المحتوى الرئيسى

المثقفون والحتمية الوهمية

07/03 20:31

اكتشفنا في هذه المرحلة من تاريخنا، أننا أمة تزخر بالمثقفين والمحللين والخبراء الإستراتيجيين. واكتشفنا أيضا أن فهم الثورات بسيط وعادي وأسهل من جدول الضرب. فأنت لا تحتاج إلاّ مشهدا واحدا كالمشهد المصري أو التونسي، كي تملأ نفسك باليقين والحتمية التاريخية.

تبدو المسألة مجرد رأي، تزينه شعارات ثورية، ومواقف لا تخلو من كونها شهادات حسن سلوك نضالي. ويتخذ الأمر شكل قراءة ظاهرة متعينة في الواقع الموضوعي، من دون أي محاولة لاستقصاء ما وراء الظاهرة، أو قراءة التفاعلات الأولية التي وقفت وراء نشوئها.

ولأننا لا نزال متلقين ومتأثرين أكثر من كوننا مرسلين وفاعلين ومؤثرين، فإنه ينطبق علينا ما قاله المفكر البريطاني "جون ر. سيرل" في كتابه "العقل" الصادر بالعربية عن دار المعرفة، وهو: "من أسوأ الأشياء التي يمكن القيام بها هو أن توحي للقراء أنهم يفهمون شيئا بينما في الواقع لا يفهمونه. وأنّ شيئا تم تفسيره، بينما في الواقع لم يُفسر. وأنّ مشكلة حُلت، بينما في الواقع لم تُحل".

لقد تمكنت الحركات الشعبية في جوهرها من خلق واقع جديد على امتداد مساحة العالم العربي، وهو واقع يقلّ فيه الخوف، ويرتفع منسوب النضال الثقافي والسياسي، القائم على شتم بعض الأنظمة القائمة، بوصفها ممثلة الاستبداد.

وهذا في حد ذاته أمر صحي إلى حد كبير. ولكن التساؤل المشروع هو: أين كنا جميعا قبل انفجار هذه الثورات؟ ولماذا كان المثقفون، "الغالبية منهم"، يستسلمون لهذه الأنظمة كالاستسلام للقدر الإغريقي؟ ولماذا لم يخطر في بال أحد منهم أن للشعوب المقهورة يومها وساعتها وقيامتها، إذا كان كل ما يحدث فعلا ثوريا حقا؟

ركائز الإيحاء
ما هو قائم اليوم هو هذه الحتمية التاريخية في انتصار الثورات العربية، وخصوصا بعد نجاح الحركتين التونسية والمصرية في إسقاط الرموز الكبرى. وهي حتمية انبنت على تلك الركائز التي تتضمنها حكما فقرة "سيرل"، وهي الركائز اللازمة للإيحاء.

وقد نجحت مراكز إعلامية غربية وعربية، ومراكز دراسات وأبحاث، بالإضافة إلى أشخاص منفردين، في الإيحاء بحتمية التغيير على الطريقتين المصرية والتونسية. وكانت لهذا النجاح أسباب عدة، أبرزها أن المثالين السابقين تحولا من نموذج متفرد إلى نمط. ومن أسهل القراءات في المسائل كلها هي القراءة التي تستلهم النمط، لأنها تتحول بالضرورة إلى قراءة نمطية.

والقراءة النمطية للأحداث والوقائع تنحّي النماذج المتفردة جانبا. وعلى سبيل المثال، فإن النظام المصري تهاوى بعد 18 يوما من صرخات ميدان التحرير ويومياته، بينما ظل النظام الليبي الأضعف سياسيا وعسكريا وبنيويا، صامدا رغم مرور قرابة ثلاثة أشهر على قصف الناتو.

أي أن القراءة النمطية تنطوي على رؤية نسق واحد، والبناء عليه. والخطورة في الأمر هي أن يتبنى المثقفون هذه القراءة، ويسوقونها بوصفها حتمية واقعة في كل مكان. إنها قراءة رغائبية في جوهرها، لأنها لا تريد قراءة أخرى قد تفسدها.

علينا أن نضع في الحسبان أن الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية، وإنما هي قائمة على مصالح آنية وإستراتيجية بعيدة. وعلينا أن ندرك أن الثورة ليست مجرد شهداء وصور تملأ الفضائيات، بل هي فعل منظم ومخطط له بدقة. وهي نتاج تراكم طويل من الخبرات النضالية والحركات الاحتجاجية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل