المحتوى الرئيسى

الفكتوريون الانكليز والعلم (القسم الثاني) بقلم:عادل صالح الزبيدي

06/30 22:37

الفكتوريون الانكليز والعلم (القسم الثاني)

عادل صالح الزبيدي

تناولنا في القسم الأول من هذه الدراسة موقف الشاعر الفكتوري مما شهده عصره من تطور غير مسبوق في العلم وتطبيقاته التكنولوجية، نتج عنه أن علاقة الشاعر بالعلم شهدت هي الأخرى تحولاً كبيرا واتخذت اتجاهاً جديداً لتضع الشاعر في موقف جديد تماماً. فإلى جانب علوم قديمة ومعروفة كعلم الفلك وعلم النبات والفيزياء، ظهرت في العصر الفكتوري علوم ومعارف ونظريات جديدة ذات تأثير كبير مثل علم الأرض وعلم الأحياء وغيرها من العلوم، لعل أهمها وأبعدها تأثيرا النظرية الدارونية، والى جانب النظرة الميكانيكية إلى العالم والتي تركت أثرها على مدى قرنين من الزمان، ظهر ذلك الكائن الميكانيكي الذي يجسد هذه النظرة تجسيدا حيا، ألا وهو الآلة. وناقشنا في القسم الأول أبرز وأهم شعراء العصر الفكتوري الانكليز وأكثرهم تمثيلا لموضوعنا وهو الشاعر ألفرد لورد تنيسون. وسوف نتناول في القسم الثاني من الدراسة شعراء فكتوريين آخرين في سياق موضوعنا الحالي لنناقش علاقتهم بعلوم ونظريات عصرهم ومواقفهم تجاه ما تمخضت عنه تلك العلوم والنظريات من مشكلات فكرية وأخلاقية وروحية.

كانت القضايا الفكرية والأخلاقية والروحية التي شغلت بال أكبر شعراء العصر الفكتوري، الفرد لورد تنيسون، الموضوعة الرئيسة عند ثاني أكبر شعراء العصر، روبرت براوننغ(1812-1889). ولكن في الوقت الذي كان تنيسون ينظر إلى هذه القضايا في إطارها الاجتماعي الواسع، كان براوننغ يتعامل معها في إطار أثرها السيكولوجي والدرامي في الفكر والسلوك البشريين، ليس بوصفها مصدرا للصراع بين مجموعة من الشخصيات ولكن بوصفها ذات تأثير في مصائر الأفراد كلا على حدة، أي الفرد بوصفه كيانا روحيا. على الرغم من أن نظريات العصر العلمية لم تشكل مصدر قلق بالنسبة لبراوننغ بقدر ما كانت تشكل لتنيسون – فقد كان أقل اهتماما بالعلم وأقل توظيفا له في شعره من الأخير—إلا انه كان يمتلك إجابة عن معضلة العصر الفكتوري يقدمها على شكل "زواج سعيد" بين المعرفة والمحبة، بين القلب والعقل، وبالتالي بين العلم والدين. من هنا تتأتى تفاؤليته وإيمانه بأن الروح تتقدم في مسيرتها عبر اللاكمال في الحياة الدنيا نحو تحقيق الكمال لإمكانات البشر في الحياة الآخرة. فهذه الحياة تقدم أجزاء غير مكتملة ومتناهية، بينما تقدم الحياة الأخرى كلا متكاملا ولامتناهيا ومطلقا. يناقش الناقد دوغلاس بوش هذه التوافقية المتفائلة لدى براوننغ والتي يسميها ((التطورية الروحية)) قائلا بأن ((مفهوم المعرفة والمحبة يتجاوز الهيمنة العلمية على ما هو متناه؛ انه مبني على أساس الخضوع إلى المحبة الإلهية التي تهبط من أجل أن تنتشل الإنسان الضعيف المتناهي وترتفع به.))

تقدم قصيدة براوننغ المعنونة ((باراتشلسيس)) (1835) تعبيرا دراميا لهذا المفهوم. يكرس باراتشلسيس، شخصية رجل العلم الرئيسة في القصيدة، حياته من أجل تحقيق هدف واحد لا غير وهو التطلع إلى تحقيق المعرفة من خلال "الاستسلام الكلي" لنبض هذه المعرفة و"إبعاد كل نبض سواه." إلا إن رؤياه العلمية محددة بحدود شأنها شأن رؤيا أبريل، الشخصية الرئيسة الثانية في القصيدة، شخصية الشاعر المثالي الباحث عن المحبة، ذلك لأن كل واحد منهما يسعى لتحقيق جانب واحد ويستثني الآخر. إلا إن الحال المثلى بالنسبة للشاعر براوننغ، كما يدرك باراتشلسيس وهو في نزعه الأخير، هي أن يتحقق لدى الإنسان نوع سام من كل من المعرفة والمحبة معا، وان رب القدرة والمحبة "يسكن كل شيء/ بالنسبة للإنسان" الذي يتطلب تطوره ورقيه كلا الطموحين معا. إن دعوة باراتشلسيس الأخيرة لأبريل هي:

لا تمت يا أبريل! علينا أن لا نفترق....

...........................................

حتى تعرف أنت المحب، وأنا العارف

أحب – حتى يجد كلانا الخلاص.

(الفصل الثاني، الأبيات 633و 636-637)

وهكذا استطاع براوننغ أن يحل معضلة الشك وإرادة الإيمان الناتجة عنها، وهي المعضلة التي كثيرا ما أقلقت الفكتوريين، وذلك من خلال إيجاده دينا للحب، وهو مزيج غريب من الحب المسيحي المادي الافلاطوني.

خلافا لباراتشلسيس بطل قصيدة الشاعر براوننغ، فان امبيدوكليز بطل قصيدة الشاعر ماثيو آرنولد(1822-1888) المعنونة ((امبيدوكليز على جبل أدنا))(1852)، وهو الآخر مفكر ذو منحى علمي، لا يجد ملاذا لا في العلم ولا في الدين. فعلى الرغم من إدراكه، شأنه شان باراتشلسيس، لحقيقة تكامل الطبيعة البشرية بقطبيها المتناقضين، إلا انه لا يستطيع التوفيق بين هذين القطبين، فيظهر الصراع بينهما معبرا عن موقف كل من البطل ومبتدعه كما تؤكد أغلب قصائد آرنولد فضلا عن هذه القصيدة. ففي قصائد مثل ((مقاطع من دير غراند شارتروز)) و((الغجري العالم)) و((شاطيء دوفر)) يعبر آرنولد عن عزلته الفكرية وشكه وانسحابه من عالم يسيطر عليه التطور الميكانيكي وانحسار قوة الإيمان فضلا عن تصارع وتصادم النظريات فيه، كما يقول في خاتمة قصيدته((شاطيء دوفر)):

ونحنُ هنا وكأنـّا في قفرٍ مظلم

فيه اختلطَ الحابلُ بالنابلِ لكتائبَ في كرٍّ أو فرّ

حيثُ جيوشُ الجهلِ تتصادمُ في جُنح الليل.

كان القلق الروحي الذي سببته ما انطوت عليه تلك النظريات المتصارعة من احتمالات، وخصوصا تلك المتعلقة بالعلوم الجيولوجية والبيولوجية الصفة المميزة للاتجاه الشعري الرئيس في العصر الفكتوري، وهي حاضرة في الكثير من قصائد العصر حتى وان كانت لا تشير إلى العلم بشكل مباشر كما في قصيدة آرنولد آنفة الذكر.

يعد الشاعر جورج ميريدث(1828-1909) الشاعر الفكتوري الأبرز بين الشعراء الذين سعوا من أجل التوفيق بين معطيات العلم الجديد والمبادئ الأخلاقية والدينية. فقد كان يهدف في أغلب قصائده التي تنحو منحى فكريا وفلسفيا إلى تقبل النظرية التطورية وتكييفها تكييفا يجعلها جزءا من منظومة أخلاقية حديثة. ففي قصيدتيه المعنونتين ((غابات وسترمين)) و ((الأرض والإنسان)) يقدم ميريدث تفسيره الخاص للنظرية التطورية ليبني عليه معتقدا شخصيا ينطوي على نوع من الاتحاد بين العقل والجسد. فعالم الطبيعة الذي تمثله غابات وسترمين في القصيدة الأولى ينظر إليه بوصفه مكانا ينبغي على الإنسان أن "يدخله"، أي أن يتقبل فكرة أن الحياة كلها بدأت في الأرض وان الإنسان ليس خلقا منفصلا عنها. أنها مكان يتكون الإنسان من العناصر الموجودة فيه:

كل من كل في ميلاد متتابع

دم ودماغ وروح، ثلاثة

(تقول أعمق مخلوقات الأرض الخرافية)

يشتركون في بهجة حقيقية.

يكمن موقف ميريدث الايجابي هذا في محاولته، وهي محاولة لم يقم بها إلا القلة من الفكتوريين، مواجهة تبعات النظرية التطورية على الجنس البشري. أما في قصيدة ((الأرض والإنسان))، فان الشاعر يعرض على الإنسان راحة وخلاصا من وحشية هذه النظرية. فبدلا من أن ينكر الإنسان أصوله البيولوجية ويتهرب من حيوانيته التي أعادته إليها النظرية التطورية—وهو هروب إلى الدين كما يعتقد ميريدث—فان عليه أن يكون راضيا بموقعه في الطبيعة ويعترف بحتمية وصرامة القوانين التي تعمل وفقها الطبيعة:

إنها تذري، تذري بقوة عاصفة؛ تغربل،

لتـُغطس من تختار في ينبوعها:

الصراع هو القوة الحيوية

التي يـُقتنى منها العقلُ، أثمن هباتها.

يتناول الناقد بونامي دوبريه ما يدعوه بـ"النزعة العلمية" في الشعر الفكتوري ويشير إلى جورج مريديث بوصفه الشاعر الوحيد بين الشعراء الفكتوريين الذي "استوعب النظرية التطورية استيعابا فكريا وتركها تمارس تأثيرها عليه حتى أصبحت جزءا من حدسه. ليس شعر ميريدث شعرا علميا ولكنه تحويل للقانون الكوني الذي اكتشفه العلم إلى قانون كوني من نوع ما يمكن أن يكون أداة تحفيز للشاعر...لغرض تطوير الطريقة لتصبح غرضا...للإجابة عن سؤال غير السؤال الذي يثيره العلم." وبذلك يكون ميريدث مختلفا عن أقرانه من الشعراء الفكتوريين الذين تجاهل بعضهم النظرية التطورية واكتفى بعض بمجرد الاطلاع عليها وأبدى البعض الآخر ارتيابه بها.

أما القضية المهمة الأخرى التي شغلت بال الشاعر الفكتوري فهي الثورة التكنولوجية التي أصبحت تهيمن لأول مرة في التاريخ على الحياة الفكرية في انجلترة وأحدثت تغييرات جذرية في المناخ الفكري والعاطفي الذي كان الشاعر الفكتوري يتحرك فيه. فلم تكن الآلة شيئا جديدا كليا فحسب ولكنها أيضا جلبت معها مشاهد جديدة وطبيعة جديدة، سواء غـُيـّرت أو أُفسدت، وأخيرا وقبل كل شيء جلبت معها معضلات اجتماعية وفكرية وروحية جديدة. لقد أصبحت الآلة بالنسبة للشاعر الفكتوري صورة جديدة وتجربة جديدة ورمزا جديدا.

يرى روبرت أل سوسمان في دراسته الرائدة ((الفكتوريون والآلة)) أن الفكتوريين لم يجدوا نمط التفكير الميكانيكي في منهجية العلم التجريدية الحتمية وفي النظرية الفلسفية الناتجة عنه فحسب بل وجدوها أيضا متمظهرة في تكنولوجيا الآلة التي بدأت تهيمن على حياتهم اليومية. لقد أصبحت الآلة مؤثرا ماديا ملموسا ورمزا فلسفيا في آن واحد. وفي تناوله لتوظيف الآلة توظيفا فنيا معقدا كرمز في الشعر الفكتوري، يعتقد سوسمان أن الفكتوريين كان لهم أفكار متناقضة حول الموضوع، فيقول في هذا المجال ما يأتي: "إن الآلة هي الخادم الحديدي الذي لا يكلّ وهي الإله الذي تقدم البشرية روحها أضحية له."

من بين الاختراعات التكنولوجية العديدة التي تظهر في الشعر الفكتوري بوصفها رموزا، تعد كل من القاطرة والماكنة البخارية أكثرها شيوعا ذلك لأن الشعراء الذين تناولوهما ربطوا بينهما وبين مفهوم التقدم. سبقت الإشارة في القسم الأول من هذه الدراسة إلى المقطع الخاص "بأخاديد التغيير" في قصيدة ((لوكسلي هول)) للشاعر لورد تنيسون والى قصائد أخرى في هذا السياق، إلا أن الشاعر تشارلز تنيسون تيرنر(1808-1889)، وهو شقيق الشاعر السابق، أكثر وضوحا في تعبيره عن هذه الموضوعة. ففي قصيدة له بعنوان ((الدرّاسة البخارية))، يصف تيرنر هذه الماكنة ويقارنها بأدوات زراعية من العصر الروماني يصفها الشاعر فيرجيل في ملحمته ((الانيادة))، وينتهي معبرا عن دهشته من الاختراع الجديد:

أ فهل تنبأ راء من العصور القديمة

بهذه الماكنة الجبارة، التي نشاهدها يوميا

تتقبل حصادنا كله، كأنها إله ؟

إلا ان ثمة اتجاها معارضا، ولعله الاتجاه الأكثر تمثيلا للعصر، كان يجد في الآلة شيئا قبيحا ومدمرا ومناقضا للطبيعة فضلا عن كونه خطرا على النفس البشرية، مما جعل أغلب الفكتوريين ينظرون إليها بوصفها سببا ورمزا لتدهور وانحطاط عصرهم روحيا وشعوريا. وأفضل من يمثل هذا الاتجاه هم أصحاب حركة ما قبل الروفائيليين الذين وقفوا بشدة ضد الآثار المدمرة للتكنولوجيا على مجتمعهم الذي شعروا بانعزالهم وغربتهم عنه مما جعلهم يلجأون إلى العصور الوسطى لما تمثله بالنسبة لهم من بساطة وجمال طبيعي. يعبر الشاعر وليام موريس (1834-1896) عن ارتيابه التام بحضارة الآلة المبنية على التكنولوجيا. فقد كتب في مقال له في مجلة ((جاستس)) نشر عام وفاته ما يأتي: "بغض النظر عن رغبتي في إنتاج الأشياء الجميلة، فان هم حياتي الرئيس هو رفض الحضارة الحديثة." وفي قصيدته ((الفردوس الأرضي)) يخلق موريس عالما مثاليا مبنيا على الفن والإبداع كما يتخيلهما ويتخيل وجودهما في العصور الوسطى، ثم يضعه بمقابل العالم القاتم والقبيح للحضارة الحديثة. في "مقدمة" القصيدة يعرض موريس الشعر بوصفه وسيلة لاستحضار جمال اختفى من العالم الميكانيكي:

انسوا ستة قرون غارقة بالدخان

انسوا البخار المطلقَ الشخير وضربة المكبس

انسوا المدينة البشعة الآخذة بالاتساع

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل