المحتوى الرئيسى

أنا أندهش إذن أنا مش أرستقراطى

07/04 08:30

يقول الإنجليز: «الأرستقراطىُّ هو الشخصُ الذى لا يبدى دهشتَه لما يرى، فالدهشةُ بدائيةٌ وقِلّة ثقافة وعدم تحضّر». وأنا، وفق هذا التعريف، أبعدُ الناس عن الأرستقراطية، فأنا أندهشُ لأمور قد لا تُدهشُ الطفلَ من فرط تكرارها كلَّ يوم. أندهشُ كلما شاهدتُ شخصًا يمسك قلماً ليخطَّ شيئًا!

ها هو الآن يحوّل شيئًا غامضًا فى رأسه، اسمه «فكرة»، إلى رموزٍ وأشكال، ثم يرسم هذه الأشكال بأداة صغيرة فى يده اسمها «قلم»، فيأتى شخصٌ آخر من مكان بعيد، يعثر بذلك الوعاء، المسمى «ورقة»، وينظر فى تلك الأشكال والرموز، المسماة حروفًا، فيرى ما فى داخل رأس الشخص الأول!

معجزةٌ حقيقية، عابرةٌ للزمان والمكان، فأنت حين تفتح كتابًا وتقرأ مسرحية لشكسبير، فكأنما تتلصّص على عقل ذلك الرجل بعد موته بخمسة قرون. نفس المعجزة التى ستجعلكم ترون ما فى مخى الآن، بعد يومين. والمشكلةُ عندى أننى لا أفقد الدهشةَ مهما تكرر حدوثُ الأمر أمامى آلاف المرات.. ربما بسبب تعطُّل التراكم المعرفى لدىّ، أو هو تشبّثٌ بالدهشة التى هى خيطُ الفرح بالحياة. اِحسبْ معى حضرتك كم سأفقدُ من بهجة لو توقفتُ عن الدهشة كلما شاهدتُ قلمًا يكتب؟!

وقِسْ على هذا آلاف الأشياء، فكلما جلستَ أمام مروحة، بوسعك أن تتخيل نفسك أحدَ ملوك فرنسا فى عصر الباروك، أو خليفةً عباسيّاً ثريّاً تحيط بك الجوارى الحسان والخدم والحشم «يُمروحون» عليك بريش النعام، دون أن يُفقدوك خصوصيتك باختلاسهم النظر والبحلقة فى طعامك وشرابك، ودون أن يُفسدوا هواء الغرفة بالتنفس معك! تخيّلْ هذا، واندهشْ، وافرحْ.

ومثلما تُدهشنى معجزاتٌ صغيرة مبهجةٌ مثل القلم والممحاة والمقص والمشط والمرآة....، تُدهشنى معجزاتٌ كونيةٌ كبرى مثل الطمى الأسود ينشقُّ عن زهرة ملونة، أو دودةٌ تتكور على نفسها داخل سجن الحرير، ثم تخرجُ فراشةً تطير...، مثلما تُبهجنى هذه المُفرحات، توجعنى مُدهشاتٌ أخرى وتملأ قلبى باليأس. مثل معجزة الإنسان الذى اعتمر الأرضَ ملايين السنين، ولم ينجح بعد فى الكفِّ عن القتل والكذب والظلم والسرقة!

كأن الزمانَ لا يمرُّ، وكأننا لم نتعلم أن الجمال وحده سيصلح العالم! كم مليون سنة يحتاج الإنسانُ فوق كوكبٍ، ليغدو جميلاً وفاضلاً؟!

وفى السرقة تحديدًا لى نظريةٌ «عبقرية» خسّرتنى الكثير، وأثبتت فشلَها عشرات المرات، لكننى لا أتوقف عن الإيمان بها. ألم نتفق على تعطُّل جهاز التراكُم المعرفىّ لدى؟!

 لو أنك أتيتَ بإنسان وكبّلته بالأغلال وسجنته فى قبو تحت الأرض أربعين سنة. هل بوسعك أن تُجزم أن هذا الإنسان فاضلٌ لأنه لم يسرق ولم يقتل؟ لا.

لابد أن يمتلكَ المرءُ إمكانية الخطيئة، ثم يختارُ ألا يخطئ، ليستحق لقب: «فاضل». لكى تستمع بفكرة أن البشر شرفاء، لابد أن تترك حقيبتك مفتوحةً، وأبواب سيارتك غير موصدة، فتفرح حين تعود وتجد كلَّ شىء فى مكانه، لأن الناس طيبون. ما الممتع فى ألا تُسرق لأنك تقفل على أشيائك؟! وأنك آمنٌ لأنك حريص؟!

الحرصُ والحذرُ ضدُّ الفرح، وأنا لا أضحى بالفرح مقابل أى شىء. هذا ما أفعله، وهذه النظرية «الفذّة» هى السبب فى أن أفقد دراجةً كل شهرين من أمام باب شقتى، لأننى أتركها دون قفل. وحين أقنعنى الأصدقاءُ بحتمية القفل، ربطتُ دراجتى الأخيرة، لكننى لم أعد أستعملها. فقدتُ الفرح!

الأسبوع الماضى، فى طريق عودتى من كندا، نسيتُ حقيبتى، كالعادة، فى طائرة بمطار روما. أرسلوا الأمن فعاد لى بالحقيبة. فرحتُ لأن الدنيا بخير. وحين اكتشفتُ أن كل شىء بالحقيبة ما عدا الـ1500 دولار، تمنيتُ لو لم تعد الحقيبةُ كلها. عودةُ الحقيبة أكدت لى أن شخصًا فتحها وأخذ الفلوس، ثم أغلقها، وتركها مكانها. ثمة لصٌّ بالعالم إذن!!

أمر مدهش! ومحزن! أما لو لم تعد، فكان بوسعى أن أُفعِّل نظريةَ خداع النفس، التى أسميها: «نظرية النخلة» فى مقالى: «دى مش نخلة يا ماما»، فأقنع نفسى أن الحقيبة راحت مع المهملات. وأن البشر شرفاء!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل