذلك ما كان ليصدهم عما هم عليه من الكذب والصد عن دين الله، وجاءت القافلة التي أخبرهم عنها، بمثل ما أخبرهم به، لكنهم قوم منكرون.

ولكن الله يؤيده بحفظه ورعايته، بمن عرفوا صدقه وأمانته، و أمنوا بكل ما يقوله ويبشر به، دون حاجة لدلائل أو معجزات، إنهم صحابته رضي الله عنهم، وأول من بادر بالتصديق به، لمجرد أن وصله الخبر، خليله وحبية أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقد بادر الكافرين إليه لعلمهم أنه أقرب الناس إلى رسول الله، ليحاولوا صده عن إتباعه، وليثبتوا له أن من يتبعه أصابه الهذيان والجنون ولا يقول الصدق، فكيف ذلك وهو من صف خلف حبيبه، ليدافع عنه ويحميه من عداوة الكافرين، وسلاطة ألسنتهم الكاذبة والمستهزئة، فاستحق أن يسمى أبا بكر الصديق، وذلك لسرعة صدقه وإيمانه، دون حاجة لدلائل وبراهين على ما يخبره به نبيه وخليله، فصدّق بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فوقف خلفه كلما تحدث وأخبر بخبر، أجاب من خلفه صدقت يا محمد صلى الله عليه وسلم.

وهكذا تنطلق دعوته صلى الله عليه وسلم، تقوم على رابط قوي مع خالقه، وتجعل وجهة الأولى لذلك البيت المقدس، إلى قبة المسجد الأقصى، مكان التقاء الأنبياء ووحدتهم، ومحل نظر جميع المسلمين، وهوى قلوبهم، تبدأ الدعوة بالاتصال الدائم مع الله، من خلال تلك الصلوات الخمس، التي فرضها الله علي نبيه، دون وحي ولا وساطة، بل كانت بالاتصال واللقاء المباشر ما بينه وبين ربه، وذلك ليدل على عظيم ذلك الفرض عند الله، وأهميته في حياة المسلمين، ودوام ارتباطهم مع خالقهم، دون الحاجة لواسطة أخرى، بل اللقاء المباشر الذي يجب أن يستمر في ليل الإنسان ونهاره، لكي يستمد قوته وطاقته من ربه وخالقه، فيخفف عنه عنت الدنيا ومشاقتها، وينير القلب بنور من الله، فيريح النفس والقلب، وتطمئن الروح والبدن في سجودها الدائم بين يدي الله.

فهذا الحدث العظيم يجب أن يجد في نفوسنا أثرا عظيما بقدر عظمته، فكل عام يأتينا مذكرا لنا في وقعة ذلك الحدث العظيم، لكنه يمر علينا كذكرى عابرة، فلا تعيدنا للعيش مع ذلك الحدث، ولا تعلمنا شيئا جديدا منه، ولا تتأثر به نفوسنا للتجدد مع تجدد قدومه وذكراه، فنجد أننا نهتم في ذلك اليوم العظيم فقط، ليجعل يوم إجازة وترفيه أو نوم على الفرش والراحة، لكننا لا نسعى لمعرفة أحداث ذلك اليوم والاستفادة منها، وتعلمها وتعليمها لغيرنا من الأبناء والمحيطين بنا، وهكذا هو حال جميع مناسباتنا الدينية، والتي يجب أن تربطنا بها علاقة الحب والشوق لقدومها، والتعلم الدائم من أحداثها، واكتساب السلوكيات الجديدة لتهذيب النفس وتأديبها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل