المحتوى الرئيسى

ليس بين ملكيات وبين جمهوريات بقلم نقولا ناصر

07/04 17:58

(يقع العرب جميعهم اليوم فريسة للعبة أمم تبحث عن "تغيير" استراتيجي لصالح حلف الناتو على حسابهم كافة تتصاغر أمامه كل الدعوات الى التغيير و"رحيل" الأنظمة العربية الحاكمة، أيا كانت هذه الأنظمة)

بقلم نقولا ناصر*

إن الانقسام بين الدول العربية الذي أفرزه الصراع الدموي الدائر الآن في ليبيا يجري توصيفه إعلاميا بصورة مضللة، بافتراض سوء النية، أو بصورة مغلوطة، بافتراض حسن النية، باعتباره انقساما بين "ملكيات" اصطفت إلى جانب تغيير النظام الليبي وبين "جمهويات" لا تصطف في خندق الدفاع عن هذا النظام لكنها أيضا لا تصطف ضده. ويجري تغييب حقيقة كون كل الدول العربية في "المعسكر الأول" هي دول "شركاء غير أعضاء" في حلف شمال الأطلسي "ناتو" وأن الدول في "المعسكر" الآخر يستهدف الحلف ضمها إلى منظومة "شراكاته" أو في الأقل تحييدها، بغض النظر عن الأنظمة ملكية كانت أم جمهوية، وراثية أم غير وراثية، ديموقراطية أم غير ديموقراطية، وتغييب حقيقة أن الناتو قد ركب موجة "الربيع العربي" من أجل الاصلاح أو التغيير أو كليهما حتى يكاد يختطف هذا "الربيع" الآن من أجل التوسع جنوبا عربيا واسلاميا وافريقيا. وبينما اتضحت معركة الناتو في ليبيا وضوحا يجعل من الصعب إخفاء أو إنكار أهداف الحلف فيها، فإن المعركة الحاسمة الفاصلة في خطط الحلف للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بقلبها العربي ومحيطها الاسلامي تضع في عين العاصفة سورية، حيث معركة الحلف أقل وضوحا.

وفي قصف إعلامي مركز وموسع غير مسبوق وغير بريء للوعي الجمعي العربي يجري إغراق هذا التغيير الاستراتيجي الأهم الذي يجري حاليا صنعه في الوطن العربي الكبير ومحيطه الاسلامي في خضم زخم متدفق لتفاصيل تفاصيل الحراك الشعبي العربي المشروع نحو التغيير: فشعار "ارحل" المرفوع بصورة انتقائية في وجه الدول العربية التي لم يستوعبها الناتو ضمن استراتيجيته بعد هو شعار للناتو والدول العربية "الشريكة" له غير المعنية أساسا بأي أصلاح أو تغيير خصوصا في اتجاه ديموقراطي يعيد القرار الوطني إلى صاحبه الشرعي، الشعب، قبل أن يكون شعارا للحراك الشعبي العربي.

فبعد أن فتح الغزو الأميركي أبواب العراق أمام الناتو في شرقها، اصبح الحلف يحيط بسورية من كل جانب، فتركيا في الشمال عضو أصيل في الحلف، والأردن في الجنوب ودولة الاحتلال الاسرائيلي في الغرب "شريكان غير عضوين" في الناتو. وموقع سورية اليوم من الحلف يذكر بموقع يوغوسلافيا السابقة التي كانت تفصل بين القلب الأوروبي للحلف وبين جناحه الجنوبي في تركيا، وقد عاشت يوغوسلافيا موحدة بفضل وجودها على الخط الفاصل لتوازن القوى بين حلفي الناتو و"وارسو" إبان الحرب الباردة، لكنها اصبحت في عين عاصفة الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فجرى تفكيكها وتفتيتها تمهيدا لضمها الى الحلف. وتقف سورية اليوم فاصلا بين الحلف وبين توسعه الاقليمي الذي تحقق جنوبا وبين توسعه شرقا باتجاه ايران.

في كتابه "في كسب الحروب المعاصرة" (ص 130) قال القائد العام السابق للحلف، الجنرال ويسلي كلارك، إن البنتاغون حدد ستة بلدان عربية هي العراق وسورية ولبنان وليبيا والسودان والصومال بالاضافة الى ايران كأهداف لتدخل الولايات المتحدة وحلف الناتو "ضمن خطة حملة تستغرق خمس سنوات" واقتبس من مسؤول في البنتاغون قوله إن "الهدف هو إثارة عدم الاستقرار في الدولة السورية وتنفيذ تغيير في النظام من خلال الدعم السري لعصيان مسلح تنسقه مليشيا اسلامية. وتستخدم التقارير عن وفيات المدنيين لتوفير حجة ومسوغ للتدخل الانساني بموجب مبدأ المسؤولية عن الحماية"، وأشار الى أن السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، طرح مشروع تفكيك الدولة السورية في السادس من أيار / مايو 2002 عندما كان وكيلا لوزارة الخارجية في إدارة جورج بوش الابن.

ووجود سورية في عين عاصفة الناتو اليوم وضع علاقاتها التركية والروسية على محك اختبار استراتيجي. في الرابع والعشرين من الشهر المنصرم كتب حسن كانبولات في صحيفة "زمان اليوم" التركية ان "سورية ليست قضية من المفترض أن تتعامل تركيا لوحدها معها. فسوريا قضية عدم استقرار هامة على الحدود الجنوبية للناتو"، وكأنما أراد المحلل التركي ان يقول إن تركيا تواجه اليوم خيارا صعبا محرجا بين ثابت علاقتها الاستراتيجية مع حلف الأطلسي وبين متغير علاقاتها التكتيكية مع سورية. إن "مخيم اللاجئين السوريين" الذي لم تنظم أنقرة مثيلا له لاستقبال أضعاف مضاعفة من اللاجئين العراقيين والقوقاز اليها هو مؤشر لم يتبلور بعد ألى أنها ستختار الثابت على المتغير بين الناتو وبين جارتها الجنوبية. ففي أوائل الشهر الماضي اعلن وزير الدفاع التركي أن ازمير سوف تكون المقر الجديد لقيادة القوات البرية للحلف، بينما تولت تركيا في السابع عشر من الشهر ذاته قيادة المجموعة الثانية من قوة الرد البحري السريع التابعة للحلف التي وسعت نطاق عملياتها منذ عام 2005 لتنشر سفنها الحربية عبر قناة السويس الى خليج عدن وسواحل الصومال والخليج العربي وعبر بحر العرب الى محيط افريقيا.

لكن روسيا تبدو حاسمة حتى الآن في إدراكها بالملموس بأن سقوط سورية تحت سيطرة الناتو سيغلق المنطقة بكاملها في وجهها بحيث لا يتسنى لها بعد ذلك دخولها الا من بوابة الناتو أو من بوابة أميركية. ومثل روسيا الصين. في السابع عشر من الشهر الماضي أصدرت موسكو وبيجين بيانا مشتركا على أرفع مستوى وقعه الرئيسان دميتري ميدفيديف وهو جينتاو أدانا فيه "التفسير والتوسع الذاتي في تطبيق" تفويض مجلس الأمن في ليبيا وبددا الآمال الغربية في تكرار السيناريو الليبي في سورية عبر مجلس الأمن الدولي. وينظر البلدان الى توسع الناتو جنوبا وشرقا وغربا باعتباره استراتيجية لاحتواء روسيا والصين. وسورية بالنسبة لروسيا بخاصة هي آخر "قلعة" لها في المنطقة العربية، فهي المكان الوحيد الذي يقدم تسهيلات للبحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط (في ميناء طرطوس) وهي الدولة العربية الوحيدة التي ما زالت تتسلح بالسلاح الروسي.

إن الانقسام العربي حول ليبيا وسورية يكاد يردد اليوم اصداء الانقسام المماثل إبان الحرب الباردة، لكن الأهم أنه انقسام لا علاقة له بالتأكيد بالديموقراطية وحقوق الانسان والاصلاح والتغيير، فالاصلاح والتغيير مطلوبان أكثر في "معسكر الناتو" العربي الذي يصطف ضدهما الآن، غير أن ما هو أهم حتى من ذلك هو أن العرب جميعهم يقعون اليوم فريسة للعبة أمم تبحث عن تغيير استراتيجي لصالح الناتو على حسابهم كافة تتصاغر أمامه كل الدعوات الى التغيير و"رحيل" الأنظمة العربية الحاكمة، أيا كانت هذه الأنظمة.

وتبدو العربية السعودية الآن، لأنها لم تنضم الى الناتو بعد، ولأنها لم تدخل معركة "سافرة" في ليبيا وسورية بعد، مؤهلة لالتقاط لحظة تاريخية تستثمر فيها وزنها الاقليمي والدولي لاستدراك تدهور الموقف العربي الى تكرار الاصطراع المجاني لحساب القوى الدولية ذاتها التي لها مصلحة أساسية في تأجيج هذا الانقسام وإدامته حتى ينهار ما تبقى من حطام أي شيء يمكن وصفه ب"التضامن العربي"، لحساب نظام اقليمي بديل لا دور للعرب فيه تحت مظلة الناتو، بالرغم من كل المعطيات الموضوعية التي تجعل مثل هذا الاحتمال أقرب الى التمني المثالي البعيد عن الواقع.

ولا يمكن فهم حقائق الصراع الدائر في ليبيا وسورية بخاصة خارج هذا السياق الدولي والاقليمي والعربي، ففي إطار هذا السياق فقط يمكن مثلا فهم دور قطر العسكري والمالي والسياسي والدبلوماسي والاعلامي المتميز في ليبيا، وفهم المخاطرة التركية بالانجاز الذي أحرزته خلال السنوات القليلة الماضية في علاقاتها الايجابية مع سورية، وفهم التسرع الأردني في الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي المعارض في ليبيا قبل أن يبسط سيطرته على كل الأراضي الليبية كما يقتضي القانون والأعراف الدولية، وكذلك فهم الموقفين الروسي والصيني المعارضين لأي قرار يصدر عن مجلس أمن الأمم المتحدة بشأن التطورات في سورية، ودور فضائية الجزيرة القطرية في ليبيا وسورية معا الذي جعلها تلغي أهم برامجها الحوارية التي اشهرتها مثل "الرأي والرأي الآخر" و"بلا حدود" و"في العمق" و"الشريعة والحياة"، الخ.، ودفعها على سبيل المثال في الحادي والعشرين من الشهر الماضي إلى أن يكون الخبر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس في نشرتها الاخبارية عن "الثورة" في سورية وليس عن سورية والخبر السادس والسابع والثامن عن "الثورة" في ليبيا وليس عن ليبيا مع تقرير موجز عن تفجير في العراق لا عن المقاومة في العراق وخبر موجز آخر عن المغرب دون أي إشارة الى مظاهرات في البحرين، بحيث استحقت إشادة من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون كمنبر"الأخبار الحقيقية" حسب تقرير ل"ذى أراب أميريكان نيوز" في الأول من تموز / يوليو الجاري خلص الى القول إن القناة "يبدو أنها قد تخلت عن كل موضوعية".

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق صمم الناتو برنامج "الشراكة من أجل السلام" لاستيعاب دول المنظومة الاشتراكية الدولية المنهارة وهو البرنامج الذي نجح في توسيع الحلف شرقا حتى حدود روسيا الاتحادية، ودفع نجاح الحلف في هذا البرنامج الى اعتباره نموذجا لبرامج مماثلة للتوسع جنوبا في الوطن العربي، فمن خلال برنامج للشراكة عبر "الحوار المتوسطي" انضم المغرب والأردن ومصر ودولة الاحتلال الاسرائيلي الى الحلف كشركاء غير أعضاء، ومن خلال "مبادرة استانبول للتعاون" التي تستهدف "دمج دول مجلس التعاون الخليجي في الجيش العالمي للناتو" انضمت الكويت والبحرين وقطر والامارات العربية المتحدة ك"شركاء غير أعضاء" أيضا. وبينما فتح الاحتلال الأميركي أبواب العراق أمام الحلف، تحول هؤلاء "الشركاء" جميعا الى "وضع شراكة كامل".

واللافت للنظر أن "مبادرة استانبول" أطلقت عام 2004 مستهدفة دول مجلس التعاوان لدول الخيج العربية الست بعد عام من غزو العراق، ومباشرة بعد أن صاغ بيان للدول الصناعية الثمانية الكبار عبارة منطقة "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأوسع" لأول مرة باقتراح أميركي للتعبير عن مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي كان حتى ذلك الوقت مشروعا أميركيا خالصا.

وفي سنة 2006 استضافت الكويت مؤتمرا مشتركا ل"مواجهة التحديات المشتركة من خلال مبادرة استانبول للتعاون" حضره الأمين العام السابق للحلف جاب دي هوب شيفر. وفي السنة التالية استضافت البحرين "مجلس" الحلف وهو أهم هيئة لصنع القرار فيه. وكانت قطر أول شريك عربي يعين "ضابط اتصال" بمقر الحلف في بروكسل. وكان أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أول رئيس عربي يزور مقر الناتو. وقد وصف نائب أمين عام الحلف، كلوديو بيسوجنيرو، علاقات قطر مع الحلف بأنها "مثمرة للغاية" وأشاد ب"الدعم" الذي قدمته للحلف وللقضايا التي تبناها الحلف منذ عام 2004. وفي شباط / فبراير الماضي زار الدوحة أمين عام الحلف انديرز فوغ راسموسن لحضور مؤتمر "تعميق" العلاقات بين الناتو والشركاء في مبادرة استانبول. وفي أواخر أيار / مايو الماضي كانت الامارات العربية المتحدة أول دولة عربية تعين سفيرا مقيما لها لدى الناتو. وفي 22 كانون الثاني / يناير 2007 استضافت الرياض منتدى التعاون الأمني بين الناتو ومجلس التعاون الخليجي "في إطار مبادرة استانبول للتعاون"، لكن نداءات الحلف لم تتوقف حتى الآن عن مناشدة المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان للانضمام الى الحلف. ولم تعد مساهمات الشركاء العرب تحت مظلة الناتو في أفغانستان سرا الآن.

وكان اجتماع القمة السنوي للحلف الذي انعقد في ستراسبورغ بفرنسا في الأول من نيسان / أبريل 2009 قد أعلن بأن الأردن أصبح ثاني دولة بعد مصر تصبح "شريكا كاملا" في الحلف في اطار "الحوار المتوسطي". وكان الأردن قد بدأ حواره مع الناتو عام 1995، بعد عام من توقيع معاهدة السلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. وفي آذار / مارس من العام الماضي زار راسموسن عمان لأول مرة وفي مقابلة مع "الجوردان تايمز" قال إن المملكة عرضت استضافة مركز اقليمي للتعاون الأمني يدعمه الحلف وأشاد بالعلاقات الثنائية "القوية".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل