المحتوى الرئيسى

الديمقراطية العربية تجربة في طور التكوين

07/05 17:38

خالد عبد ربه

لطالما سمعنا عن الديمقراطية وقرأنا عنها الكثير, ونرى عن بعد معظم دول العالم كيف تعتمد النهج الديمقراطي في تسيير أمورهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية, ولم نكن نتصور أنها يمكن أن تصل الى بلادنا وتفرض حالاً جديداً على بعض الشعوب التي تخلصت من النظم غير الديمقراطية لديها كمصر وتونس لتصبح الديمقراطية عنوان القرن الواحد والعشرين في العالم العربي.

إن كلمة ديمقراطية التي ولدت في القرن الخامس قبل الميلاد في الدولة القديمة "أثينا" والتي عرفها الكاتب جون دون في كتابه تاريخ الديمقراطية على أنها "مجموعة من المبادئ الفلسفية والسياسية التي ينظم شعب ما بموجبها حياته طبقاً لقواعد واضحة يبلورها الجميع ولا يستثنى أحد من المشاركة فيها" باتت تطرق أبواب الشعوب العربية بشكل جدي وحقيقي حتى وإن تأخرت مئات السنين, الا انها أوشكت على الوصول في بعض الدول العربية وخلقت واقع جديد أمام الشعوب العربية في التعاطي معها وممارستها بشكلها الصحيح وخلق ظروف النجاح والاستمرار لها, على الرغم من أنها تجربة جديدة لم يسبق لهذه الشعوب التعامل معها, فقد وضعت الشعوب العربية في البلدان التي تشهد هذا التحول كمصر وتونس والمغرب والبلدان التي لاتزال تصارع لتثبيت مناخ ديمقراطي كسوريا واليمن وليبيا, أمام تحد كبير لتثبيت الأسس السليمة للحياة السياسية في ظل عدم وجود خبرة عملية للأغلبية الساحقة المطالبة بالديمقراطية وفي ظل الثورات المضادة لبقايا الأنظمة المتضررين منها,

هذه الشعوب التي عاشت على مدار مئات وربما آلاف السنين تحت حكم الفرد وحكم القبيلة, من الطبيعي أن لا تجيد استخدام الديمقراطية بالشكل الصحيح في بادئ الامر، ومن البديهي ان تحصل بعض الاخطاء هنا وهناك وأن يساء استخدام المناخ الديمقراطي في بعض الجوانب, بل ربما علينا ان ننتظر سنوات لنصل الى نظم ديمقراطية حقيقية, وأمام الشعوب العربية صراعات ومعارك كثيرة لتثبيت نظام حكم يستند الى صناديق اقتراع قادرة على فرز ممثلين حقيقيين يعبرون عن إرادة ناخبيهم.

إن الشعوب العربية التي التقت على مبدأ الديمقراطية رغم وجود الكثير من نقاط الاختلاف فيما بينها سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي او الفكري وحتى الديني, تدرك أن الديمقراطية ليست انتخابات وصناديق اقتراع فحسب, بل هي ثقافة كاملة في كل مجريات الحياة تبدأ في تدريب انفسنا على ضرورة احترام حق الاختلاف وعدم اقصاء الآخر وضرورة إدراك أن هناك دوماً وجهات نظر اخرى قد لا نتفق معها بالتالي علينا التعايش دوماً مع من لا نتفق معهم.

إذا فإن الجهد الاكبر يتمثل في كيفية إدارة وتنظيم التناقضات الموجودة في المجتمع ابتداءً من التفاصيل اليومية الصغيرة حتى الوصول الى هرم السلطة ورأس الحكم ضمن دساتير وقوانين تضمن بقاء المنهج الديمقراطي كحجر اساس وقاعدة جامعة لكل الالوان بكل الاختلافات.

وعلى القوى السياسية المنظمة أن تلعب الدور الأهم في خلق ثقافة سياسية ديمقراطية تستطيع أن تدخل الى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العادي, الذي يعتبر عماد المجتمع الديمقراطي وأساس التحول الذي لا يمكن ان يتم طالما بقي هذا المواطن يفكر بالعقلية السابقة وينهج نفس السلوك, والامر هنا لا يتعلق بمحاربة الفساد السياسي والاجتماعي وهي ضرورة لابد منها او محاربة المتنفذين وإنما يتعلق بتغيير منهج التفكير لدى المواطن العربي, تغيير النظرة لطبيعة الاحداث وطريقة التقييم والتحليل وكيفية التعاطي في مختلف الامور وكيفية فهم قواعد وأسس الاختلافات والصراعات الجديد.

فالمواطن العربي أمام مرحلة جديدة تماماً تتطلب فهم وثقافة جديدة حتى في أبسط تفاصيل الحياة الصغيرة, ونذكر الحادثة الشهيرة عندما سأل أحد الضباط الإنجليز، الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي، عن محتوى الخطاب الذي كان يريد أن يلقيه في حشد من الهنود المتظاهرين ضد الاحتلال البريطاني لبلادهم، فقال له: سأتحدث عن القيمة الغذائية في حليب الماعز, ولم يكن غاندي ليتهرب من سؤال الضابط او يسخر منه بل كان جاداً حينها ويعتبر ذلك شكل من اشكال النضال في توجيه المواطن الهندي الى مقاطعة البضائع الانجليزية والاعتماد على موارده الطبيعية, وهي ثقافة مجتمعية اثمرت بتحرير الهند من الاستعمار الانجليزي.

وهو تماماً ما يحتاجه المواطن العربي في العصر الحالي وليس المقصود هنا سياسية المقاطعة التي انتهجها الشعب الهندي, وإنما خلق ثقافة سياسية ومجتمعية جديدة تبنى على أسس جديدة تتناسب والحياة الديمقراطية المرتقبة وتلغي تدريجياً كل الثقافات السلبية التي كرسها العصر السابق, وهذا يتطلب جهود مضاعفة من المواطن العربي بدروه الفردي والشخصي في تجهيز الذات للقبول بالمنطق الجديد الذي يجب أن يفترض وجود من لا يتفق معهم, والقوى السياسية بدورها المؤطر والمنظم والطليعي في قيادة الشعوب نحو اتباع سلوك ايجابي وحضاري قادر على تطوير الحياة الديمقراطية للوصول الى الديمقراطية الحقيقية بالشكل الذي عرفه عليه جون دون.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل