المحتوى الرئيسى

معالي الوزير.. سعادة النائب!بقلم:جواد البشيتي

07/04 17:30

معالي الوزير.. سعادة النائب!

جواد البشيتي

لماذا (وكيف) جاءت (وتألَّفت) هذه الحكومة؟ ولماذا ذهبت تلك؟ لماذا عَرَفَت هذه الحكومة تعديلاً وزارياً (واسعاً أو ضيِّقاً)؟ ولماذا أخَذَت الأعمار السياسية للحكومات عندنا (ومجالسها النيابية) تَقْصُر؟

إنَّها غيض من فيض من الأسئلة والتساؤلات التي إجاباتها تشغل أذهان المواطنين الأردنيين الذين، في النهار، يتَّخِذون أجسادهم موائد لولائم أفراحهم، وفي الليل، يَشْرَبون دماءهم ترفيهاً.

لكن، هل تلك الأسئلة والتساؤلات من جِنْسٍ "سياسي"؟ وإذا كانت من هذا الجِنْس، فهل من إجابات سياسية عنها؟

لي هذا السؤال، ولكم الجواب؛ لكنَّني أودُّ أنْ أقول (موضِحاً) إنَّني لم أكتب هذه المقالة إلاَّ بعدما تأكَّدتُ أنَّ موضوعها ليس بسياسيٍّ إلاَّ من حيث الشكل، فإنَّ من المَسْخِ للسياسة أنْ تُفْهَم الحكومات عندنا، مجيئاً وذهاباً، على أنَّها أمْرٌ من أُمور السياسة.

ولم أكتبها إلاَّ بعدما سَمِعْتُ "كرسيِّ الوزير" يَرْفَع عقيرته بالشكوى؛ فوالله لقد هَزُلَت؛ ولا اعتراض على مشيئة الله إذ مَسَخَ بعض المواطنين "وزراء".

لا تأسفوا على حكومة رحلت، ولا تتفاءلوا خيراً بحكومة قدمت، فليس من قانون سياسي يَحْكُم تأليف وحل الحكومات عندنا؛ وكأنَّ الفصل بين "الحكومة" و"السياسة" أصبح لتأليف الحكومات وحلها مبدأً.

المأساة، الكامنة في تلك المهزلة، هي أنَّ المستوزِر عندنا (والذي هو وِزْرٌ على الوطن والشعب) يَنْظُر إلى منصب الوزير على أنَّه الغاية التي تبرِّر الوسيلة، والتي من أجلها يهون كل شيء، وأي شيء، فليس بأمرٍ ذي أهمية، بحسب موازينه، أن يُنْقَش على جبين شاغل هذا المنصب عبارة "لا يملك من أمره شيئاً"، وكأنَّه العانس التي استبدَّ بها الشعور بآلام العنوس، فسعت إلى زواجٍ ولو جعلها كالمستجير من الرمضاء بالنار!

العيب، والحقُّ يقال، ليس في الوزير، أو المستوزِر، وإنَّما في "الكرسي الوزاري"؛ فهذا الكرسي، المصنوع بخواص لا سياسية، هو الذي يصنع صاحبه، أي الجالس عليه، على مثاله.

إنَّ "النفوذ"، في معناه الذي تستكرهه "الروح القيادية"، هو الكامن في دوافع وحوافز المستوزِر عندنا، فجُلُّ ما يطمح إليه، ويطمع فيه، هذا المستوزِر إنَّما هو الخروج من الظلمات إلى النور الإعلامي، والسياحة التي تلبس لبوس المهمات الرسمية، والاستمتاع برؤية الناس يحجُّون إليه، مستجدين كرمه، ومستدعين نعمه، والتمتُّع بامتيازات المنصب، واغتنام فرصه، فما نفع الوزارة الزائلة إذا لم تَعُدْ عليه بما ينفعه غداً، أي بعد انتقالها الحتمي منه إلى عضو آخر من أعضاء "المجتمع الوزاري" الواسع، فالمنصب الوزاري كالعملة يتداولها أبناء هذا المجتمع من المواطنين غير العاديين، المختلفين في الوجوه وملامحها فحسب؛ ولا يدوم من هذا المنصب إلاَّ قَصْرٌ، تزدان واجهته بعبارة الفساد الشائعة.. عبارة "هذا من فضل ربِّي"؛ فلقد "أَنْجَز" هذا الوزير، مع سائر زملائه، من الفشل والإخفاق، ومن سوء الإدارة والأداء، ما يكفي لعودته غانماً آمِناً؛ كيف لا وقد ارتضى لنفسه أنْ يكون "آخر من يَعْلَم" ولو في مرتبة "وزير"؟!

ما أسهل أنْ تصبح وزيراً؛ لكن ما أصعب أنْ تكون قائداً، فالنفوذ القيادي يختلف نوعياً عن النفوذ الوزاري، فالقائد لا يمكنه أبداً أنْ يعطي ما يعطيه الوزير؛ لأنَّه فاقِدٌ له؛ والوزير لا يمكنه أبداً أن يعطي ما يعطيه القائد؛ لأنَّه فاقِدٌ له؛ وشتَّان ما بين من يَعْظُم بالمكان ومن يَعْظُم به المكان!

إذا كان "الوزير" عندنا جُمْلَة من الصفات الشخصية غير المستحبَّة، وينبغي لنا التطهُّر منها، فإنني أقول إنَّ الإنسان لا يُوْلَد "وزيراً"، بل يصبح "وزيراً"؛ ويا ليت الوزير عندنا يملك من الجرأة (الأدبية) ما يكفيه شَرَّ تزوير الحقيقة، فيُجيب، في صِدْقٍ وموضوعيةٍ، عن سؤال "كيف أصبح وزيراً؟"؛ ففي الحياة السياسية للمجتمعات والشعوب، لا بد من تمييز "القيادة" من "السلطة"؛ فالقيادة شيء والسلطة شيء؛ والتاريخ لا يجامل أحداً، فلا يفتح بابه على مصراعيه إلاَّ للذين أحرزوا من "التفوُّق القيادي" ما حمله على منحهم يراعه حتى يكتبوا به سطوراً في صفحاته.

وإنَّ صعوبة أنْ يكون المرء قائداً تاريخياً في العالم السياسي الواقعي، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص، هي ما تحضُّ محبِّي وعشَّاق السلطة، والذي لا يملكون شيئا من الطاقة الفكرية والسياسية (والشخصية) للقيادة، على "التمثيل السينمائي"، وكأنَّ تمثيلهم، غير المُتقَن، لدور "البطل المطلق"، أي البطل في كل شيء، يمكن أنْ يجعل الناس ينظرون إليهم على أنَّهم قادة!

إنَّهم كالكواكب في مغيب الشمس، يلمعون ويتألقون؛ وفي حضورها يُظلِمون ويأفلون. وقد نظر أبو العلاء المعري في لمعان وتألُّق هذا الصنف من الساسة، الذي لا مثيل له إلا الصنف الجديد من المطربين العرب، كمثل هيفاء وهبي، والذي ما كان ممكنا أنْ يظهر وينتشر في وجود أساطين الغناء العربي، فقال: "يسوسون الأمور بغير عقل فيُنْفذ أمرهم فيقال ساسة"!

الحُكْم، يا معشر وزراء "الباب الدَّوار"، قيادة، وتكليف لا تشريف، وزُهْدٌ عن متاع الغرور، وجهاد يومي في سبيل كبح جماح النفس الأمَّارة بالسوء، ومنصبٌ لا يشغله إلاَّ الثري فكراً، ويغني شاغله عن المال، ويكف عن كونه طريقاً إلى الثراء الفاحش من طريق سرقة ونهب المال العام، ليغدو طريقاً إلى إفقار صاحبه إنْ تولاَّه غنياً، لا طريقاً إلى إغنائه إنْ تولاَّه فقيراً.

نحن ما عاد لدينا، والحمد لله، قيادات تطمع بالتاريخ، أي بدخوله، فتزهد عن "متاع الغرور"، وتسعى في أن تقود وتحكم بما يجعلها من ذوي المجد.

ويكفي أن تعاني قياداتنا ما تعانيه من فقرٍ قيادي حتى يشتد لديها الميل إلى أن تقود وتحكم بما يجعلها من ذوي الثروات الطائلة، التي من الفساد تتَّخِذ لها طريقاً وسبيلاً.

أمَّا إذا تطرَّفْنا في العقلانية والواقعية والموضوعية في النَّظَر إلى الأمور، وغَسَلْنا عقولنا من الأوهام الإيديولوجية والدستورية والقانونية والسياسية، وأرَدْنا، من ثمَّ، تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، ووصفها بأوصافها الحقيقية، فلا بدَّ لنا، عندئذٍ، من أنْ نَسْتَنْتِج من تجارب الوزارات والوزراء، والمجالس النيابية والنواب، أنْ لا وجود لـ "الدولة"، بمفهومها (وبواقعها) العالمي، عندنا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل