المحتوى الرئيسى

الفرق بين التظاهر والبلطجة

07/02 08:18

سهرت حتى فجر الأربعاء الماضى أتابع على شاشة التليفزيون الأحداث التى بدأت مساء الثلاثاء الماضى، باقتحام مسرح البالون، وتطورت بسرعة إلى مواجهات بين قوات الشرطة وفريق من المتظاهرين، وشملت تبادلاً لإطلاق الغازات المسيلة للدموع والخرطوش من جانب، وزجاجات المولوتوف والحجارة واستخدام السنج والمطاوى والنبابيت من الجانب الآخر، محاولاً أن أفهم سبب ما يجرى وطبيعته، فلم أفهم شيئاً بسبب تضارب تقارير مراسلى القنوات التليفزيونية، الذين كانوا يتابعون الحدث، ونقص وتشوش أقوال شهود العيان الذين لم يشهدوا سوى أجزاء محدودة منه.

وحاولت فى اليومين التاليين أن أستنير بتقارير وآراء الذين زحموا الصحف والشاشات يحللون ما جرى، فازداد الأمر غموضاً وتشوشاً بسبب اختلافهم فى تفسيره، بين الذين اعتبروه مؤامرة لتصفية الثورة والاعتداء على أهالى الشهداء ومصادرة حق التظاهر والاعتصام، وأطلقوا عليه وصف «معركة الجمل رقم 2»، والذين قالوا إنه عمل لا صلة له بالثورة، ولا بالثوار، قام به فريق من البلطجية، ولا هدف منه إلا تشويه الثورة، وتنفير الجماهير منها باعتبارها عملاً لم يترتب عليه سوى الفوضى ووقف الحال، ووضع الطرفان فأس المسؤولية عن ذلك فى عنق فلول - وأزلام - النظام السابق، وربطوا بينه وبين صدور حكم محكمة القضاء الإدارى بحل المجالس المحلية.

وما حدث، طبقاً لما يمكن استخلاصه، هو أن جمعية خيرية بمنطقة عين شمس اسمها «الوعد الحق» قررت أن تكرم عشراً من أسر شهداء المنطقة، فدعتهم إلى حفل استأجرت له إحدى قاعات مسرح البالون يضم فقرات فنية، ويشمل توزيعاً لهدايا من الأجهزة الكهربائية المنزلية، كالثلاجات والغسالات والتليفزيونات.. وقبل الحفل بساعات احتل فريق من المواطنين جانباً من مقاعد القاعة، وأخطر أحد أولاد الحلال فريقاً من أسر الشهداء كانوا يعتصمون منذ أيام أمام مبنى التليفزيون، للمطالبة بصرف مستحقاتهم بالأمر، فاتجه بعضهم إلى المسرح وتظاهروا أمامه، وهتف قسم منهم: «لا تكريم قبل الثأر من قتلة الشهداء»، وطالب آخرون بدخول المسرح ليكرَّموا كغيرهم، وحاولوا اقتحامه،

فجرت بينهم وبين المكلفين بتأمينه معركة تدخلت الشرطة لفضها، وقبضت على عدد منهم، وطار الخبر عبر رسائل الموبايل والـ«فيس بوك» و«تويتر» ليقول إن الشرطة قبضت على «أمهات» الشهداء، فتوجهت مظاهرة إلى وزارة الداخلية تحاول اقتحام مقرها الرئيسى، فردت عليها الداخلية بقنابل الدخان، وخلال وقت قصير توافد كثيرون من النشطاء السياسيين وأعضاء ائتلافات الثورة، بعضهم للتضامن مع المتظاهرين، وبعضهم لمحاولة تهدئة الموقف، وتعرض الساعون للتهدئة - وعلى رأسهم الداعية صفوت حجازى - لمحاولات الاعتداء عليهم بالضرب، وتقدمت مصفحات الداخلية نحو الميدان، وظهرت زجاجات المولوتوف والسنج والنبابيت فيه!

ولأن تلك ليست أول حادثة من هذا النوع فإن ما يدهشنى هو أن كل الأطراف، بما فى ذلك البيانات الرسمية، تشير إلى أن وراءها تحريضاً من فلول النظام السابق، يحركون هؤلاء البلطجية من أزلامه، ومع ذلك فإن قوات الشرطة وأنصار الثورة لا تعنى بالقبض على أى «فل» أو «زلم» من هؤلاء متلبساً بالتحريض أو التخريب وتقديمه للمحاكمة حتى يرتدع هؤلاء ويكفوا عن مؤامراتهم، مع أن كاميرات التليفزيون والموبايل والصور التى تنشرها الصحف تتضمن صوراً لمعظمهم، ومع أن لكثيرين منهم سجلات جنائية لدى وزارة الداخلية باعتبارهم من المسجلين خطر!

ما يدهشنى أكثر أن الثوار لا يكفون عن اتهام وزارة الداخلية بالتواطؤ مع هؤلاء البلطجية لأنها تتركهم يخربون ويرهبون ويتآمرون ضد الثورة، مع أن لديها سجلات كاملة بأسمائهم، وفى الوقت نفسه يعترضون على تطبيق قانون الطوارئ عليهم واعتقالهم إدارياً، وهو ما لا أوافق عليه، ومع ذلك فقد آن الأوان لكى نحسم المسألة ونختار بين أمرين: أن نقبل باستخدام قانون الطوارئ ضد هؤلاء.. أو أن نتمسك بالقانون العادى الذى يصعب مهمة الشرطة - فى أحوالها الراهنة- فى التصدى لهم.

أما الحل الموفق السعيد فهو أن نسعى على الفور لإعداد قانون جديد للاجتماعات العامة والمظاهرات، يضمن حق التظاهر والاجتماع السلمى لكل المصريين، وينظم ممارسته طبقاً للمعايير الدولية، بحيث لا يضر بمصالح الآخرين، ولا بالمصالح العامة، وبذلك نضع خطاً فاصلاً بين الحق فى التظاهر السلمى.. والحق فى البلطجة، سواء مارستها الشرطة.. أو مارسها فريق من المسجلين خطر!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل