المحتوى الرئيسى

في زمن التحّولات السياسيّة.. إسرائيل تواجه زوالها بقلم:محمد أبو شريفه

07/03 15:26

محمد أبو شريفه

كشفت تقارير إسرائيلية في الآونة الأخيرة النقاب عن ازدياد حالة الرعب والقلق اللذين يعيشهما الداخل الإسرائيلي، والتراجع عن التمسك بفكرة الصهيونية ذاتها،.

وهذا التراجع الذي أصبح حقيقة ملموسة لدى الكثير من الصهاينة يلقى صدى في أوساط بعض المفكرين والاكاديميين الإسرائيليين، فقد بدؤوا يتحدثون عن وطن بلا مستقبل، أو أنهم خدعوا على حد تعبير أحد الشعراء الإسرائيليين في استقباله لأحد المهاجرين الجدد قائلاً له: «تعال واجلس على الخازوق مثلنا»، وخلص تقرير أعدته لجنة مشتركة من الكنيست ومجلس الوزراء الإسرائيلي في العام 2007 وحمل عنوان «الواقع في إسرائيل»، إلى النتيجة ذاتها، وهو أن الأمور لو سارت بالطريقة نفسها، فسوف ينهار الداخل الإسرائيلي خلال 20 عاماً. ‏

وما بين تصريحات قائدة المعارضة تسيبي ليفني بأن إسرائيل تواجه أسوأ أوضاعها منذ نشوئها بسبب ما يجري في العالم العربي من تحولات وما بين تحذيرات يواف غالانت جنرال الحرب في جيش الاحتلال بأن «الثورات في الشرق الأوسط لن تفيد إسرائيل، وأنه لا يتوقع مستقبلاً أفضل لها على المدى القريب والمتوسط» أشارت التقارير إلى أن 30% من الإسرائيليين لديهم رغبة أكيدة في مغادرة إسرائيل، وأن 13% من الأسر الإسرائيلية ترفض الإنجاب، وأن معدل المواليد انخفض بنسبة 5.2%.. وتقول الأسر الرافضة للإنجاب على الرغم من توافر المقومات الشخصية والاقتصادية لذلك، إنها لا تريد إنجاب أطفال ليموتوا، إضافة لحالات الهروب من الجيش ورفض الخدمة في الأراضي المحتلة، وتدني حالة الشعور بالانتماء لدى الجيل الجديد الذي يعبر عن رغبته في العيش بأمان، كما أن هناك شعوراً بعدم الأمان يسيطر على الإسرائيليين، يعري المشروع الصهيوني ويكشف مدى زيفه. ‏

وإذا كان الغرب قد أراد أن يتخلص من المشكلة اليهودية بإنشاء إسرائيل، وتسخيرها عسكرياً كرأس حربة في قلب الوطن العربي، فإنه أيضاً كان يعي جيداً أن المنطقة عصية على الكسر ولن تقبل بترسيخ وتثبيت كيان مصطنع ومرفوض جملة وتفصيلاً، فمهما كانت القوة العسكرية الإسرائيلية، ومهما كانت قوة الدعم الأميركية والغربية للكيان الصهيوني، ومهما كانت وسائل الترهيب، فلن تنجح في القضاء على المقاومة العربية، ومهما كانت قوة الظلم والافتراء والتضليل وغسيل المخ، وقوة الإغراءات والمخططات لإقناع الشعوب بقبول التعايش السلمي مع إسرائيل أو التخلي عن ثقافة وهوية المنطقة فإن ذلك لن ينجح بل هو أحد المستحيلات، لأن فلسطين ليست بقعة خالية من السكان، ولا خالية من الثقافة، بل هي عميقة وكثيفة حضارياً وبشرياً، بل ربما هي الأعم والأكثف في العالم، وهكذا، فإن زوال إسرائيل حتمية تاريخية حضارية، قد ينجح الضغط في تثبيت مؤقت لذلك الكيان، وقد يتورط حاكم أو مجموعة بشرية أو دولة أو حتى جيل بأكمله في التعايش المستحيل مع إسرائيل، ولكن هذا ضد منطق الحقيقة ولن يستمر طويلاً. ‏

هذه الحقيقة بدأت تدركها إسرائيل، ومنذ بدايات وجودها على أرض فلسطين، وذلك بفضل المقاومة وفعلها الحقيقي، حيث امتلكت المفتاح الصحيح، وهذا سلاح لا يمكن القضاء عليه.. لقد تمت عمليات فدائية في جميع أنحاء فلسطين المحتلة، في القدس والضفة والجليل، ويافا وعكا وغزة والخليل، وضد مستوطنات محكمة الحراسة وضد مستوطنين مسلحين، وضد جيش الاحتلال المدجج بالسلاح، تمت هذه العمليات في جميع الأحوال والأوقات، وهذا يعني أن كل العدة والعتاد الإسرائيلي من أجهزة استخبارات وتحصينات وتقنيات الأقمار الاصطناعية، ووسائل التكنولوجيا الحديثة والقديمة لم تكن حائلاً دون استمرار هذه المقاومة، لا إمكانات جيش العدو ولا الجيش الأميركي ولا الضغوط الدولية ولا الهجوم الإعلامي المزيف والمستمر على تلك المقاومة ووصفها بالإرهابية، ولا محاولات إرهاب الشعب الفلسطيني وترويعه، ولا الاغتيالات ونسف البيوت ولا الحصار الأمني، حالت دون استمرار تلك المقاومة ونجاحها، والقيمة الوجدانية الكبرى لتلك المقاومة، ليست في مدى ما تحدثه آنياً من خسائر في صفوف العدو، بل فيما تبثه من رعب في نفوس الصهاينة وعقلهم الجمعي، وما تحدثه تالياً من خلل في الداخل الإسرائيلي، بل بما تحققه من خلل وإرباك لفكرة الصهيونية ذاتها، ولا شك في أن الممارسات الإسرائيلية والأميركية في المنطقة تدفع الشعوب إلى إدراك أن المقاومة هي ضرورة حياتية، وطريق لا عودة عنه، وإلا فالموت والخنوع وفقدان الكرامة، وبذلك أصبحت فلسطين أقل الأماكن في العالم أماناً بالنسبة لليهود، وهذا ينسف فكرة الصهيونية من جذورها. ‏

لقد نجح الغرب في إقناع اليهود بأن فلسطين ستكون مكاناً آمناً لهم، فهي منطقة سوف تقبل بهم بالقهر والإغراء، وهي أيضاً ترجمة للتفسير المحرف للتوراة أو التلمود، ولكن جاءت حقائق التاريخ والجغرافيا والثقافة والمقاومة نقيض ذلك، فالشعب الفلسطيني موجود، متمسك بأرضه ولن يفرط بها، ومن الحقائق المؤلمة للكيان الصهيوني أيضاً انحسار وظيفته الاستراتيجية بالنسبة للغرب الذي بدأ بمراجعة كبيرة لسياساته الاستعمارية. ‏

هذه المقاومة تؤكد أن فكرة الوطن الآمن لا أساس لها من الصحة، وأن على يهود إسرائيل أن يعيشوا في خوف وهلع دائمين، واستنفار وقتال مستمر وهذا لم يكن في حسبان الحركة الصهيونية وفاق كل توقعاتها، وهنا تكمن حتمية المقاومة التي وجهت ضربة قوية إلى فكرة المشروع الصهيوني، وأفقدته توازنه، حيث انحسر المشروع الصهيوني في ثقافة الجيش الذي لا يقهر إبان الانتفاضات الفلسطينية في العام 1987 والـ 2000. ‏

وما حدث في لبنان أيضاً نسف هذه الفكرة المركزية، وبهذا المعنى، أعادت المقاومة الاعتبار لفكرة المجتمع المقاوم الحر، عندما دحرت قوات الاحتلال إلى خلف الحدود اللبنانية في أيار من العام 2000 وعندما هزم في عدوان تموز في العام 2006، فلم يخطر في بال أحد أن هذا التاريخ سيشكل بداية لتراجع القوة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، وأن هذا الانتصار الذي حققته المقاومة سوف يكون بداية لحقبة جديدة، تؤرخ لصعود العوامل الايجابية لمصلحة المقاومة والعرب، في صراعهم الطويل مع عدو مدعوم بقوى عالمية كبرى. ‏

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل