المحتوى الرئيسى

صمت الخاسرين

07/03 08:06

كثر الرغى وغابت الحقيقة..

راجت بضاعة هواة الوقوف أمام الميكروفونات وكاميرات التليفزيونات، طالت الأيدى العابثة وامتلكت ما يكفى لنهش أكباد الضعفاء مكسورى الجناح، ساكنى الغرف التى لا ترى الشمس، بدت الوحوش الكاسرة فى أوج قوتها بعدما تراجعت خطوة واحدة، وكأنها كانت تستعد للقنص وافتراس كل من خرج للرعى أو شم النسيم العليل، أو الالتفاف بأشعة شمس هاربة من حواريهم الضيقة، ارتفعت رايات الاستسلام ودخل الناس فى سباق قاتل لنصب راية من ملايين الرايات، فى حديقة يستأجرها الغرباء، مات فيها من لم يجد راية فرفع أصبعين نيابة عن استسلامه، هنا حيث اللافتات العالية مكتوب عليها: أنتم محاصرون، الموت أمامكم، الموت خلفكم، وتحت أقدامنا حياة فيها زرع وماء، فكونوا معنا هنا حيث المقاهى تسهر على استحياء وتغلق أبوابها مبكراً، وإن تأخرت قليلاً، ربما تنهال الهراوات على رؤوس الفارين من جحيم الوقت، والمضطجعين على أرائك نخرها السوس، ترتعش، كلما طالت قعدتهم البطالة، إنهم هاربون من نظرات الحسرة والمرارة التى تسكن عيون آبائهم وأمهاتهم الذين انتظروا طويلاً أن تزور الفرحة بيوتهم على أيدى الفاتحين بعد صبر طويل لم يأت بالفرج، بل حمل خيبة كبيرة وزاد من الخوف على أيام تنذر بعواصف رعدية، هؤلاء لم يجدوا فرصة لينعموا بدخان المقاهى، وثرثرات الذين ضاقت بهم الطرقات، وحلت عليهم لعنات لا يعرفون مصدرها، ولا سببها، هؤلاء باتوا على رصيف الانتظار.

 وربما حين تهوى الصفعات والركلات على أجسادهم لن يقاوموا علهم ينجون من الجلد والسحق والسحل وماء النار، وتجريدهم من بقية حياء وكرامة، لأن منهم من سها عن إطالة لحيته هذا الصباح، هنا لا نوم فى المراحيض، وغير مسموح برعشة تحت أغطية رثة، هنا لا يحق لك أن تسأل: دماء من تلك التى لطخت أقدام عابرى الشارع المكتظ بحملة الأرغفة الساخنة؟ كم رصاصة تكفى لقتل الحقيقة؟ كم من القتلى يروون ظمأ القتلة؟ كم جثة يستدفئ الفرقاء على حرقها؟ هل الموت لغة الحياة؟ وهل الرصاص حروف فى أبجدية الوطن؟ منذ متى يزرع الفلاح أرضه، ويحصد اليابس فقط، لأن الأخضر احترق وحده؟

عليك أن تستمع للمنظّرين السخفاء الذين منحوا أنفسهم رتبة «خبير»، وأن تحفظ هرطقاتهم ونظرياتهم العاقرة الشبيهة بقوالب الطين التى لا تخرج سوى كتلة جامدة ومحددة الملامح، هؤلاء الذين أسكنوا عقولهم أبراجاً عالية لا يصل إليها أحد حتى لو تعلّم التسلق مثلهم، ألقوا على عقولنا المتعبة عباراتهم الفوقية التى تغرقنا فى الحيرة وتوقعنا فى الطوفان، وتجعل رقدتنا تطول. يزيدون من غليل المجروحين، النازفة قلوبهم، الضائعة أحلامهم، المبعثرة كرامتهم أمام إصرارهم على التمسك بأهداب الحياة.

تيبّست الألسنة فى الحلوق، فلا أحد ينطق، ولا أحد يحدّث بما يرى، ولا ألم يسرى فى الأجساد الهائمة، ولا بكاء حسرة أو ندم، ولا رعشة خوف، كأن كل الرؤوس حط عليها الطير وعشش، أو كأننا فى متحف شمع، والفارق الوحيد أن البشر هناك لا يتحركون، وهنا يمشون بلا إرادة، يستمعون كالصم، ويلتفتون إلى الغامض والبعيد، وينتظرون المجهول، إن سألت لا تسمع إجابة، وإن صرخت لا تلمسك يد ولا تنظر إليك عين، وإن سقطت على الأرض يدوسوك بأقدامهم دون أن يغيروا طريقهم، أو يسمعوا ألمك، وإن مشيت فى ركبهم فأنت الخاسر وحدك، وإن صمتَّ فلنفسك.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل