المحتوى الرئيسى

تحويل القبلة.. تميز وتجرد

07/04 15:51

بقلم: خميس النقيب

شهر شعبان يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله ربِّ العالمين، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهرٍ من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذاك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، وأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم" (حسن رواه النسائي).

 

إعداد وتدريب

شهر فيه تدريبٌ وتهذيب، استعدادًا لموسم الطاعات، وسوق الحسنات، وملتقى الخير مع المؤمنين والمؤمنات، إنه انطلاقة بعيدًا عن ثقلة الأرض، وعوادم الأرض، وجواذب الأرض، يسير الإنسان ببدنه إلى خالقه بعد الإسراء، ويعرج المرء بروحه إلى رازقه بعد المعراج،  يسموا بروحه فيفرح للقاء ربه، فعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومَن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فقيل له يا رسول الله كراهية لقاء الله في كراهية لقاء الموت فكلنا يكره الموت قال: لا إنما ذاك عند موته إذا بشر برحمة الله ومغفرته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإذا بُشِّر بعذاب الله كره لقاء الله وكره الله لقاءه".

 

ويتقن عمله فيفرح برؤيته ربه.. (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) (التوبة).

 

قيمة القبلة ومكانة المتوجهين إليها

محطة أخرى من محطات الدين، ودوحة أخرى من دوحات الإسلام، ذكري تحويل القبلة، تطهير للنفوس المؤمنة، وتجرد للقلوب المخلصة، وتميز للأمة الخيرة، وإسكات للألسنة المتطاولة، وإظهار للنفوس المريضة، وفضح لسفهاء اليوم وكل يوم، (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ..) (البقرة: من الآية 142).

 

القبلة ليست شيئًا بسيطًا، ولا أمرًا تافهًا، كلا!! إنها بؤرة الأرض، وسرة الدنيا، مهد الأنبياء، ومهبط وحي السماء، مسقط رأس المرسلين، وإشعاع يضيء للعالمين، إنها وجهة لأمة الخيرية، ومجمع للنفوس الزكية، ومأوى للقلوب السليمة، ومجبي للثمرات الطيبة.. (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) (القصص: من الآية 57 ).. (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: من الآية 37 )، إنها ملتقى المؤمنين من شتى بقاع الدنيا، على مختلف ألوانهم ولغاتهم وبلدانهم، الذين اختارهم الله لهذا الدين واختار هذا الدين لهم، يجب أن نعيش لحظاتٍ مع هذا التغير لماذا؟ ومع هذا التحول سببه وكيفيته ونتائجه..!! علنا نفيق من غفلتنا، علنا نعود إلى ربنا، علنا نعتز بديننا.

 

علنا نتحول من عبيد إلى سادة، من مقودين إلى قادة، من تابعين إلى متبوعين، نحن عبيد لله فقط، لكننا سادة الدنيا، وقادة الأرض كما أراد الله لنا، كيف لا و معنا الإسلام..!!، كيف لا ومعنا المنهج القويم والدستور الحكيم، كيف لا و معنا الحبل المتين والنور المبين.. (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)) (آل عمران).. (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174)) (النساء).. (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: من الآية 15).

 

كيف لا ومعنا القدوة المثلي، والأسوة الحسنة، والقائد العظيم بسنته وسيرته، (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (164)) (آل عمران).. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)) (الأحزاب)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" (صحيح الجامع).

 

هل نُقدِّر ما نحن فيه من مكانةٍ أعدها الله لنا؟.. هل نستشعر ما نحن فيه من منزلةٍ هيَّأها الله لنا؟!! هل نكن كما أراد الله لنا؟!.. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب)، هذه نتيجة المفروض- طبيعية لهذا العطاء، وهذه المنح، رشد وعزة وعزوة..!!!.

 

قال الفاروق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يومًا: "لقد كنا إذلة- أي قبل الإسلام- فأعزنا الله بالإسلام، ولو ابتغينا العزة في غير الإسلام أذلنا الله".. قالها وهو في طريقه لفتح القدس- أولى القبلتين وثالث الحرمين-، ليس معه طائرات عملاقة، ولا سيارات فارهة، ولا علامات لامعة، ولا جند مدربة، ولا ملابس فاخرة.. كلا فالفاتحون الحقيقون لا يهتمون بهذه الأمور كثيرًا أو قليلاً، فهم لا يحبونها، ولا يدورونها، ولا يقفون كثيرًا عندها..!! وإنما يفرحون بإسلامهم ويعتزون بإيمانهم، لم يكن معه إلا أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة.

 

رحم الله سلمان الذي قال: 

أبي الإسلام لا أب لي سواه    إن افتخروا بقيسٍ أو تميم

ورحم الله ربعي الذي دخل على قائد الفرس في سلطانه وصولجانه، ربعي بن عامر رضي الله عنه كان رمحه قصير وترسه قصير وحصانه قصير، لكنه كان قويًّا بإيمانه، عزيزًا بإسلامه، دخل على رستم يقول له:" جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

 

القبلة مشعل النور ومكان الخشوع ومسكب العبرات:

القبلة.. الكعبة.. وما أدراكم ما الكعبة، مكان الأمن والأمان، مشعل النور والإيمان، مهوى القلوب، ومطهر الذنوب ومسكب العبرات، ومنبت الرسالات، مكان وُلد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، درجت عليه قدماه، وبدا فيه مسعاه، واستقبل فيه وحي الله، اختار الله لأولياءه وأصفياءه، خير مكان، واصطفى لهم خير قبلة، وأنزل عليهم خير كتاب، وأرسل إليهم خير رسول، فكانوا خير أمة أُخرجت للناس.. (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)) (آل عمران).

 

الوطنية في الإسلام:

النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة، فيلتفت إلى الكعبة، ويلقن الأمة درسًا في الحبِّ والوطنية..! الوطنية المجمعة لا المفرقة، الوطنية الموحدة لا المشتتة، الوطنية المحببة لا المبغضة، الوطنية البناءة لا الهدامة..! أخبر أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال له: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى والله، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجت" (قال الشيخ الألباني: صحيح).

 

أعز جنده وصدق وعده:

ولما وصل إلى الغار، لحق به الأعداء، أراد الله أن يطمئن قلبه، ويشرح صدره فأنزل عليه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (85)) (القصص)، ووعد الله حق، وقول الله هو الصدق، وصل النبي المدينة، وهناك توجه في الصلاة إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا بعد أن كانت قبلته إلى الكعبة، لكن حولت القبلة وتحقق وعد الله لنبيه، وعاد إلى مكة فاتحًا، يوم الفتح الأكبر على رأس عشرة آلاف مسلم، وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا.. دخل مكة على دابته يحني ظهره، ويدعو ربه، ويستغفر من ذنبه.

 

كان يكثر في آخر عمره من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. قالت عائشة:

فقلت يا رسول الله ما لي أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. قال:

"إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي وأمرني- إذا رأيت تلك العلامة- أن أسبح بحمده وأستغفره فقد رأيتها (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)) (السلسلة الصحيحة).

 

سفهاء.. سفهاء.. ينضح بما فيه الإناء!:

ولمَّا تحولت القبلة تحرَّكت القلوب المريضة، وانطلقت الألسنة المتسلطة، وانتشرت الإشاعات الهدامة، وما أكثر الألسنة المتسلطة والمتطاولة في كل زمانٍ وفي كل مكان.

 

- قال اليهود: (مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا) (البقرة: من الآية 142) قالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء.

 

- قال المشركون: كما رجع إلى قبلتنا يُوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنه الحق.

 

- قال المنافقون: ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقًّا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل.

 

وكثرت أقوال السفهاء من كل هؤلاء (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142)) (البقرة)، وكل مَن يتعرض للإسلام، أو لكتابه أو لرسوله أو لأهله بالسوء، سواء من قريب أو من بعيد، فهو سفيه بنص القران الكريم.

 

الله يكذب الادعاءات التي حاكها السفهاء، ويفند هذه الإشاعات التي أطلقها المرضى البلهاء في مطلع الجزء الثاني.

 

سفهاءٌ من الناس، السفيه لا قيمة له لأنه قد يضيع ماله وقد يضيع نفسه لذلك (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا) (النساء: من الآية 5)، مَن الذي سمَّاهم سفهاء إنه الله خالقهم ورازقهم، وهو الأعلم بهم، وسيقول للاستمرارية.. نتصالح أو نتخاصم، نوالي أو نعادي، نقاطع أو لا نقاطع، نُطبِّع أو لا نطبع، هم سيقولون إلى يوم الدين، وهم أعداء الإسلام إلى يوم الدين، وهم سفهاء إلى يوم الدين.

 

المؤمن.. ما موقفه؟:

رد قاطع لا مراءَ فيه وبيان ساطع لا لبسَ معه ولا جدالَ فيه (قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (البقرة: من الآية 142) له كل الأمكنة، وله كل الاتجاهات، هو الذي يقرر، وهو الذي يوجه، وهو الذي يهدي، والخير في طاعته، والفلاح في هدايته (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (البقرة: من الآية 142)، المؤمن يعلم أن الملك كله لله.. يعلم أن المال يفني والملك لا يبقى، السلطان يزول، والعز لا يدوم، (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَام (27)) (الرحمن) لذلك يؤمن ويلبي ويطيع ويرضي: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (آل عمران: من 7).. إنهم يلبون نداء الله (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا..) (آل عمران: من الآية 193).. إنهم يرضون بحكم الله "إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)) (النور).

 

(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)) (البقرة)، الشرق لله والغرب لله، والجهات كلها لله، والأمر بيد الله، ونحن نتعبد في الجهة التي أرادها الله، وعندما يُوفِّق الله عبدًا فإنما يهديه إلى الطاعة، ويرشده إلى العبادة، يهديه إلى الامتثال لأمره، لكن الذين عاندوا وأعرضوا، رفضوا هذه الأوامر ظلمًا بغير حق، وسفهًا بغير علم.. (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)) (النمل).

 

أما المؤمن إذا أمر أن يتجه إلى الشرق يُشرِّق، أو إلى الغرب يُغرِّب؛ لأن أمر الله فيه الهداية والكفاية، فيه النجاح والفلاح.

 

الوسطية والتميز:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143) وسطًا في سرة الدنيا، وسطًا في التصور والاعتقاد، وسطًا في الدين والعبادة، وسطًا في المكانة والريادة، وسطًا في الشعائر والمشاعر، وسطًا في الشرائع والمناهج، وسطًا في كل شيء، لا يميلون إلى المغالاة والتطرف ولا يذهبون للرهبانية المقيتة يأخذون بالجد إذا كان الأمر جد، والدين كله جد، أمة تتلقى أوامر الله فتنفذها بالحكمة والموعظة الحسنة لا اتكالاً ولا استهزاءً، ولا تطرفًا ولا تشددًا، وإنما "إن الدين يسر ولا يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (صحيح الجامع).."إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" (صحيح).

 

يعبدون ربًّا واحدًا، ويتبعون نبيًّا واحدًا، ويقرءون كتابًا واحدًا، ويتجهون إلى قبلة واحدة..!! ويتعبدون بأعمال واحدة..! هل هناك تميز أفضل من هذا؟ هل هناك وحدة أجمل من هذه..!! الله يجمعهم وهم يتفرقون ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103).

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا              وإذا افترقن تكسرت آحادًا

 

الله يوحدهم وهم يختلفون﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) ﴾ (الأنبياء92)، الله يهديهم وهم يضلون﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: من الآية 101)، الله يعزهم وهم يستذلون " ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) ﴾ "(النساء139)، الله يعلمهم وهم يجهلون..، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 282)... إلا من رحم ربي وعصم.

 

إذا سرق منك المال تقلب الدنيا ولا تقعدها، أما إذا سرق منك الإيمان، أو القرآن، أو العقيدة، أو المقدسات، تنام قرير العين، هادئ البال كأن شيئًا لم يكن..!! لماذا أنت ساكن...غافل...سلبي...كيف؟ تتخلف عن صلاة الفجر..هذه سرقة لإيمانك..كيف لا تؤدي زكاة أموالك؟ كيف لا تدافع عن دينك أو مقدساتك؟، لماذا لا تقل الحق ولو كان مرًّا، ولا تأمر بالمعروف ولو كان سرًّا..؟، قبلتك الأولى بين براثن اليهود، ماذا صنعت لتحريرها؟، هل جاهدت بمالك أو بقولك أو بوقتك؟،هل قاطعت أعداءك وأعداء الدين وأعداء الله؟، هل دعوت الله بعد الفجر وفي أوقات السحر.

 

دعوة من الله لك؛ لتكون شاهدًا على الناس يوم القيامة..هل تلبي؟!!

 

﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: من الآية 143)..في الدنيا والآخرة...كيف؟!!

 

في الدنيا: عن أنس، رضي الله عنه، قال: مر بجنازة، فأثني عليها خيرًا فقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم: "وجبت وجبت وجبت" ومر بجنازة فأثني عليها شرًّا فقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم: "وجبت وجبت وجبت" فقال عمر فداك أبي وأمي مر بجنازة، فأثني عليها خيرًا، فقلت: "وجبت وجبت وجبت"، ومر بجنازة فأثني عليها شرًّا، فقلت: وجبت وجبت وجبت، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض" (رواه البخاري ومسلم، واللفظ له، والترمذي والنسائي وابن ماجه.

 

في الآخرة: يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا: فيقولون لا، فيقال له من يشهد لك، فيقول محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته، فيقال لهم هل بلغ هذا قومه فيقولون نعم، فيقال وما علمكم بذلك فيقولون جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143) صحيح الجامع، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143)" كيف؟.. (عن عبد الله بن مسعود، قال قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر: اقرأ عليَّ. قلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا (41) ﴾ (النساء: 41) قال: "حسبك الآن". فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان) صحيح.

 

هل أنت أهل لهذه الشهادة؟ هل أنت أهل لهذه المكانة؟ هل أنت خليقًا لهذه المنزلة؟... أنت ونفسك..اسألها تجيبك..!!!

 

من أسباب تحويل القبلة:

أما سبب الموقف، وعلة التحول...هو تجرد القلوب واصطفاء النفوس، واجتباء الأرواح، واستقلال التوجهات، ليستبين الله الناسي من الذاكر، والجاحد من الشاكر،والمؤمن من الكافر، والمصلح من المفسد، والكاذب من الصادق، والمتردد الخوار من الثابت المغوار ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (البقرة: من الآية 143) أراد الله أن يجرد القلوب من العوالق إلا لله، وأن يصفيها من الجواذب إلا لدين الله. 

 

 صفعة أخرى للمنافقين والمشككين، واليهود الملاعين، وفي نفس الوقت طمأنة للمؤمنين الصادقين ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (صلاتكم) لماذا؟" ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 143)

 

رأفته بالمؤمنين ما أعظمها، ورحمته بالمخلصين ما أجملها.

 

الأدب مع الله طريق الأنبياء:

انظر كيف يتأدب المخلوق مع خالقه، والمرزوق مع رازقه، والعبد مع سيده، والحبيب مع حبيبه، إنه درس عظيم في التأدب مع الله:

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ بدون طلب، بدون اقتراح، بدون إلحاح..!! أيقترح على ربه..! أيغير في الدين..!! كلا..! لذلك كانت الإجابة على وجه السرعة له ولأمته..هل أنت منهم؟!! ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: من الآية 144) فما بال الذين يغيرون الشرائع، ويحرفون الشعائر، ويتحايلون على الدين، يعطلون الحدود، ويأكلون العهود...كيف إذا وقفوا أمام الله؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل