المحتوى الرئيسى

الغريم

07/01 08:05

بمجرد أن شاهده صعدت العصارة الحارقة إلى صدره وشعر بالغثيان. هبط عليه الحزن كما يهبط الليل فجأة.

وراح ينظر إليه فى مقت وذهول. ها هو «الشبراوى» يُبعث من جديد.

يخرج من رحم الماضى بعد أن ظن أنه لن يراه أبداً، جالساً على مائدة غير بعيدة منه، ولكن منفرداً بنفسه، يرنو إلى الأفق البعيد فى جمود. ترى لماذا يرتدى النظارة السوداء رغم أن الشمس مالت للغروب؟

 راح يحدّجه بنظرات كارهة.

 آه لو كانت النظرات تقتل!

 إذن لصار العالم أنظف، ولتحقّق العدل المفقود. العدل!

هل يوجد فى هذه الدنيا عدل؟!

من المدهش أنه عاش سبعين عاماً يؤمن بالمثل العليا ويحاول أن يعلمها لأولاده، ويبثها فيمن حوله، واليوم فى ختام العمر صار إلى السخط أقرب، ولولا سعادته بأحفاده لصارت حياته عبئاً لا يُطاق!

■ ■ ■

ترى هل أنت سعيد يا شبراوى؟!

 ها هو ذا يعود إلى الأسئلة الساذجة! من المؤكد أنه سعيد. يتمنى أن ينتقل إلى مائدته ويعترف بين يديه بأنه كان مُصيباً وكل اختياراته سليمة، أما هو فمجرد أحمق توهم أن الدنيا تكافئ العفيف! ولكن هل يذكره أصلا؟!

 هل يذكر زميله الشريف فى المصلحة الحكومية الذى كان يصر على تطبيق اللوائح رغم الصلاحيات الواسعة التى كانت فى يده، صلاحيات كانت تمكنه من أن يصبح مليونيراً بالمال الحرام.

 آه، لكن الأحمق ظل يركب الحافلة، ويدخن السيجارة السوبر، ويعطى محاضرات فارغة عن معنى الشرف، ويؤثر الفقر النبيل على الغنى الملوث! فيما كان الشبراوى يُفسد ويزور ويرتشى، ويراكم ثروته بسرعة الصاروخ!

■ ■ ■

أقبل أحد أحفاده يسأله عن شىء ما، فأجابه وهو ذاهل لا يدرى ماذا سأله وبم أجابه. ضحك الولد فى وجهه وانطلق يجرى وضحكته الفضية تسبقه. آه كم يحب أحفاده وكم يحبونه! يحب هتافهم العذب حين يشاهدونه مُقبلاً عليهم: «جدو جه.. جدو جه». يحب أصابعهم الصغيرة وأقدامهم الصغيرة وقلبهم الكبير.

اعتدل فى جلسته وعاد يتأمل الشبراوى فى فضول. ها هو ذا يجلس على المائدة جلسة سيد!

جلسة من اعتاد التردد على هذه الأماكن، لا يدقق فى ثمن الطعام ولا يراجع الفاتورة، وإنما يخرج النقود فى بساطة وفوقها بقشيش كبير. وبالطبع ينحنى له النادل أدباً وسروراً.

 لا يضطر مثله إلى أن يقتر على نفسه ويدخر من معاشه كى يستطيع أن يصحب أحفاده مرة فى الشهر إلى هذا المطعم الشهير!

كانا يعملان فى نفس المصلحة الحكومية على مكتبين متجاورين، فأين الخطأ بالضبط؟

أحدهما أصبح مليونيراً والثانى يتجرع المهانة والفقر فى أصعب أوقاته، وشمس حياته تأذن بالغروب!

■ ■ ■

قلب كفيه فى يأس. بالفعل صعبٌ أن يفهم. هى أشياء عسيرة على التفسير. المفروض ألا يُهان فى خريف العمر. المفروض أن يقولوا له: «شكراً.. كنت موظفاً شريفاً، وأفدت بلدك طول عمرك، وأهديت وطنك أولاداً صالحين». ليس عدلاً أن تتدهور أحواله، وأحوال الملايين من أمثاله فى خريف العمر قبيل الغروب!

ورغم أنه يتكلف السرور إكراماً لأحفاده، فإن عينيه تعكسان خيبة أمل لا شك فيها، وتنطقان بحزنه الدفين. ومهما حاول أن يبتسم فالصدر مزدحم بالهموم!

والندم حية سامة تنهش القلب كلما رأى الحقيقة العارية، والفقر الذى ينطق به أثاث البيت، والعسر الذى يدبر به هذه النزهة الشهرية لأحفاده فى هذا المطعم الشهير. ماتت زوجته، وخلا البيت من أبنائه، وصار هو والذكريات وجهاً لوجه. ولولا زياراته لأبنائه، على مشقة الانتقال إليهم، واللهو المنطلق مع أحفاده، على قلة هداياه لهم، لأصبحت حياته لا تُطاق.

■ ■ ■

الشبراوى لايزال جالساً على مقعده. استقال فى الوقت المناسب واقتحم مجال الأعمال بخبرة لص قديم. كانت أخباره تصل إليهم وكلما سمعوا عن ثرائه الفاحش ضربوا كفاً بكف وتحسروا على حظوظهم، باستثنائه هو. لم تكن تهتز منه شعره حين يسمع أخباره، بل كان يحتقره فى الصميم. فلماذا تغيرت مشاعره الآن وصار يشعر بالحسد؟

شىء تغير فيه!

شىء تغير فى الحياة بأسرها! صارت قاسية وشريرة. هو عاجز عن أن يستوعب كيف تدهورت أحوال الطبقة الوسطى فى ذلك الزمن القصير!

ولكن هل هو قصير حقاً، أم تجمد إحساسه بالزمن عند أيامه الحلوة، حينما كان فى عنفوان الرجولة!

 كانت زوجته هناك، تهبه السعادة مع أنفاسها، تستقبله بابتسامة صادقة فى الذهاب والإياب!

تنطق عيناها بالفخر بزوجها الموظف الكبير. كانت الدنيا حلوة، والأسعار رخيصة، والقناعة حاضرة والسعادة موجودة، وكان منوطاً به قرارات كبرى، لكنه لم يفكر يوماً فى استغلال وظيفته، أو يميل به الهوى، أو يعمل حساباً للمستقبل. هذه أشياء لم تخطر له وقتها ببال.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل