المحتوى الرئيسى

عمر حاذق يكتب: إحنا آسفين يا مجلس

07/01 11:46

أرسل لي صديقي (بيجاد ديب) هذه الحكاية العجيبة الأليمة بعد زيارته لوالد الشهيد أمير مجدي بقرية أبو عوالي بمركز أشمون – المنوفية، والذي اغتالته رصاصات القناصة يوم موقعة الجمل، فحكى له والد الشهيد أنه بعد قرار رفع اسم مبارك من المؤسسات والميادين، كان يحلم هو ووالدة أمير أن يُطلق اسمه على مدرسة مبارك الابتدائية بالقرية، فقام أصدقاء أمير بجمع300 توقيع من أهالي القرية مسيحيين ومسلمين، للموافقة على تسمية المدرسة باسم الشهيد أمير مجدي تكريما له، وقاموا بتقديم طلب للإدارة التعليمية، لكنهم فوجئوا باختفاء الأوراق نهائيا منها، فقرر والد أمير أن يذهب بنفسه للمستشار أشرف هلال محافظ المنوفية ليقدم له الطلب شخصيا فاستقبله في مكتبه استقبالا حافلا ووعده بأنه سيكرم أمير، ووافق على طلب تسمية المدرسة باسمه ووعده بمتابعة الإجراءات بنفسه، وقام اللواء ياسين طه سكرتير المحافظ بالتقاط الصور للمحافظ مع أسرة الشهيد، ورفعت فيما بعد في الملتقى الأدبي ليفخر المحافظ بأنه قابل أسرة الشهيد ووعدهم بتكريم ابنهم. كما أعطاهم صورا ضوئية لشهادة المحكمة بأن أمير من شهداء الثورة، وكذلك شهادة وفاته حتى لا يدع مجالا للشك؛ فماذا حدث؟

عند متابعة أسرة الشهيد لسير الطلب علموا بوصوله لأستاذة بسيونية وكيلة الوزارة بالإدارة التعليمية بشبين الكوم، فاستقبلتهم استقبالا حافلا ووعدتهم بتنفيذ مطلبهم. ولكن كانت هناك أيد خفية لرجال الحزب الوطني المنحل تحاول عرقلة الأمر، حتى أن بعضهم ادعى أن تسمية المدرسة بهذا الاسم ستثير الفتنة بين المسلمين والمسيحيين بالقرية، لأن أمير كان من شباب الإخوان، ومنهم أيضا من قال إن أمير كان بلطجيا ومدمن مخدرات وذلك سبب موته فلا يصح تسمية مدرسة باسم بلطجي، وانتهى الأمر بتغيير الاسم لمدرسة أبو عوالي الابتدائية.

إلى هنا انتهت حكاية الشهيد البطل وأسرته المكلومة التي صدقت أن الثورة نجحت وحققت أقل شروطها وهو تكريم الشهداء. طلب مني صديقي بيجاد مساعدته في نشر القصة لمساعدة أهل الشهيد، ولذا أنشرها، لكنني في الحقيقة لم أستطع منع نفسي من التفكير فيها منذ الأمس، وليمكنني استيعابها قررتُ وضعها داخل سياقها العام في حياتنا منذ احتفلنا ظنا بأننا أنجزنا ثورتنا. فبعد تنحي مبارك يوم الجمعة 11 فبراير بدأتُ أفكر بقلق: ما الذي سيفعله المجلس العسكري بثورتنا؟ فالثورة علمتْني أن أخاف عليها لأن أعداءها أقوى وأصلب مما نظن دائما، وهم يدركون أنه ليس أمامهم إلا محاربة الثورة والالتفاف عليها بأي وسيلة. لذا لا بد أن نقاتل من أجلها قتالا (سلميا) لا يكل ولا يمل. وحين كنت أسأل أصدقائي عن مصير الثورة كانوا يجيبون باطمئنان وثقة بأن المجلس هو من حمى الثورة، وحتما سيستكمل مطالبها، فكنت أقول لهم إنني خائف على الثورة لأن الجيش لم يطلق النار على المتظاهرين لأنه أمر مستحيل ومحكوم بالفشل مسبقا، ولأن المشير طنطاوي كان وزير مبارك كما كان العادلي وزيره وكما كان سرور رئيس مجلس شعبه، وبحسب ما تقرره أوليات السياسة والخبرة الإنسانية: لا يمكن لأي كيان متماسك أن تقوده جماعة غير منسجمة أو غير متفقة كليا على مبادئه وقواعد لعبه. فإذا نزلت من قمة قيادته إلى أسفلها أصبح هناك احتمال لوجود قيادات أدنى مختلفة بطبيعتها عن القيادات العليا التي تمثل أركان هذا الكيان أو النظام. وكلما كان النظام أقوى كان التماسك والانسجام أقوى بين قيادته العليا في قمته والدنيا في قاعه. بهذا المعنى يمكن أن نفسر وجود ضباط شرطة أو عساكر شرفاء داخل أي نظام فاسد، لكننا لا نجد في النظام نفسه وزيرا شريفا ولا مدير أمن يتورع عن قتل متظاهرين مسالمين.

من هذا المنطلق كنت أخاف من المجلس العسكري لأنه جزء من القيادة العليا المنسجمة مع سائر أركان النظام، وإلا لماذا احتفظ مبارك بالمشير طنطاوي وزيرا للدفاع منذ عام 1991؟ وهي فترة من أطول فترات استمرار وزير دفاع في منصبه ضمن نظام مبارك الذي ظل متماسكا منسجم الأركان منذ ثلاثين سنة، لم تصبه إلا هزة عنيفة واحدة بسبب غلطة فادحة من النظام حين اختار الوزير الأسبق أحمد رشدي ضمن قيادته العليا، بينما أخلاق الرجل ونسقه القيمي مناقض تماما للمبادئ الأولى لنظام مبارك الذي لفَظَ الرجل كأنه عضو غريب في جسده.

وبسرعة، في يوم السبت 12 فبراير، قرأتُ أن المجلس أقر حكومة شفيق لتسيير الأعمال، وبدأ قلقي يتزايد، فقد قامت الثورة لتسقط النظام، وبديهي أن أهم ركائز أي نظام هي وزارته ودستوره ومجلس شعبه وشوراه. ثم في الساعة الثانية من ظهر يوم الأحد 13 فبراير عرفت من المواقع الإخبارية أن الشرطة العسكرية حاولت إخلاء الميدان لكن ألفي ثائر تقريبا رفضوا إخلاءه حتى تحقيق المطالب فاشتبكت معهم الشرطة العسكرية وأرسل الثوار نداء استغاثة فحضرت آلاف أخرى من زملائهم، ولذا أصدر المجلس العسكري في الرابعة عصرا بيانا بحل مجلسي الشعب والشورى وتعطيل الدستور. كنت لحظتها في مكتبي بالعمل، ولاحظت أن زميلا وصديقا لي فرح كثيرا وقال إن المجلس العسكري يثبت الآن أنه يسير على خطى الثورة، لكن هذا بالتحديد ما أزعجني: أن المجلي لا يسير على خظى الثورة إلا مضطرا وتحت ضغط من الميدان، ولذلك لم يصدر البيان إلا بعد إصرار الثوار على البقاء في التحرير لتحقيق المطالب؛ وتلك هي المسألة. وعلى نفس المنوال استقال شفيق قبيل مليونية إسقاطه، وأحيل مبارك للمحاكمة قبيل مليونية محاكمته أيضا.

هل أحتاج الآن لذكر أمثلة كثيرة أخرى نعرفها جميعا؟ لكن المشكلة أكبر مما ظننتُ لأن كثيرا من هذه القرارات الاضطرارية ثبت عقمها أو عدم جديتها مثل محاكمة مبارك وسوزانه وزبانيته من قتلة المتظاهرين الذين تمت ترقية بعضهم أثناء التحقيق معهم. أذكر مثلا أنني صُعقت بقرار نقل محمد علي إبراهيم مدير أمن الإسكندرية المسئول عن قتل شهدائها ليصبح مدير أمن بورسعيد، يا إلهي!! هل يتصور المجلس العسكري أننا سنصدق هذه القرارات؟ وهل يمكن أن تصدرها قيادة تحمي الثورة أم قيادة تجهضها؟

لا أريد الاستطراد بذكر وقائع وقرارات يعرفها الجميع، لكنني أسأل نفسي: أين القرارات الثورية الحقيقية التي اتخذها المجلس أو أجهزته دون أن تتضمن تغيير السيئ بأسوأ؟ كأن يختار الدكتور عصام سالم محافظا للإسكندرية، بعد أن توقعنا أن يختار لنا شابا ناضجا ذا عقلية متفتحة وروح وثابة ناضرة، والدكتور عصام سالم ببساطة رجل ذو سجل ناصع الهباب: شارك في تزوير انتخابات 2005، وأدخل الأمن لقمع طلاب جامعة الإسكندرية، وحين تظاهرنا ضد تعيينه محافظا لم يسمع لنا المجلس. با إخواننا هذا الرجل شارف على الثمانين سنة، فهل ثورتنا ثورة شباب أم ثورة معاشات؟ ثم يجدد المجلس ثقته في الدكتور إسماعيل سراج الدين مديرا لمكتبة الإسكندرية التي تحقق نيابة الأموال العامة في 65 مخالفة مالية وإدارية بها. أما أن يصل الأمر لقمع المتظاهرين يومي 28 و29 يونية بهذه الطريقة فهذه صفعة على وجوهنا توقظنا من حلمنا الجميل على الحقيقة العارية بكامل بشاعتها.

إنني أتساءل: هل كان مبارك أذكى منا جميعا حين قرر يوم الخميس 10 فبراير أن يتنازل عن سلطاته لنائبه فنرفض بإصرار ليقرر التنازل عنها للمجلس العسكري؟! لا أدري لكنني أدري جيدا أن ثورتنا مستمرة حتى نحقق مطالب ثورتنا، لأن شباب مصر كما قال أدمن صفحة كلنا خالد سعيد: كان بيعمل ثورة مش بيلعب بلاي استاشن.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل