المحتوى الرئيسى

الأمن القومى الاقتصادى

07/01 08:05

شيرين عبدالرؤوف القاضى

ابتذل النظام السياسى السابق مصطلح «الأمن القومى» إلى حد أدى إلى تفريغه من معناه ومضمونه، وأساء هذا النظام إدارته إلى حد أدى إلى فقدان أهدافه ومصداقيته عبر السنوات الماضية.

ومع بداية عهد جديد لوطننا، فإننا لم نكن أحوج مما نحن فيه الآن إلى فهم كامل معمق وموثق لمفهوم الأمن القومى الاقتصادى الحديث.

فلقد نضجت مفاهيم الدول للأمن القومى، وأصبحت ترتكز على القوة الوطنية، التى منها تستمد الدول قوتها الاقتصادية. والقاعدة التى لابد أن نعيها هى أنه ما إن امتلكت أى دولة القوة الاقتصادية فقد استطاعت تلقائياً أن تمتلك القوة السياسية والعسكرية، فحتى تصل أى دولة إلى مستوى أن تكون قوة اقتصادية يصبح هدفها الأول والرئيسى لأمنها القومى هو الحفاظ على أمنها القومى الاقتصادى.

وكيف يتحقق ذلك لمصر؟ وكيف نحافظ على قوتنا الاقتصادية؟ ومن يراقب الأمن القومى الاقتصادى؟ وقبل أن أقترح إجابات لهذه الأسئلة فنحن نحتاج لفهم كامل لخصائص «قوتنا الوطنية» بهدف تحديد «شخصية مصر الاقتصادية»، ومن ثم «استراتيجياتنا الاقتصادية» التى منها نتعرف على عناصر الأمن القومى الاقتصادى.

إن خصائص القوة الوطنية لمصر هى - بالتحديد - مجموع جميع الموارد المتاحة لدينا سواء كانت طبيعية، جغرافية، بشرية، حيوانية، سمكية، مائية (نيلية وجوفية)، ساحلية، معدنية، زراعية، صحراوية أم تاريخية من آثار مادية، ثقافية، علمية، أم تكنولوجية وموارد الطاقة بجميع أنواعها (بترول، غاز، شمسية، رياحية والطاقة المتجددة والبديلة)، ومن هنا يستطيع القارئ أن يدرك تماماً إمكانيات مصر وغناها بكل هذه الخصائص السالف ذكرها. إذن مصر قوة وطنية.

وتباعاً، وبعد تعرفنا على خصائص قوتنا الوطنية، نستطيع أن نحدد شخصية مصر الاقتصادية، وهى، باختصار، مقومات اقتصاد شامل وكامل على معظم القطاعات الرئيسية، أهمها: الزراعة بجميع مركبات محاصيلها الغذائية للاكتفاء الذاتى، والتجارية للتصدير، وكذلك الصناعة بكل أنواعها ابتداءً من فرز وتعبئة إلى الصناعات الثقيلة، ثم الصناعات الكيماوية والهندسية والتعدين، ثم الطاقة بجميع أنواعها، والإنتاج السمكى والداجنى والحيوانى، والتشييد والبناء، ثم البحث العلمى والابتكار والإنتاج الحربى، ولا ننسى القطاع الملاحى وصناعة السفن، والتكنولوجيا، والطاقة النووية، والسياحة، ويظلل كل هذا ويعظمه الإبداع الثقافى، وما خفى كان أعظم قد نكتشفه بالعلم فى المستقبل.

وبناءً عليه، فإن ملامح استراتيجيتنا الاقتصادية - بلا جدال - هى أن ننهض مرة أخرى، كما صنفنا العالم أجمع كقوة اقتصادية إقليمية متوسطة الحجم، دولة لا تفرض عليها إملاءات خارجية تهدد أمنها. فمصر تنتمى إلى قارتى أفريقية وآسيا، وعلى المستوى الإقليمى نيلية وبحر متوسطية، وعلى محور التاريخ والثقافة فرعونية، بحر متوسطية وعربية. فإذا ارتكزنا على الحقيقة الأبدية، أن مصر دولة أمنها خارج حدودها السياسية، فإننا لا بد ان نكون قوة اقتصادية إقليمياً.

ولكن لكى نظفر بوضع القوة الإقليمية فلابد أن نزدهر داخلياً، ونحافظ على النمو. ولكى يظل ازدهارنا مستمرا فلابد أن نعود مرة أخرى إلى التخطيط الاقتصادى، بل يتحتم علينا، من الآن فصاعد، أن نراعى تخطيط الأقاليم من ريف ومدن ونحن نخطط قومياً لاقتصادنا، فالعدالة هى استثمار الثروات التى تتميز بها أقاليم مصر والنهوض بها، فلن تزدهر مصر دون رفع مستوى الريف. كما ظلمنا أنفسنا بتجاهل جنوب الصعيد، وإقليم مطروح والصحراء الغربية (التى قال الدكتور رشدى السعيد إن فيها مستقبل مصر)، وكذلك إقليم السويس، وأخيراً سيناء.

فسيناء صندوق من ذهب وليست مجرد رمال، سيناء عمق استراتيجى، ولكى نحافظ عليها استراتيجياً واقتصادياً علينا أن نستغل كل ما تزخر به من ثروات. أما على الصعيد الخارجى فنحتاج أن نضع لأنفسنا استراتيجية للتعاون الإقليمى على ثلاثة محاور أولها: اتحاد إقليمى مع دول حوض النيل على أن تقود مصر إدارة موارد النيل من دول المنبع إلى دول المصب، ونقل خبرتنا الزراعية والتعليمية ومشروعات الطاقة مقابل استغلال أراض زراعية لصالحنا والنهوض بزراعة الحبوب والغذاء، فبتلك الاستراتيجية والتعاون يمكن أن نحصل على رقعة زراعية ضعف مساحتنا الزراعية داخل مصر، بل يمكن أن تكون لنا ريادة فى صناعة الأخشاب إذا تعاونا اقتصادياً وتجارياً مع بلد مثل الكونغو حيث الغابات الوافرة.

ثانيها: تعاون اقتصادى وتجارى مع دول شمال أفريقيا، لنكون بوابة التصدير إلى دول شمال الأبيض المتوسط. ثالثها: المحور الآسيوى الشرقى، وبالتحديد التعاون العربى والشرق أوسطى فى جميع المجالات، بل يجب أن نضع نصب أعيننا أن دول الخليج على أتم استعداد لزيادة استثماراتها أضعافاً مضاعفة عما تم ضخه من قبل.

كما علينا أن نخطط إلى أبعد، ونمد أذرعنا إلى أمريكا اللاتينية والصين، فلن نستطيع وقف نزيف بضائع الصين وتأثيرها على الإنتاج المحلى إلا بتشجيعها على الاستثمار فى بلدنا مع وضع قيود على صادراتهم لنا من بضائع رخيصة ورديئة. كما علينا أن نتطور علمياً وتكنولوجياً إلى أبعد مدى، ونمتلك أحدث أنواع الأقمار الصناعية ونستخدمها لنحلل ونراقب كل شبر فى مصر بما لذلك من أثر بالغ الأهمية فى البحث العلمى.

وإذا انتقلنا إلى (التساؤل الثـانى) وهو: كيف نحافظ على قوتنا الاقتصادية؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل