المحتوى الرئيسى

نظرة إلى التجريدية الغنائية

07/03 22:20

حين نظم الفنان الفرنسي جورج ماتيو المعرض الجماعي، "نحو التجريد الغنائي"، في غاليري "لوكسنبورغ" الباريسية عام ١٩٤٧، لم يكن يعلم أنه بذلك كان يؤسس لحركة فنية جديدة فرضت نفسها في الخمسينيات على الساحتين الباريسية والدولية وضمت فنانين فرنسيين وأجانب عاشوا ونشطوا في باريس وسجلوا في أعمالهم قطيعة جريئة مع القواعد التشكيلية التقليدية، خصوصا مع تيار التجريد الهندسي الذي كان قد فقد حيويته بعد أربعين عاما على وجوده.

حركةٌ جوهرية إذن خلال مرحلة مفصلية في تاريخ الفن الحديث، يمكننا اليوم تعرف قصتها وأبرز وجوهها في المعرض الذي افتتح حديثا في متحف الفنون الجميلة في مدينة كاركسون الفرنسية تحت عنوان "نظرة إلى التجريدية الغنائية" ويضم أعمالا لماتيو وجان ميشال أتلان وجان بازان وإميل برييان وأوليفيي دوبري وجان دوغوتِكس وموريس إستيف وسام فرنسيس وهانز هارتونغ وأندريه لانسكوي وسيرج بولياكوف وجوان ميتشِل وجان بول ريوبِل وجيرار شنيدير وبيار سولاج وجير فان فلد وماريا فييرا دا سيلفا وزا وو كي.

ومثل التعبيرية المجرّدة التي انطلقت في نيويورك في الفترة نفسها، أبرزت التجريدية الغنائية في باريس حركة الفنان الخلاقة والعلامات الناتجة عنها ودعت إلى العفوية في العمل ضمن لغة تشكيلية فريدة تميزت بأشكال وتعبيرات مختلفة لكن ضمن عودة إلى وسائل الرسم الجوهرية، أي الخط واللون، عودة بررتها حاجة عميقة إلى ما هو جوهري وغنائي، بعد أهوال الحرب العالمية الثانية.

من أعمال الفنان أندريه لانسكوي (الجزيرة نت)

حرية وارتجال
في لوحات الألماني هارتونغ مثلا -التي حققها بين عامي ١٩٣٥ و١٩٤٧- نشاهد بقعا لونية مقطعة بحرية كاملة وبارتجال يدعمه تحكم تقني كبير، كتابة مأساوية طوّرها هذا العملاق تدريجيا بإدخاله خطوطا مقوسة وأخرى سوداء ضوئية تعكس حدّةَ كبيرة وأبعادا مختلفة وتتجلّى فيها أشكال-علامات على خلفية موحدة.

وفي جميع أعمال هارتونغ، نلاحظ انتفاء أي مرجع إلى العالم الخارجي وأي تعبير مألوف كما نلاحظ تحكم الوحي الشعري بحركة يده. وكذلك الأمر مع شنيدير الذي شكلت الحركة والعلامة ركنَي لغته التشكيلية منذ الأربعينيات، لكنه رفض الآلية لصالح تعبيرية الأشكال المسقَطة ببُعدَين، بلا خلفية ولا تنضيد. وتكمن غنائيته في الحدّة الدراماتيكية الكامنة في تصاميمه اللونية.

الفنان سولاج، من جهته، ابتكر منذ نهاية الأربعينيات كتابة تشكيلية مفرداتها آثار بارزة تتحوّل إلى علامات تحت ضربات ريشته المكرَّرة التي تضفي أيضاً توترا وحركة متصاعدتين. واعتماد السرعة في إنجاز اللوحة كعنصرٍ مؤسّس للتعبيرية الغنائية، أدى إلى ابتكار علاقة جديدة للفنان مع لوحته وإلى انفراد كل فناني هذه الحركة بحركة خاصة، كحركة سولاج التي تعلق الزمن لدى إسقاط علاماتها أو حركة الكندي ريوبِل العفوية التي يهدف بواسطتها إلى نقل انطباعاته حول العالم الملموس بطريقةٍ آلية وغير شكلية، أو حركة ماتيو التي لم يفصلها عن فن التخطيط، فن العلامة بامتياز، بل حرّر هذه الأخيرة من مضمونها الدال الحرفي من منطلَق استباقها أصلا للمعنى.

المحدثون الأوائل
ومن الجمالية الغنائية لهذا الجيل الشاب سيتقرّب في نهاية الأربعينيات الجيل الذي سبقه في باريس، ونقصد الفنانين الذين حافظوا حتى ذلك الحين على روابط متينة مع المحدّثين الأُوائل (بيكاسو وماتيس وفرنان ليجي وبونار) قبل أن يفضّلوا التجريد الحار والملوّن على التصوير، مثل جان بازين وألفرد مانيسيي وجان لو موال وجان بيرتول، وجميعهم تدرّبوا على يد العملاق روجيه بيسيير ومارسوا فناً يتوق إلى التناغم الشامل انطلاقاً من إيقاعات وألوان تتحاور على المستوى التشكيلي والبصري والحسّي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل