المحتوى الرئيسى

ضاع الكنز يا خواجة

07/04 13:04

بقلم: م. محمد أنور رياض

مع مبارك كانت لقاءاتهم معه سهلة ميسورة، ونزهة مبهجة، يدخلون معه في اجتماع مغلق وحيدًا في مواجهتهم لا معه مستشار ولا تابع من الوزراء، ولا حتى جهاز تسجيل، ويبدأ حديثه بلغة ألف ليلة وليلة، شبيك لبيك كل ما تطلبونه من مصر بين إيديك، وبلغة العصر أحلامكم أوامر وبرمش العين أُجيب وأُلبي وأبصم بالعشرة.

 

وينتهي الاجتماع المغلق بالخروج إلى المؤتمر الصحفي، وأمام العدسات والكاميرات والتزاحم من الإعلاميين تنهال الإشادة والمديح عن حكمة الرئيس والجخ الثقيل عما حققه من استقرار، وحرصه الدائم على تنمية العلاقات المتينة التي عادت بالمنافع والخير العميم على البلدين، هكذا تمت سرقة غاز مصر، وبالمثل وُقّعت اتفاقية الكويز.

 

وعلى المنوال اشتركنا في حرب عاصفة الصحراء ضد العراق، وتزعمنا العرب في قرار الجامعة العربية كغطاء ومنح شرعية لكل ما قامت به أمريكا بعد ذلك من حصار وتجويع لشعب العراق، والتمركز باطمئنان فوق أنفاس الخليج، وعلى الدرب حاصرنا غزة سياسيًّا وأنهكناها، وتزعمنا لوبي عربي معتدل ينسق ويخطط مع مخابرات أمريكا وإسرائيل لتصفية قضية فلسطين مصدر الإزعاج ومبعث تكدير المزاج، وعادينا إيران، وأيدنا تدمير غزة وجنوب لبنان، وكان قمة التعاون في استخدام مسالخنا وخبراتنا المتفوقة في مقرات أمن الدولة كمراكز لاستنطاق وتعذيب أسرى أمريكا في حربها على الإرهاب، لقد كان كنزًا استراتيجيًّا لهم، وكان لنا فضيحة وخزي وهوان، وتقزيم لشعب عملاق.

 

وقامت الثورة فضاع الكنز، فماذا تفعل يا ولدي إذا ضاع منك كنز؟؟؟ وليس كأي كنز، إنما كنز إستراتيجي!!

 

أغلب الظن أن الصدمة لن تترك لك الفرصة لتحرير محضر في القسم أو تسمع نصيحة أمين شرطة يعرف طريق الحرامية؛ ليعقد معهم صفقة، أو حتى الذهاب لمن يفتح الفنجان ويضرب الودع؛ ليصف لك شكل اللص ومكانه، ولكن ستصيبك الصدمة بالسكتة والشلل وتروح فيها، هذا على مستوى الشخص.

 

أما إذا كان المصدوم دولة بحجم أمريكا وخبث إسرائيل، فإن استيعاب الزلزال لا يلبث معهم إلا قليلاً يستدعون بعده مخزونهم من المكر والألاعيب وشغل الثلاث ورقات، يفتحون غرف أبواب العمليات، ويستخرجون من أدراجهم خطط الطوارئ، ويُسَلَّكون قنوات الاتصال، ويفتحون الخزائن، فهذا وقت الإنفاق والسخاء، لا مساومة عند شراء الذمم، ولا تقتير عند تجنيد الأعوان، والهدف المنشود هو الالتفاف على أهداف الثورة، زرع الجواسيس وإثارة الفتن ونشر البلبلة، وتسونامي من الحرب الإعلامية لتشويه أشراف الأمة، والنجاح النهائي هو تعميم الفوضى، ولكن لا بأس من مكاسب مرحلية تدور حول شل حركة الثوار واختراق جموعهم ما أمكن، واللعب بأضواء الإعلام في أدمغتهم وتشتيت انتباههم وخلط أوراقهم وعكس أولوياتهم.

 

كل هذا شاهدناه ولاحظنا معالمه، وتتبعنا خطواته، ولمسنا أثره في الملايين التي شخشخت في الجيوب, وسَلّكت الحناجر ونظمت المؤتمرات, وزينت الديكورات ولألأت أنوار الاستوديوهات، وكوْفرة المذيعين قبل المذيعات، وأسالت حبر المطابع، وأطلقت العنان لأبالسة التحرير، ولكن المشهد الأكثر إثارة كان هو تقاطر كبار المسئولين في زيارات متتالية مبرمجة، وبصحبتهم كتائب رجال الأعمال وممثلي الشركات العملاقة، وبعد الطواف بالميدان والمصافحة والتصوير تنطلق تصريحاتهم عن الثورة الفريدة، وشبابها المتميز الذي يستحق العون، ويتحدثون عن الاقتصاد الواعد، وعن المساعدات السخية بالمليارات (منذ أيام كانت مؤسساتهم تتحدث عن الانهيار والوقوف على حافة الإفلاس)، كلام عن مشاريع ستجعل من البحر طحينة، ومن أرض مصر جنة تفيض إنتاجًا ونماءً؛ ليمتلك الفقير المحروم من أهلها الفيللا واليخت وتوكتوكًا (فول أبشن) مشابه لتوكتوك القذافي، واستكمالاً للمشهد المثير أقاموا مؤتمرًا للمانحين أسفر عن توزيع أعباء والتزامات بالمليارات تظل معلقة ووعودًا وأماني ستنتهي في الغالب مثلما انتهت مؤتمرات سبقتها لمساعدة أفغانستان وفلسطين وغيرها من المنح الفشنك.

 

فماذا يريد الغرب بهذه العاصفة من الوعود والآمال؟؟

لم نعهد في سياسة الغرب أنها جيدة كريمة تهب اليورو في الصُرّة، وتنثر الدولارات صدقات ومنحًا، لم نعهد الغرب إلا مرابيًّا يحسب السحتوت قبل السنت والبنس، لا يعرف دينًا معدومًا إلا بعد أن ينزف المدين دمه، ويبيع الجلد والسقط، السياسة الغربية براجماتية نفعية انتهازية "مصلحجية"، وفي العديد من المواقف تسفر عن وجه عنصري بشع، مؤسساته المالية بلا قلب لا تعرف سوي الأرقام، إذا أنفقت دولارًا أخذت مقابله اثنين وثلاثة، والأفضل أن يأخذ بلا رد!!!.

 

سياسة الغرب لا تقيد حركتها أخلاقيات أو مثل، لا تتورع عن القتل والتدمير لتأمين وحماية مصالحها.

 

الغريب والعجيب أن الغرب في حروبه على العراق اتخذ أهله ومنشآته ميدانًا لتجربة أسلحته الحديثة، كما كانت مناسبة انتهزها للتخلص من المخزون الراكد للأسلحة والذخيرة المنتهية صلاحيتها، وتشغيل مصانعه لإنتاج الأكثر تطورًا، ثم، تقاضي- من الشعب المغلوب- ثمنًا لكل هذا وبالسعر الذي حدده.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل