المحتوى الرئيسى

ملامح الفقر في قطاع غزة

07/05 18:45

ملامح الفقر في قطاع غزة

بقلم: د.كامل خالد الشامي

استاذ جامعي وكاتب

جامهة الأقصي- غزة

مازلت أتذكر عندما كان أبو سليمان وأم سليمان يسكنان في إحدى المناطق الريفية في قطاع غزة، ليس لهما من الريف إلا مساحة صغيرة ورثها أبو سليمان عن جده، أنشأ عليها بيتا من غرفة واحدة من الطين والقش، باب الغرفة كان لوحا من الصفيح أنهكه الصدأ، يتكئ على الجدار بخشبة من خشب اللوز، لا قفل له. فتحة الشباك الصغيرة كانت مغطاة بقطعة كيس من الكتان مهترئة. أما محتويات البيت فيمكنك حصرها في نظرة واحدة ترسلها إلى داخل الغرفة، هي قليلة على الحياة وكثيرة على الموت. المنطقة من حولهما خالية من الكهرباء أو إمدادات المياه.

أم سليمان تستخدم «وابور الجاز» عندما يشتد الشتاء، وتشعل السراج عندما يغيب ضوء القمر. في فناء البيت شجرة جميز عتيقة، مربوط تحتها حصان، تلقي الشجرة عليه بعضا من أوراقها وثمارها. يلتهم الحصان بعضها، والباقي تجمعه أم سليمان، تجفف الثمار وتستخدمها فاكهة، أما الأوراق والأغصان الصغيرة فتستخدمها لتوقد النار لأبي سليمان، حيث يصنع قهوة المساء. وأمام البيت أيضا حديقة صغيرة فيها ما يمكن زراعته تروى بماء الوضوء. أبو سليمان يحرث الأرض في الريف مقابل نقود قليلة، أو غلال يأخذها مقابل الحرث، وأم سليمان تعمل في البيوت مقابل القليل وتسلي نفسها، فهي لا تنجب، وسميت بهذا الاسم عسى الله أن يمن عليها ولدا لأبي سليمان يساعدهما على شقاء الدنيا.

هذا المشهد كان يتكرر كثيرا في ريف قطاع غزة. غادرت إلى بلاد الله الواسعة للدراسة، وعندما عدت بعد عقد ونصف من الزمان، وجدت الريف قد تغير، تحولت الأراضي الزراعية إلى مبان سكنية، وهجر الشباب الريف إلى المدينة أو إلى خارج قطاع غزة. وترك أبناء الريف المدارس وأصبحوا عمالا في داخل فلسطين المحتلة 1948. مررت على بيت أبي سليمان للسلام، فكان باب البيت غارقا في الصدأ، أم سليمان لم تنجب واشتد بها المرض، وأبو سليمان لم يعد يحرث أراضي القرية، ولا يشعل نار المساء لصناعة القهوة. قمت بواجبي تجاههما لتخفيف الفقر عنهما. مات أبو سليمان، وبعد عدة أشهر ماتت أم سليمان. ودفع فاعل خير ثمن الكفن وتكاليف العزاء عنها، واكتشف الناس لاحقا أن أم سليمان كانت قد دفعت تكاليف كفنها لتكفن به أبا سليمان. هذه حكاية من حكايات الفقر في قطاع غزة وهناك مثلها ألف حكاية وحكاية.

مفهوم الفقر في قطاع غزة

ليس عيبا أن يكون المرء فقيرا، والفقر ليس بالضرورة ظاهرة تنتشر في قطاع غزة فقط، فالفقر موجود في كل أصقاع الأرض. والفقراء موجدون في كل مكان وفي كل زمان، لكن ما يدعو إلى القلق الشديد، أن يصبح الفقر سمة رئيسية يتسم بها المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، فعدد الفقراء يزداد في كل يوم وفي كل شهر وفي كل سنة.

ومن أصعب الأمور أن تعرف أن ابنك أو ابنتك يولدون فقراء في قطاع غزة، وهذا ما يجعل الإنسان في هم دائم. مفاهيم الفقر متنوعة ومتعددة، وهي أيضا نسبية، فهي في قطاع غزة خليط بين عدة عناصر منها: عدم قدرة السكان على شراء السلع الأساسية التي تتكون من الغذاء، والملابس، والسكن، إضافة إلى توافر الحد الأدنى من الاحتياجات الأخرى مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والمواصلات.

ويرى بعض الباحثين أن مفهوم الفقر هو أشكال مختلفة من الحرمان الناتج عن انخفاض الدخل، أو انعدامه، والسكن في أماكن مكتظة بالسكان، والبطالة، وعدم توافر البنية التحتية. ولكن أفضل تعريف لمفهوم الفقر يأتي من الفقراء أنفسهم، فهم يجملون الفقر على أنه نتيجة عدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية التي سبق ذكرها، إضافة إلى عدم القدرة على تسديد فواتير الماء والكهرباء، وتلبية الواجبات الاجتماعية. وتظهر هذه المفاهيم جلية من خلال الحراك اليومي في الحياة الغزية، فالفقراء لا يحصلون على خدمات طبية مناسبة في المستشفيات، والمرافق الصحية الأخرى، وعلى الرغم من أن التعليم شبه مجاني في قطاع غزة فإن الفقراء لا يستطيعون دفع مستلزمات التعليم مثل شراء الكتب والقرطاسية، مما يؤدي إلى تسرب أطفالهم من المدارس، وإلى ارتفاع نسبة عمالة الأطفال، كما أنهم لا يستطيعون دفع فواتير الكهرباء والماء، مما أوصل هذه المؤسسات إلى شفير الإفلاس.

خط الفقر في قطاع غزة

خط الفقر يعني من هو الفقير الذي وصل إلى حد يستحق فيه المساعدة. وقد حددت المؤسسات الخيرية، ولجان الزكاة، و العديد من المؤسسات غير الحكومية، والحكومية، والقطاع الخاص، وحتى المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي، خطا للفقر عليه نوع من الإجماع لدى تلك اللجان. فالفقير في قطاع غزة حسب خط الفقر المتفق عليه هو من يقع دخله السنوي بين 378 - 509 دولارات أمريكية، أو هو صاحب الأسرة التي يبلغ عددها 7 أشخاص، والذي لا يستطيع إنفاق 550 دولارا أمريكيا في الشهر على أسرته لأغراض الطعام وغير الطعام.وعند استخدام أي من هذه الخطوط لقياس الفقر في قطاع غزة فإن حوالي 81% من إجمالي عدد السكان يصنفون اليوم تحت مستوى خط الفقر.

جذور الفقر في قطاع غزة

بدأت جذور الفقر في قطاع غزة منذ العام 1948 حينما هجّر الاحتلال الناس قسرا من وطنهم فلسطين، وشردهم وأصبحوا لاجئين.. فقدوا أعزاءهم، وممتلكاتهم، وبيوتهم، وأعمالهم، وأرزاقهم، حتى استقر بهم المطاف في مخيمات الداخل، والشتات، يعيشون على الإغاثة، وعلى الأمل في العودة إلى وطنهم يوما ما. ومنذ ذلك الحين والاحتلال يطور أدواته ضد السكان إلى أن أتم السيطرة على قطاع غزة بالكامل، وربط اقتصاد الناس مع اقتصاده وأحكم السيطرة الفيزيائية، على رقاب الناس من خلال تقييد حركتهم والتحكم في التجارة الداخلية والخارجية، ومع مرور الوقت زاد الاحتلال ضراوة، حيث قسم قطاع غزة إلى عدة مناطق وأصبح يعزلها عن بعضها بعضا في الوقت الذي يريده، وتحكم في إدخال التقنية التي تؤدي إلى تطوير الإنسان والاقتصاد, وسمح بها بالقدر الذي يخدم مصالحه، وأمنه والحفاظ على ديمومته. وقد هدفت هذه الإجراءات إلى الوصول بالاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة إلى حافة الانهيار ومنع أكبر عدد ممكن من الناس من العمل وإغراقهم في الفقر.

أسباب الفقر في قطاع غزة

أسباب الفقر في قطاع غزة كثيرة ومعروفة ويعرفها حتى الفقراء أنفسهم، وقد أدت سياسات الاحتلال التي سبق ذكرها، إضافة إلى أسباب أخرى مثل الكثافة السكانية المرتفعة التي تصل إلى أكثر من 3650 نسمة / كم2 أما الكثافة الفسيولوجية فهي تصل إلى ذروتها في المخيمات الفلسطينية، حيث تصل في مخيم جباليا إلى 100 ألف نسمة في الكيلو متر المربع الواحد، هنا تشاهد البيوت ملتصقة البيت بجانب الآخر، يسير الناس في الأزقة والحارات الكتف على الكتف، يعانون من نقص في كل مناحي الحياة، خاصة مرافق البنية التحتية ومرافق العمل،حيث تفتقر المخيمات إلى المساحات اللازمة لإنشاء المرافق العامة ومرافق القطاع الخاص، مثل المحلات التجارية، المنشآت الصناعية التي توفر العمل والخدمات. وإن كانت الكثافة العالية في قطاع غزة تعد سببا من أسباب الفقر، فهي في بلدان أخرى مصدر مهم للرزق, ففي سنغافورة يعيش أكثر من 100 ألف نسمة على الكيلو متر المربع، ولكن وسط هذا الزحام يعيش الناس هناك حياة كريمة، من خلال اقتصاد قوي, وخدمات ممتازة، وحرية في الحركة والتنقل، والتجارة البينية، والدولية. ومن أسباب الفقر أيضا في قطاع غزة شح الموارد الطبيعية وانعدامها في كثير من الأحيان, فلا توجد أنهار ولا معادن، وهناك نقص مستمر في نوعية وكمية المياه الباطنية، وفي الأراضي، وهذا يعود إلى صغر مساحة قطاع غزة (365 كلم/2) وإلى استنزاف الموارد المتواضعة فيه كنتيجة للكثافة السكانية العالية. كما يفتقر قطاع غزة إلى منشآت البنية التحتية، والتي تعتبر قاعدة أساسية للنمو الاقتصادي، فهي إما غير موجودة، أو مهترئه، أو غير مكتملة، أو معطلة، فليس هناك مناطق صناعية أو ميناء بحري، وقد تم تدمير المطار وإغلاقه، كما تم إغلاق المعابر والحدود، ومنذ منتصف عام 2007 أصبح قطاع غزة محاصرا بشكل دائم، ولا يسمح الاحتلال إلا بمرور جزء بسيط من مواد الإغاثة الأساسية لإبقاء الناس في بحث دائم عن الطعام لإنقاذ حياتهم وحياة أسرهم.

ارتفاع نسبة البطالة

انعكست سياسة الحصار الشامل على المستوى المعيشي للأسر الفلسطينية، بحيث ارتفعت معدلات البطالة بصورة لم يسبق لها مثيل فوصلت في هذا العام إلى أكثر من 60% بين القوى العاملة التي تعيل، ويبلغ عدد العمال العاطلين عن العمل في قطاع غزة حوالي 140ألف عامل فقدوا عملهم في المنشآت الغزية وفي خارجها وتنعكس معدلات البطالة العالية على حركة الناس اليومية، فالمحلات مغلقة، والقليل منها يعمل بطاقة بشرية محدودة جدا، وهى خالية إلى حد كبير من المواد الغذائية، والملابس، ومواد البناء. فعلى سبيل المثال مدينة غزة التي يصل عدد سكانها إلى أكثر من نصف مليون نسمة، والتي تعتبر العاصمة الإقليمية لقطاع غزة، أصبحت مدينة شبه خالية من الخدمات والمواد الأساسية.

وفى نظرة سريعة إلى الإحصائيات المتعلقة بالقطاعات الاقتصادية التي وقعت تحت طائلة الحصار وأغلقت، والتي أفرزت عددا كبيرا من العاطلين عن العمل منذ مطلع العام الماضي: 3500 منشأة صناعية وحرفية،95% من الورش الهندسية، 80% من مصانع الأثاث، انهيار قطاع البناء بالكامل.

عمالة الأطفال

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل