المحتوى الرئيسى

غياب الديمقراطية الذي ألصق الألف واللام بكل الكلام

07/05 05:58

يعرب العيسى

أجل.. لقد هتف متظاهرون في حمص (علوية ع التابوت ومسيحية ع بيروت) وأجل أطلق محتجون الرصاص على قوات الأمن، أجل أيضاً مارس عناصر من الأمن أو الشرطة أو الجيش تعذيباً إجرامياً بحق أطفال ومراهقين

.

أجل هناك قوى خارجية تتآمر على البلد، أجل هناك مسلحون، أجل هناك شبيحة، أجل هناك مقابر جماعية، أجل هناك من قال (ليمسحوا درعا عن الخريطة)، أجل هناك إطلاق نار عشوائي على المتظاهرين، أجل هناك تخريب يقوم به متظاهرون، وتخريب آخر يقوم به الأمن ليلصقه بالمتظاهرين، أجل هناك فيديوهات مفبركة، وشهود عيان كاذبون، وأجل هناك إرهابيون مفبركون، أجل فَقَدَ عدد من أهالي درعا صبرهم في لحظة ما، وأخرجوا بضع بنادق ريفية مخبأة واستخدموها، أجل في جسر الشغور وتلكلخ ـ كما في كل المناطق الحدودية ـ أسلحة أثقل قليلاً من بندقية صيد ومسدس فردي، أجل لم يمارس بعض عناصر الأمن وظيفتهم بل مارسوا ساديتهم.

كل ذلك موجود، وغيره مما سيظهر لاحقاً موجود، لكن المشكلة الوحيدة أننا نمنح عقلنا استراحة، ونعطي الصلاحية لغرائزنا أن تضع الألف واللام على أي واحد من تلك الأوصاف (الجديدة علينا كلياً).

فأن يهتف متظاهرون هتافاً طائفياً هذا أمر وارد ومفهوم ومتوقع، لكنه حتماً لا يعني أن المتظاهرين أطلقوا هتافاً طائفياً، فالفارق بين (متظاهرين) و(المتظاهرين) هو فارق بين أحد عشر شخصاً ومليون شخص، وأن نشاهد جثة مشوهة هو الفارق بين أحد عشر عسكرياً وبين ربع مليون عسكري.

فحين هتف أحد عشر شخصاً (مثلاً) في ساحة الساعة الجديدة بحمص هتاف (التابوت وبيروت)، كان هناك في الساحة عشرات الآلاف من المواطنين يقولون (حرية)، ونسبة أولئك لهؤلاء هي ما يحدد أهمية الأمر أو ثانويته.

فلو أجريت دراسة دقيقة لعشرين ألف شخص (في أي مكان في العالم، أو في ساحة الساعة بحمص) فستجد بينهم أحد عشر شخصاً تظهر لهم أربع بثور حمراء في عنقهم إذا ما أكلوا صفار بيضة دون بياضها، وستجد من يرغب بإحدى محارمه وربما يكونون أحد عشر أيضاً، وستجد من يتفقد قفل الباب تسع عشرة مرة قبل أن يغادر البيت، وستجد من يرغب بذبح كل من يخالفه بالرأي أو بالمعتقد أو بلون البشرة. لكن كل ذلك عابر وتافه ولا يستحق الاهتمام.

لكن لماذا نقيم كبيرَ وزنٍ لأمر كهذا، طالما أن لا أهمية له؟

ببساطة هذا أول أثمان غياب الديمقراطية، فالديمقراطية التي تعوّدنا تقبّل الرأي الآخر، تعلمنا أن في الحياة رأياً مختلفاً، ورأياً ثالثاً أقل أهمية ورابعاً ناشزاً ومستفزاً، نتبنى الأول ونحترم الثاني، ونتجاهل الثالث، ونتشارك مع الجميع في رفض الرأي الرابع ومحاربته. ولأننا أميون سياسياً (بحكم عقود من أسر العمل السياسي) فنحن نسمع للتو بوجود رأي آخر، وبالتالي سيكون من الصعب علينا (مرحلياً على الأقل) تمييز الثاني والثالث والرابع.

وبسبب طبيعتنا هذه يحلو لنا أن نطلق الأحكام المطلقة، ويسهل علينا أن نَصِفْ كل من يخرجون في أيام الجمع أنهم خونة ومتآمرون، وكل من يخرجون في أيام الثلاثاء مجبرون أو خائفون وفي أحسن الأحوال منافقون.

التعميم سهل، فالفرز والحكم الدقيق يحتاج لحصافة لا نمتلكها كلنا، وحتى بين من يمتلكونها فإن استخدامها مرهق، فماذا إذا؟

اقسم العالم إلى خندقين وتمترس في واحد منهما، وستجد حولك في الخندق ذاته من يوافقونك الرأي بالمطلق، ويشبعون حاجتك النفسية لتكون على صواب، وحاجتك الأشد لإضفاء بعض الواقعية والمنطقية على رغباتك. واجعل كل من هو خارج خندقك عدواً بالمطلق، ولن تميز بين من هو في الخندق المقابل أو من يحاول العبور بين الخندقين.

في بداية الأحداث كان لدى كثيرين خوف من أن يشهد المجتمع السوري انقساماً حاداً بسبب الخلاف في الرأي، لكن أشد الخائفين هلعاً وأبصرهم رؤية، لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد: الانقسام الحاد حصل، لكن ليس بناءً على خلاف بالرأي، بل بسبب الخلاف في المعلومات.

فالخلاف تحول منذ الأيام الأولى من (هذا مرفوض، مقبول) إلى (لم يحصل مطلقاً، يحصل كل يوم).

نفي المؤامرة أو الإقرار بها صار معياراً لتقييم الشخص ووطنيته بل وسلامته العقلية، والاعتراف بوجود العصابات المسلحة أو نفي ذلك تمنح الشخص بطاقة الدخول للجنة أو للنار.

والحقائق البسيطة المنطقية التي يقبلها العقل البارد تشمل فيما تشمل أن للخارج أحقاده ورغباته ورؤيته، وأيضاً لعاطف نجيب مزاجه، ولسعيد بخيتان خطته.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل