المحتوى الرئيسى

القدس وفلسطين في لوحات المستشرقين بقلم :عبد الحميد أبو النصر*

06/30 22:28

مع اختلاف الكتاب والنقاد في تعريف المستشرقين إلا أن هناك عامل ثابت وهو تأثر الغرب بالحضارات الشرقية مما دفعهم للتعرف عليها عن قرب ، ومزج قصص وحكايات الشرق بلوحاتهم وفنهم العريق ، رغم عمليات التشويه والمحاولات الفاشلة في إظهارها كحضارة غير قابلة للتطور والتجدد بل تعكس الرجعية والسلبية ، إلا أنها أخذت المساحة الأكبر لدى المستشرقين وتجلى ذلك في رحلات الاستكشاف المسيَّرة نحو الشرق . ولن أخوض في مؤلفات المستشرقين واختلاف آراءهم المتأثرة بصراع الشرق والغرب ، بل سأُبحر في لوحاتهم ونظرتهم العامة ولفلسطين خاصة من خلال رسوماتهم التي عبرت عن تأثرهم بهذه الحضارة . واستطيع القول أن بداية الشغف الحقيقي بفلسطين وتطلع الرسامين المستشرقين لها كان في العهد العثماني وخاصة في اواخر القرن السادس عشر وبلغ أوجه في القرن الثامن عشر وصولا إلى القرن التاسع عشر ليترك أجمل اللوحات الزيتية والمائية لفلسطين كأنها صور فوتوغرافية في عصر ما قبل النهضة ، لتكون مخطوطات يستدل بها في رؤية الغرب لفلسطين . وحقيقة لا اخفي بعض التزوير التاريخي وهو متوقع في ظل انتشار سياسة الامبريالية والأطماع الدائمة في فلسطين والشرق وحالة الجدل الدائرة بين العرب والغرب وحرب إثبات الوجود ومحاولة تجير بعض اللوحات الفنية لتحقيق ثبوت تاريخي لم يستطيعوا إثباته على الأرض ، إلا أن هذه اللوحات فضحت رساميها من شدة انبهارهم بحضارتنا وجعلتهم رغم انتماءهم الغربي أن يوقعوا هذا الرسم التاريخي لمنطقة عربية إسلامية عثمانية آنذاك ، وكانت لوحاتهم بمثابة الآثار الحديثة التي لم تكتشف وتخضع لدراسة وتحليل مبدعيها حتى الآن . فقد وقَّع الرسام روبرتس ديفيد أجمل لوحاته خلال رحلته إلى الشرق التي بدأت عام 1838 شملت مصر وفلسطين ( الأراضي المقدسة ) وسوريا وشكلت أجمل اللوحات بتناغم الريشة مع إحساس الرسام بروعة المكان وعبق التاريخ ، فخلق منه وجه آخر وأخرج منه أجمل الإبداعات ، ولكن الصورة الوردية لم تكتمل حين وقع ديفيد على إحدى لوحاته للسور الغربي للقدس عبارة ( سور الهيكل ) في محاولة يائسة لإثبات ما لم تثبته الآثار المكتشفة حتى يومنا هذا ، كما رسم باورنفنيد غوستاف الألماني 1848 ـ 1904 أجمل لوحاته المقدسية ،خلال زيارة لبيروت ويافا والقدس وتمثلت بلوحة زيتية على الخشب كأنها صورة فوتوغرافية مأخوذة من احد أبواب القدس ، تصور مدخل خشبي بزخرفه الإسلامية يفتح أبوابه على قبة الصخرة بلونها الفضي آنذاك وفسيفساءها الأزرق الأبيض وبلاطها الرخامي وحجارة مقدسية تدل على عتق المكان ، ويظهر فيها شيوخ بالزي العثماني يتسامرون الحديث ويتكئون على عكاكيز الزمن ، إلا أن الرسم وُثِق بجملة مدخل هيكل سليمان في القدس رغم عدم وجود أي شيء في اللوحة يدل على الهيكل سوى هذه الجملة التي بتأكيد لن تغير واقع التاريخ لكن درجة تأثره بفلسطين جعلته يقيم عام 1989 في القدس حتى موته لتأسره إلى الأبد . وبالرجوع إلى روبرتس ديفيد فقد أبدع في رسم الأراضي المقدسة من الناصرة وعكا ونهر الأردن وكنائس بيت لحم والقدس ونابلس ، مما يؤكد أن المستشرقين تأثروا وأحبوا فلسطين ولكن لم يخفوا انتماء بعضهم للامبريالية ، ورحلتهم إلى الشرق جاءت لمهمات معينة ، إلا أن الشرق أسرهم ولم يأسروه ولتأكيد المحاولات اليهودية لإثبات وجود هيكل سيلمان منذ القدم و تجلى ذلك في بعض لوحاتهم . ورغم تأثير الحضارات الغربية في النهضة العالمية بمختلف المجلات الاجتماعية والفكرية والعلمية والثقافية ، إلا أن هذه اللوحات شكلت مفخرة للحياة الفلسطينية وعكست تأثر الغرب بجوانبها المختلفة وظهور تفاصيلها وانعكاس ألوان الريشة على أجمل صورها ، بل وجعلت من المستشرقين أداة للتواصل عبر الزمن وتوثيق صور الحياة اليومية في ذلك العصر .ولم ينتهي الموضوع عند هذا الحد بل ظهر المصورون الجدد ليكملوا المسيرة بعد عام 1890 بظهور التصوير الفوتوغرافي ، حيث رحل مجموعة من المستشرقين الشغوفين بالأراضي المقدسة منهم انتونان جوسين في سن التاسعة عشر ، ورافئيل سافينياك في سن الثامنة عشر وقضيا حياتهما في فلسطين وشكلوا 80 % من مجموع الصور القديمة لفلسطين والقدس وتركوا أجمل اللوحات الفوتوغرافية النادرة وركز عملهما على أسوار القدس والحرم الشريف وساحته وصور داخلية لقبة الصخرة في عام 1904 و1905 حتى 1917 أي حقبة الدخول والتغلغل البريطاني . وإن المتمعن في تسلسل اللوحات الزيتية والمائية والفوتوغرافية يوضح لنا اختفاء معالم وظهور معالم أخرى والتحول الكبير الذي شمل المدن الفلسطينية وخاصة في القدس وهنا تكمن أهمية هذه اللوحات لأرشفتها التاريخية لتسلسل المكاني والزمني في ظل غياب مقياس الزمن . وبكل الأحوال يجب أن لا نتمادى في الانبهار بلوحاتهم كما انبهروا بحضارتنا إلا بعد فك رموز كل لوحة على حدى وتحليلها بدقة بما يخدم قضيتنا الفلسطينية ، رغم أهمية هذه اللوحات وقلة اللوحات العربية الإسلامية في تلك الحقبة التي تدل على المكان كما رسمها المستشرقين ، وبإعتقادي أن جزء كبير منهم كان يعرف حقيقة تاريخ فلسطين وأراد أن يعطيها جزء من حياته وفضَّلها عن حياة الغرب لكن بعضهم جاءت برؤية الامبريالية في عصر الرجل المريض ، والأكيد أن هذه اللوحات أصبحت جزء من توثيق تاريخ فلسطين وبلاد الشام العريق .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل