المحتوى الرئيسى

روعة القرآن «6»

07/02 08:18

ما زلنا مع كتاب «التصوير الفنى فى القرآن»، نحاول الوصول إلى التذوق العميق لروعة آيات القرآن الكريم.

هناك تناسق عجيب فى أجزاء الصور الفنية فى القرآن الكريم. انظر إليه وهو يستخدم اللمسات العريضة فى التصوير: «أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ».. فهذه ريشة تجمع بين السماء والأرض، والجبال والجمال، فى مشهد واحد مستمد من الطبيعة والحياة، ملحوظة فيه الضخامة والأجزاء الموزعة بين الاتجاه الأفقى فى السماء المرفوعة والأرض المبسوطة، والاتجاه الرأسى فى الجبال المنصوبة والإبل صاعدة السنام.

وقد تتسع الرقعة فى الزمان والمكان، والحاضر والغيب، ما بين الساعة بعيدة المدى والغيث بعيد المصدر، وما فى الأرحام الخافى عن العيان، والرزق المُغيّب فى المجهول، وموضع الموت الذى لا يدرى أحد مكانه، لكنها تجمع كل أطرافها عند نقطة الغيب المجهول: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

                                  ■ ■ ■

وهناك دقة بالغة فى استخدام الألفاظ، مثلا، لقد وصف القرآن الأرض قبل نزول المطر بأنها هامدة «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ»، ووصفها مرة أخرى بأنها خاشعة «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ».

 وقد يظن البعض أنه مجرد تنويع فى اللفظ، لكن بتأمل سياق السورتين، ما قبلهما وما بعدهما، نكتشف التالى: وصفها بأنها (هامدة) حين كان السياق جو بعث وخَلْق، فناسبه وصف الأرض بأنها (هامدة) ثم تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، هكذا: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا، وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ».

أما وصفها بـ(خاشعة) فلأن سياق الآيات جو عبادة وخشوع ناسبه تصوير الأرض بأنها خاشعة: «وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْيِى الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ»، ثم لا يزيد على الاهتزاز والإرباء الإنبات والإخراج كما زاد هناك، لأنه لا محل لهما فى جو العبادة والسجود.

aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل