المحتوى الرئيسى

الخطاب الحميمي الوطني في " لعينيِّ بغداد" للشاعرة بلقيس الجنابي بلقم د. عبدالله حسين كراز

07/04 16:27

لِعَيْنَيِّ بغداد

للشاعرة بلقيس إكرام الجنابي

ناديت في البين يا تغريبتي بيني

ويا ضروب الجفاْ حِنِّي لها .. ليني

ويا معلمتي في هجرها ابتعدي

ويا معلقتي في حبـــــــــــها حيني

(أرض السواد) و(غاب النخل) في مقلي

وفي سويداء قلبي في شــراييني

فيا طيوف الرؤى حُطِّي على هُدبي

وفي جفوني فهذا الكحـل يكفيني

أو احمليني على الأشواق طائرة

إن سال كحلي وفي بغداد حُطِّيني

عين العراق على كل العيون علت

فبلغيني بها أحلى الأفانين

أو انثريني (بسامراء )أطيبة

روحي تحنُّ إليها( بنت عشرين)

بغداد ..بغداد يا أماه يا وطني

أشتاق ضمك لي .. بالله ضميني

أشتاق (للكرخ) (للمنصور) (للسمك ال

مسكوف) ناديت .. حالت غربتي دوني

أطعمت خبز الكرى لليل أرغفة

حتى يسامرني والهجـــــر يكويني

نظمت شوقي إلى بغداد أغنية

لعين بغداد غَنَّى السُّهد تلحيني

بعيدة..بَيْدَ مرآها يعاودني

نقوشها في ضلوعي بالتلاوين ِ

بغداد ..بغداد في ظعني و مرتحلي

بغداد زادي وماعوني وتمويني

ما حاجتي يا نــــوى للزاد أطلبه

ما دام بغداد تغذوني وتسقيني

مـــــا دام بغداد أنَّى كنت حاضرة

تلبَّستني وصارت كل تكويني

ما دامها جنتي أطيافها ظُلَلَــــــي

كل الجنان عداها شَوبُ سِجِّيِنِ

بغداد ..بغداد يا مهدي و مرتبعي

يا حضن أمي ويا نوني وتنويني

لا درَّ.. درَّ زمان بالشتات رمى

أفدي ثـــــــــرى تربة فيها يواريني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

الخطاب الوطني الحميمي في " لِعَيْنَيِّ بغداد" للشاعرة العراقية بلقيس الجنابي

د. عبدالله حسين كراز

باختصار شديد نرى العراق وبغداد كوناً أسطورياً في مرمى الكلمات التي رسمت في الزمان والمكان معالم النوستالجيا بأقوى تعبيراتها ودلالاتها وصورها ورموزها. في البدء كان الحوار الشاعري الملتهب والمتأجج يخرج من بين أنامل الشاعرة وريشة قلمها الذي توشح بدمها الشرياني، بين الذات الشاعرة بوعيها ولاوعيها ، بعالمها الحاضر والغائب، بصيرورتها العصية على النسيان والانكسار، بتضاريس المكان الأسطوري هنا في بغداد قلب العراق ومصدر إلهام الشعراء، بتفاصيل العشق المتشظي والمترامي بين خد الوطن ونهريه وقراه ومدنه وطقوس أهله الذين أحبوا العراق موتاً في الحياة وحياةً في الموت، كله فدى العراق رغم قسوة الظروف وقهرها وإرهاصات ما أصاب جسد العراق الذي أصبح في عيون الشاعرة مصدر حياة ولا موت فيها سوى الحياة من بعد موت.

هكذا يفتح النص الشاعري هنا مصراعيه وبدقيق العبارة يصرخ في نداء مستدام حتى تصل خيوط الدم إلى فضاء العراق ومساحاته الواسعة بخضرتها ونضرتها. النداء هنا صوت يخرج من الباطن المحموم في اغترابه وغربته، في حنينه وشوقه وعشقه وصيرورته التي تأبى إلا أن تتواصل مع فؤادها العراقي، وهذا دليل حميمية الانتماء لوطن الآباء والأجداد والحضارة والتاريخ والتراث:

ناديت في البين يا تغريبتي بيني

ويا ضروب الجفاْ حِنِّي لها .. ليني

لنقف أمام الصوت الشعري هنا بفعل الماضي وكأننا أمام تجربة تخلق حالات من التشظي المتواصل الناجم عن الغربة والابتعاد عن ثرى الوطن الأشم، فالصوت فيه اعتمال صرخات تتكرر منذ حين وتتوسل في غربتها بأقصى مشاعر الألم والحيرة والقلق. فالحنين سيد الموقف هنا واللين مطلب مستباح ومشروع وأمنية ينبغي أن تتحقق ويزول الهم والغم والنكد.

في البيت الأول نستشرف صوت النص السائد ونبرة المشاعر الملتهبة، لذا تلجأ الشاعرة هنا لتوظيف تقنية مهمة وحيوية ودالة تكمن في التشخيص للتغريبة التي تحولت لشخص أو مخلوق يؤنس الوحشة ويساعد في زوال الهم، وإلحاقاً بهذا تشخص الشاعرة "ضروب الجفاْ"، ما يدل على عوز في العزيمة والقوة في الرجوع إلى حضن مهم في حياة الذات الشاعرة، وربما يدل على موقف المستضعفين من المغلوب على أمرهم، خاصةً في صيغة الإلحاح

في "حني" و "ليني."

ويتحول الخطاب الشعري في التوجه إلى معلَم شعوري متجسد في خاطر الشاعرة من "التغريبة" و "ضروب الجفا" إلى "معلمتي" و "معلقتي" ليدل هذا الخطاب على تحول نوعي في نبرة الشاعرية، وبما ينطوي عليه البناء اللغوي والفني والدلالي على ثنائيات تحكم العلاقة بين الأنا الشاعرة بكل ما تظهره من قوة في الوصول لرسم صورة أعمق لموقف الحنين والعشق الوطني الأبدي، وبين الوطن المعلم والمعلق. ففي الصورة الأولى تتوسل الشاعرة أن تبتعد "معلمتها" عن الغربة والتغريب والهجران ليلتئم الجرح تماماً، وليزداد الحب والعشق والحنين بدلاً من مشاعر السوداوية والأسى، لكن يبدو أنه زوال مشروط بزوال السبب، ألا وهو أعداء الوطن ممن سلبوه طقوسه وتضاريسه وتاريخه وأمكنته وأزمنته:

ويامعلمتي في هجرها ابتعدي

ويا معلقتي في حبـــــــــــها حيني

لتلجأ الشاعرة فيما يلي لتقنية التكرار والتوكيد والتبدل والإرجاء والإزاحة والتجاور بمل يخدم الفكرة الوطنية ومشاعر الشاعرة في رسم تخوم منطقها الوطني:

(أرض السواد) و(غاب النخل) في مقلي

وفي سويداء قلبي في شــراييني


فتكرار حرف الجر "في" الدال على المكان بعميق إيحاءاته ورمزيته في مكانين متجاورين متبدلين، احدهما دال على الآخر ومن نفس طينته وعجينته: سويداء القلب والشرايين.

ويتواصل الخطاب الشاعري في التحول عند جزئية المخاطب والمنقول من حالة إلى أخرى، فمثلاً تقول الشاعرة:

فيا طيوف الرؤى حُطِّي على هُدبي

وفي جفوني فهذا الكحـل يكفيني

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل