المحتوى الرئيسى

محاربة الكفار أم محاربة الفقر؟! بقلم:فهمي هويدي

07/05 18:29

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 4 شعبان 1432 – 5 يوليو 2011

محاربة الكفار أم محاربة الفقر؟! – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_05.html

هل يمكن تطبيق الشريعة في دولة مدنية ديموقراطية؟ لست صاحب السؤال الذي أدهشني استدعاؤه كما صدمتني الإجابة التي قدمت له.

(1)

إليك عيَّنة من الإجابة مقتبسة من النص المنشور:

لا بالتأكيد. لا يمكن تطبيق الشريعة في دولة ديموقراطية، وإلا فسوف تفقد طبيعتها الديموقراطية. فالشريعة الإسلامية لا تتعامل بشكل متساو في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى (للذكر في الميراث حظ الانثيين).

وكذلك تفرق بين المواطنين على أساس الدين (تطالب غير المسلم بدفع جزية).. والأمثلة كثيرة للغاية لا مجال لحصرها.

أما المواءمات التي يقوم بها البعض لإيجاد تماس بين العوالم الراهنة من ناحية وبين الشريعة من ناحية ثانية، فهي محاولات تدعو للغثيان من قلة حيلتها.

إن محاولات تطبيق الشريعة في زماننا تعاني من إشكاليات عدة، أولاها: الانتقائية. فعلى سبيل المثال الرجم أداة عقابية تعود لعصور مضت فلا داعي للحديث عنه. قطع يد السارق يعد تشويها لجسد الإنسان مما يتعارض مع حقوق الإنسان فلا داعي لتطبيقه.

تنادى الشريعة بقتال المشركين. بالطبع مستحيل قتال المشركين في عالم اليوم، فلا داعي لأن نتطرق إليه..

(إلى جانب ذلك) فثمة فجوة هائلة بين الواقع السياسي والاجتماعي الراهن وبين المرجعيات الحكومية لأولئك المطالبين بتطبيق الشريعة. فما رأي الشرع في إقامة علاقات ومشروعات مع كفار الصين أو كفار الهند على سبيل المثال؟.

الخلاصة: إن كل التطبيقات الاجتماعية الحاكمة في ظل الشريعة هي قواعد تاريخية تنتمي لعصور سحيقة لا مجال لتطبيقها اليوم، وتتناقض مع مبادئ المواطنة والعدالة في الحرية بمفاهيم زماننا.

(2)

لا أجد جديدا في هذا الكلام، فكتب غلاة المستشرقين تحفل بمثله. لكن حز في نفسي أمران

أولهما أن الذي نقله مثقف متميز وأديب واعد هو الأستاذ خالد الخميسي (صحيفة «الشروق» عدد 26/6)

ــ والثاني أن الكاتب ذكر في حديثه عن الدولة المدنية أنه درس العلوم السياسية واطلع على مختلف الموسوعات السياسية ولم يجد لهذا المصطلح أثرا،

وهو ما دفعني إلى التساؤل:

لماذا يا ترى لم يفكر صاحبنا في أن يقرأ ولو كتابا واحدا في الإسلام بدلا من أن يقرأ عنه.

ذلك أنه لو فعلها لما ورط نفسه في ترديد تلك المعلومات المنقوصة والشائهة. ربما عرف مثلا أن الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة حيث بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، بنص القرآن

وربما عرف أن مضاعفة نصيب الرجل في الإرث مقارنا بنصيب المرأة ليس قاعدة مطلقة. ولكن النصيب يختلف باختلاف المركز القانوني لكل منهما. فحالات مضاعفة النصيب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، في حين أن ثمة حالات تتساوى فيها أنصبة الرجل والمرأة. وحالات أخرى تحصل المرأة على نصيب يزيد على ما يستحقه الرجل.

ربما عرف أيضا أن مسألة الجزية تقليد قديم سابق على الإسلام، وإنها فرضت على غير المسلمين، لأنهم حينذاك لم يكونوا يشتركون في الدفاع عن ديارهم، وكان المسلمون هم الذين كانوا يتولون هذه المهمة ويموتون نيابة عنهم.

والاتفاق قائم على أنهم إذا انخرطوا في سلك الجندية واشتركوا في الدفاع عن وطنهم فإن الجزية تسقط.

وللعلم فإن قيمة الجزية التي تعد أقرب إلى ما نسميه في مصطلحات زماننا بأنها «بدل جهادية». أقل من قيمة الزكاة التي يتعين أن يدفعها المسلم إلى بيت المال.

ربما عرف كذلك أن تطبيق الحدود له شروط تكاد تكون مستحيلة وتعجيزية (كما في الزنى مثلا). وفي حالة السرقة، فإن تمام الوفرة لكل شخص شرط لتطبيق الحد، علما بأن بعض فقهائنا يذهبون إلى أن الحدود التي كانت ضمن آخر ما نزل في الإسلام. هي للردع والزجر بأكثر منها للتطبيق.

أما حكاية الأمر بقتال المشركين هكذا دون أي مبرر. فهي من قبيل الانطباعات الكاريكاتورية الرائجة في بعض الكتابات الاستشراقية، ذلك أن ثمة أمرا صريحا في القرآن يمنع العدوان على الآخرين وتجنب القتال إلا في حالة الدفاع عن النفس.

وفي غير ذلك. فالأصل في العلاقة مع الآخرين بمن فيهم الكفار والمشركون هو «البر والقسط» بنص القرآن.

ولو أن صاحبنا قرأ شيئا في التاريخ الإسلامي لعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام امتدح «حلف الفضول» الذي عقده كفار قريش للدفاع عن الضعفاء، وقال إنه لو أدركه للحق به وانضم إليه.

وليته قبل أن يخوض في تفاصيل الأحكام فتح كتابا في الفقه ليدرك القاعدة التي تقول بأن الأصل في العبادات هو الاتباع وأن الأصل في المعاملة هو الابتداع.

ولربما قرأ شيئا عن تغير الأحكام بتغير الأمكنة والأزمنة والأحوال، وغير ذلك من آيات عبقرية وحيوية الفقه الأصولي.

لست في مقام الرد على ما ذكره الكاتب، لكنني فقط أردت أن أنبه إلى الأخطاء المعرفية التي وقع فيها، حين أطلق أحكاما في موضوع لم يعتن بدراسته فوقع فيما أساء إليه.

(3)

مثل هذه الكتابات من تداعيات حالة الاستقطاب الخطر الحاصل في مصر الآن، الذي جعل الانتماء إلى الإسلام موضوعا للخلاف.

ذلك أنك ربما لاحظت أن النص الذي نحن بصدده لا يتحدث عن شيطنة المسلمين كما هو الشائع. وإنما هو ينطلق من تقبيح شريعة الإسلام، التي اعتبرها مناقضة لمبادئ المواطنة والحرية والعدالة.

خطورة الكلام تكمن في أنه يوجه إلى مجتمع يشكل المسلمون 94٪ من أهله. بمعنى أنه يتحدى ويحرج مشاعر الأغلبية الساحقة من المؤمنين، ويشترط لإقامة الدولة الديموقراطية تنازلهم عن جزء من ديانتهم بحجة أن الشريعة باتت منتهية الصلاحية وضارة بصحة المجتمع. كأن عليهم أن يختاروا بين الشريعة وبين الديموقراطية.

حين يصبح الأمر كذلك فينبغي ألا نستغرب إذا تعمقت الفجوة بين المتدينين وغيرهم من العلمانيين خاصة، كما لا ينبغي ألا يفاجئنا شعور البعض وترويجهم لمقولة أن هؤلاء مناهضون للإسلام ورافضون لتعاليمه.

وحين يشيع ذلك الانطباع فلابد أن يكون له تأثيره السلبي على الوفاق الوطني والسلام الاجتماعي. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مصر مقبلة على انتخابات نيابية وبلدية ورئاسية، فإن ضرره الفادح سيكون من نصيب كل الواقفين في المربع العلماني بغير تمييز.

إن السؤال الأهم الذي يطرحه استدعاء موضوع الشريعة والطعن فيها ينصب على مدى الملاءمة والجدوى في فتح هذا الملف في الوقت الراهن. إذ إنه يفترض أن الإسلاميين فازوا بالأغلبية في الانتخابات، وأنهم تسلموا السلطة في مصر وشرعوا في الإعداد لتطبيق الشريعة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل