المحتوى الرئيسى

عائلة الأستاذ سيد

07/03 08:06

كان الأستاذ «سيد» يشكو دائماً من الوحدة، ويعتقد أن أقسى شىء فى العالم أن تكون وحدك. فبمجرد أن يغادر العمل كان يعلم أنه - على الأرجح - لن يتحدث مطلقاً حتى صباح اليوم التالى. كان قد سئم حتى النخاع معيشته بمفرده. ومما زاد فى كربه ومعاناته أنه نشأ أصلاً فى أسرة كبيرة العدد. كانت أمه تنجب كما تنجب الأرانب، ثم تتركهم للطبيعة وتنشغل بإرضاع الوليد التالى. وكان أبوه يتمتع بهدوء أعصاب عجيب يجعله يتحمل كل هذا الضجيج، ويرتشف الشاى فى استمتاع فى الشرفة الضيقة المُطلّة على الحارة.

يذكر أنه كان فى الماضى يتمنى الوحدة. يتمنى أن يدخل الحمام فى الوقت الذى يناسبه، ويجلس المدة التى يريدها دون أن تضطره جوقة الأصوات بالخارج إلى الخروج قبل قضاء حاجته. لذلك تعمد عند انتهاء دراسته الثانوية الالتحاق بكلية خارج مدينته. وكان أول ما سعى إليه بعد تخرجه هو استئجار شقة منفردة. صحيح أنها كانت فى الدور الخامس وتتكون من غرفتين فقط، ولكنها بهدوئها وفراغها كانت أجمل شىء فى العالم.

لم يكن شغوفاً بالزواج ولا دفعه إليه أحد، ثم دارت الأرض دورتها وتعاقبت الأعوام وبدأت وحدته تثقل عليه بالتدريج. فكّر فى الزواج إلا أنه كان مصاباً بآفة التردد، ثم ساء وضعه الاقتصادى مع ارتفاع الأسعار وثبات الأجور مثل معظم طبقات الشعب الكادح، واستيقظ فى فزع ذات صباح ليجد أنه قد تجاوز الأربعين دون بارقة أمل فى تكوين أسرة. وبدت له الوحدة مثل حكم بالسجن المؤبد لا استئناف فيه فتزايد ضيقه وهلعه. أطبقت الجدران على روحه، وأطبقت ضلوعه على قلبه، حتى هواء البيت كان مسجوناً مثله، وهجره النوم وهاجمه الأرق حتى أمسى على شفا الجنون.

..........

وفجأة ذات ليلة مؤرّقة، سمع أصواتاً صاخبة فى الصالة. كان راقداً مفتوح العينين على سريره المبعثر الذى تجعدت ملاءته من فرط التقلّب. منذ الوهلة الأولى استبعد أن يكون الدخيل لصاً يُحدث ضجيجاً بمثل هذه الوفرة. ثم إن هناك أصوات أطفال مألوفة له، مازال يذكرها من الماضى البعيد!

هبط من فراشه حافياً، منكوش الشعر، يرتدى منامة ذات أزرار مخلوعة، وبالفعل وجد ما كان يتوقع رؤيته. استدار الزمان بهيئته وعاد الماضى طازجاً بالصوت والصورة. كان أشقاؤه الصغار يتشاجرون على برتقالة رفعها لأعلى أطولهم قامة! وقد شبّ طفلان على أطراف أصابعهما محاولين الوصول إليها، بينما راح أخوه الصغير يبكى فى صوت رتيب، فى حين كانت أمه منهمكة فى إرضاع طفلها الأخير الذى عزف عن ثدى أمه وراح ينظر نحو مصدر الصوت فى فضول.

لم يحاول الأستاذ سيد أن يبحث عن تفسير! بالعكس أحس أنه فى أفضل عالم ممكن. وبدت أصوات البكاء فى أذنيه كالسيمفونية. راح يدور فى أنحاء البيت متجنباً الصدام مع الأجساد الكثيرة، باحثاً عن أبيه الذى تبين أنه كان جالساً فى الشرفة يشرب الشاى فى انسجام شديد.

aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل