المحتوى الرئيسى

إلى وزارة المياه .. هل السدود بديل عن تحلية المياه؟

07/01 10:07

سعيد بن على العضاضي

يعد الماء من نعم الله العظام، فهو سر الحياة ومنبع بهجتها، به تحيا الأرض، وينمو الزرع، ويدر الضرع. وعندما نرى الماء فإنها تَسر نفوسنا، وتبتهج أرواحنا، ونظن أننا قد خلقنا خلقا جديدا. ولا يستطيع كائن حي أن يستغني عن الماء، وقد ذُكر الماء في كتاب الله.

وتسعى الدول منذ القدم إلى جلب الماء وتوفيره للناس لأنها تدرك أن نقص المياه يجعلها مهددة في وجودها، وحبيسة بين حدودها، وذليلة لغيرها، وهينة على أعدائها. ولا تخلو الحروب قديمها وحديثها من استخدم الماء كسلاح أو التلويح به، فأول ما يفكر فيه القادة العسكريون عند ولوجهم الحروب توفير المياه لجيوشهم وقطعها عن أعدائهم. وقد خاضت كثير من الأمم السابقة الحروب من أجل المياه لأنها تعلم أنها إن تمكنت من مصادر المياه فقد ضمنت معيشتها ونموها واستقرارها، ويمكن للدول أن تفقد أي شيء وكل شيء إلا الماء.

ومن حسن حظنا ورحمة الله بنا أن هذه الحقيقة لم تغب يوما من الأيام على مخططي التنمية في بلادنا. فقد أدركوا أن مصادر المياه في جزيرة العرب محدودة، وكمياتها قليلة، والحاجة إليها كبيرة، ولن تقوم حياة أو تنمية من دون الماء، فقامت بمشروعات ضخمة لجلب المياه، وهذا بحق إنجاز حضاري لم يسبقنا إليه أحد، وهي نعمة نحدث بها، وراية نرفها، ومجد نفاخر بها.

فها هي السدود تحجز المياه في أطرف المدن ومنعطفات الوديان، وملتقى الجبال، وتجاوز عددها - حسب علمي - أكثر من 200 سد تتسع لما ما يقارب 100 مليون متر مكعب. أما تحلية مياه البحر فالحديث عنها يطول، ذلك المشروع والإنجاز الحضاري العملاق الذي يغذي بالمياه أغلبية المناطق والمدن والقرى حتى أصبحت بلادنا أكبر دول في العالم تستثمر في تحلية مياه البحر تنتج ما يقارب من 160 مليون جالون من مياه التحلية يوميا، وهذا يعد أكثر من ثلث إنتاج العالم من مياه البحر المحلاة. وتصل المياه إلى المنازل والدور والقصور بأثمان زهيدة حتى أصبح المواطن يتساءل وهو في قلب الصحراء، أو في قفر أجدب، أو قمة جبل أحدب كيف له أن يشرب مياها عذبة سائغا شرابها في الوقت الذي يُحبس فيه القطر من السماء لسنين عددا؟

ورغم كل هذه الإنجازات الحضارية في توفير المياه إلا أن وزارة المياه والكهرباء تلوح هذه الأيام بالتوقف عن استكمال شبكة تحلية المياه للمرحلة الثالثة في بعض المناطق، ولاحظنا ذلك بالفعل على أرض الواقع فلم نعد نلاحظ ذلك الحماس المتقد بحجة أن هناك عددا كافيا من السدود تكفي لتوفير المياه ولم يعد هناك ما يبرر إكمال مشروع التحلية. ونحن نقول إن هناك بالفعل عددا من السدود في أماكن متفرق وقد أدت مهمتها في حقبة زمنية ماضية إلا أن مياه تحلية البحار لا تقارن ألبتة بمياه السدود. فشبكة التحلية تأتي مباشرة من البحر دون أن تكون عرضة لتهديد أو تلوث أو تخريب، بينما مياه السدود مصدر فرعي، وغير دائم، وغير آمن، هدفه محدود في تغذية بعض الاحتياجات الزراعية والرعوية البسيطة ولا يمكن أن يعتمد عليه كمصدر استراتيجي للمياه، فالسدود روافد فرعية تسد النقص الذي قد يحدث لمياه التحلية في حالات استثنائية كالصيانة والتوقف المفاجئ فتخلط مياه السدود مع مياه التحلية لتسد العجز خلال الأزمات. أما أن تكون المصدر الرئيس للمياه فهذا اعتقاد خاطئ يجب ألا تقتنع به وزارة المياه.

إضافة إلى أن السدود تعتمد على مياه الأمطار، والأمطار في بلادنا قليلة وفي بعض المناطق نادرة، وقد يحبس المطر لعقود وإن أتى فبكميات محدودة، بينما التحلية لا علاقة لها بمياه الأمطار وتتم معالجتها بطرق علمية وتحت إشراف أيد أمينة ومدربة وواعية. كما يمكن حماية محطات التحلية خلال الأزمات من العبث والتخريب ومن الصعوبة الوصول إلى أنابيبها. لذا يجب أن نعلم أن مصدر المياه الرئيس لبلادنا الصحراوية شحيحة الأمطار هو التحلية وليس غير التحلية وما عداها فمصادر ضعيفة لا تفي ولا تكفي.

نتمنى من المسؤولين في وزارة المياه والكهرباء المضي قدما في استكمال مشروع التحلية والاستثمار فيه بقوة حتى نكون في مأمن من أي شح في المياه قد يتربص بنا أو أن نكون تحت تهديد قد يغتال نهضتنا وتكون مفخرة لنا أمام العالم، فالتحلية ليست مصدرا حيويا للمياه فحسب، بل مشروع استراتيجي ومفخرة وطنية عملاقة، وأنا على يقين أن وزير المياه والكهرباء لديه من الحكمة والألمعية ما تمكنه من أن يمضى قدما في استكمال المشروع وعدم السماح للمثبطين، خصوصا أنه قد خُصص لإنجاز المرحلة الثالثة ميزانية ضخمة ولم يتبق سوى التنفيذ، وسيحسب هذا لوزارة المياه، فقد قرُب العِقد أن يكتمل، ومن بدأ المكارم فليتمها، وأي شيء أهم من الماء، ومن ذا الذي تتاح له الفرصة لامتلاكه فيتقاعس!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل