المحتوى الرئيسى

صاحب الجميلات المظلوم

07/04 01:36

عندما فرغت من قراءة رواية الجميلات التي لم أقرأها قبل ذلك للأسف‏,‏ ربما بسبب الضوضاء التي أثيرت حولها‏,‏ ازددت يقينا أن محمد عبد السلام العمري واحد من أبرز الروائيين المعاصرين الذين نالهم ظلم سوء الفهم والأحكام العاجلة أو السماعية‏.‏

وهو الأمر الذي أدي إلي مصادرة الرواية, ومثول الروائي أمام النيابة, ولولا مثابرة الروائي العنيد, ولجوئه إلي القضاء الذي نظر في القضية, لما خرجت الرواية منتصرة بواسطة حكم قضائي نزيه, وضع حسنة مضافة في ميزان حسنات القضاء المصري الذي أنصف الكتاب, مفكرين ومبدعين, ابتداء من طه حسين صاحب في الشعر الجاهلي (1926) وليس انتهاء بمحمد عبدالسلام العمري صاحب الجميلات التي ظلمها مسؤولون وكتاب كبار بلا وجه حق, وهاأنذا أشعر بتأنيب الضمير لأني لم أقرأ الرواية في وقتها, ولم أدافع عنها, وعن صاحبها الذي لا أزال منطويا علي تقديره والإعجاب بمنجزاته, خصوصا ما تتميز به من جرأة وجسارة ولا أزال أري أن محمد العمري واحد ممن ظلمتهم الحياة الثقافية, وظلموا أنفسهم في الوقت نفسه, فهو مولود مثلي سنة 1944, يفصل ما بين تاريخ ميلاد كل منا أشهر معدودة من العام نفسه ولكنه تخرج متأخرا من كلية الهندسة جامعة حلوان سنة 1975, وسافر بعد تخرجه مباشرة ليعمل في السعودية حوالي سبع سنوات, وعندما عاد سنة 1984 كان المشهد الأدبي المصري تغير تغيرا كبيرا عن ما كان عليه في السبعينيات ولذلك لم يحسب محمد عبد السلام العمري علي أبناء جيله الذي حفر الصخر بأظافره منذ ما بعد كارثة العام السابع والستين إلي كل سنوات السبعينيات ليحقق إنجازاته الكبري التي أهلته للهيمنة علي الحياة الأدبية في الثمانينيات أما جيل الثمانينيات الصاعد فكان يري في إنجاز محمد عبد السلام العمري إنجازا ينتمي إلي مرحلة سابقة رغم تميزه وظني أن محمدا لو دخل ساحة الإبداع الأدبي مع المولودين في الأربعينيات مثله, لكان حقق لنفسه حضورا أدبيا أكبر وأكثر ترسخا بالتأكيد, وما كان عليه أن يدفع ثمن الغربة التي دعمته ماليا, ولكنها أخرته في مدي الظهور الأدبي بالتأكيد, فظل واقعا بين كرسيين كما يقول طه حسين.

ولكن بعيدا عن مدي الحضور ومعرفة القراء, فقد استطاع محمد عبد السلام العمري أن يحقق عبر خمسة عشر عاما من الإبداع ما يؤكد قيمته الإبداعية ومكانته الأدبية التي تأخرت في التراتب الزمني, لكنها لا تزال متوهجة في تراتب القيمة.

ولقد عرفت محمدا الكاتب والصديق في أواخر الثمانينيات, بعد أن نشر له المرحوم سامي خشبة مجموعة قصصه القصيرة شمس بيضاء التي كانت أول ما قرأت له, بعد أن أوصاني بقراءتها سامي خشبة, وذكر لي أن كثيرين من المبدعين مثل أحمد حجازي ويوسف إدريس وصلاح عبد الصبور ومحمد عبد الحليم عبدالله شجعوا محمد العمري علي المضي في طريق الإبداع ولم أستغرب بعدها أن يطلب مني الصديق كمال ممدوح حمدي مناقشة المجموعة في البرنامج الثاني بالإذاعة, فاستجبت بعد أن كنت قرأت المجموعة, ورأيت فيها إنجازا إبداعيا أصيلا, يحسب لكاتبها وأذكر أني أشدت بما في السرد من سلاسة وعفوية وقدرة علي التوصيل الذي لم تكن تنقصه الجرأة ولا الجسارة في التعرض لموضوعات مسكوت عنها, وأشدت علي وجه الخصوص بقصة طريق الكفار وما فيها من تميز وجرأة في معالجة ما خبره الكاتب نتيجة حياته وعمله لسنوات في المملكة السعودية ولم أكن أدرك في ذلك الوقت أن محمداوهو الاسم الذي تعودت أن أناديه بهسوف يتخذ من حياته في السعودية مصدرا يستمد منه روايات عديدة, حفرت لنفسها مكانا بالغ التميز فيما يمكن أن نطلق عليه روايات التغريبة المصرية الكبري, وهي الروايات التي تتحدث عن التجارب الإنسانية التي لا تخلو من قمع, والتي تصور أحوال المصريين الذين اضطرتهم الظروف الاقتصادية, متضافرة مع الفساد السياسي بلوازمه المعروفة, إلي العمل في منطقة الخليج بوجه عام والسعودية بوجه خاص.

وبالطبع كان لابد للمصدور أن ينفث وأن تصوغ الروايات مشاعر المهاجرين, بحثا عن الأمان الاقتصادي, إزاء أوضاع التمييز الحادة التي قابلوها, في الأقطار العربية النفطية التي ذهبوا إليها.

والحق أن هذه الروايات, روايات التغريبة العربية, تظل الأغلبية فيها للرواية المصرية, وأنها تشكل في ذاتها فضاء مغريا بالدراسة, بوصفه أحد فضاءات الرواية المصرية التي جمعت بين النقيضين الهجرة إلي الآخر, حيث التجربة المعرفية للحوار مع الحضارة الغربية المتقدمة, والهجرة إلي الأقطار النفطية, حيث الثراء غير المتوقع, والتجربة الاجتماعية التي لم تخل من القمع والتمييز في غير حالة, لكنها تجربة لا تزال مصدر ثراء للإبداع الروائي, وكنز لا ينفد لاكتشاف التجربة الإنسانية التي تظل دائما في حاجة إلي الكشف, بعيدا عن التمييز بين الهجرة أو المنفي الإجباري أو الاختياري لبلاد الغرب المتقدم والهجرة أو المنفي بنوعيه لبلاد النفط.

ولذلك لم يكن من الغريب أن تتـتابع روايات محمد عبد السلام العمري عن أوجه الحياة المختلفة, والتجارب المتعددة والمعقدة في علاقة بطل روائي متخيل مصري في الأغلب بالواقع المختلف في بلاد النفط, لكن مع الإلحاح الدائم علي إنطاق المسكوت عنه في علاقات هذا الواقع بتركيباته القبلية وتمايزاته الطائفية والتباين الهائل لتوزيع الثروة فيه, وما ينتج عن هذا التباين من تعقيدات في العلاقات الإنسانية, والتكوينات الثقافية, والأوضاع الاجتماعية

وقد أثارت جرأة محمد عبد السلام العمري عليه طائفتين الأولي المتزمتون دينيا الذين هاجموا قصته القصيرة صلاة الجمعة المنشورة في جريدة الأهرام التي نالت من الهجوم الكثير, وأحدثت دوامة دالة في فضاء الاستجابات القرائية وثانيتهما من المتسرعين في إطلاق الأحكام, والحكم بمجرد السماع وكان ذلك في حالة رواية الجميلات التي أراها أهم ما كتبه محمد عبد السلام العمري, وما سيظل علامة بارزة في تاريخ الرواية المصرية الحديثة والمعاصرة, وهي رواية أعدها بيضة ديك محمد عبد السلام العمري, ولكن الاتهامات التي أحاطت بها ملأت الأعين بالغبار, ولم تتح للنقاد فرصة القراءة الهادئة والمحايدة لهذا العمل المتميز الذي لا أزال أراه انجازا استثنائيا, جسورا في دفاعه عن المرأة العربية التي لا تزال تعاني القمع الذي يتفاوت بتفاوت الأقطار والثقافات والطبقات, ولكنه لا يزال قمعا قائما منتشرا من المحيط إلي الخليج, إلي درجة دفعت محمد العمري إلي كتابة ملحمة روائية, جسورة حتي في طرائق سردها, والتعدد المذهل لشخصياتها التي يؤكد حضورها الفاعل في فضاء الرواية, نوعا من الاحتجاج والرفض لكل ما تعانيه المرأة في مدينة المطلقات والعوانس التي تمتد من المحيط إلي الخليج, وتشمل كل فئات النساء, في عمل إبداعي يؤكد مكانة محمد عبد السلام العمري الذي لم نفه نحن النقاد حقه من التقدير الذي لا يزال جديرا به.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل