المحتوى الرئيسى

كثافة الظلام في علاقة الدولة بالمواطنين العرب بقلم : محمد يوسف جبارين

06/30 21:41

كثافة الظلام في علاقة الدولة بالمواطنين العرب

بقلم : محمد يوسف جبارين (أبوسامح).. أم الفحم .. فلسطين

الضربات المتتالية التي تلقتها الأقلية القومية العربية ، عبر تاريخها المليء بمغالبة الصعوبة ، والمحنط بالغبن والمرارة ، والعاصف بالأمل في الانعتاق من عقالها ، والعقبات التي تعترض سبيلها ، وتعيق نموها وتطورها ، في حقيقة أمرها ، كانت ولا تزال ضربات ومعترضات وقيود ، من نتاج سياسات حكومية صهيونية مقصودة وهادفة .

فاعاقة تطور هذه الأقلية ، كما تدل التجربة المعاشة ، ذات هدف واضح ، هو أن تبقى هذه الأقلية ضعيفة ، فتكون قدرتها على اتصالها بأمانيها ، وأيضا قدرتها على دفع الأخطار عنها ، بلا امتدادت قوية في بنيتها الثقافية والعلمية والاجتماعية عموما ، وبلا امكانيات مادية كافية ، فتعجز عن الاقتراب من حقوقها ، وتعجز عن تحقيق تطلعاتها الى الحرية ، مما يؤهل تلك السياسات ، بما بها من ادراك عميق بما تخطط له ، وتسعى اليه أن تبلغ ما تريد ، فتضيف اضافة ، اضافات ، في هيكلة مشروع يهودية الدولة .. تسحب من أرض العرب ، ومن عافية العرب ، وتتقدم في مشروعها الى الأمام ، في عملية من مصاصات تمتص وتبتلع وتهضم ، وتضيف في لحم وعظم وشحم ودماء يهودية الدولة ، كأنما الأرض والمقدسات يجب أن تنسلخ من هوية هؤلاء العرب ، فلا تبقي بعض هويتهم ، ليصبح ممكنا تحديد هذه الهوية بلاها . فكم من عملية تاريخية بدلت في السيطرة على الجغرافية ، وبدلت في الهوية ، وكأنما اللحم العربي ، لم يدل التاريخ عليه ، وكأنه بالعاصفة التي تهب عليه الآن ، لم يعد هو ذاك الذي كان ، فلقد أصبح بعجرفة تلغي فهم حقيقة هذا اللحم ، وتنشيء فهما يريح وله تستريح ، أصبح هذا اللحم قابلا للذوبان في بذل الطاقة في الفعل الباحث عن لقمة العيش ، وفي استهلاك ما ينتجه بالجهد الذي قد بذله ، فيستحيل لحما من نوع آخر ، ودما من لون آخر ، يملأ أرض هذا العربي نوافير من الحقد ، وتواصلا في التهديد الدائب على نهش عظام مصيره ، وسد آفاق الحياة أمامه .

فالى هذا ، والى ما هو أشد منه تنكيلا بهذا العربي ، ذهبت تلك السياسات التي انحفر في وعي من رسموها ، بأن هؤلاء العرب ، انما كانوا بمثابة الخطأ التاريخي ، اذ لو كان شأنهم كشأن اخوانهم لاجئين بالاقتلاع بقوة السلاح ، لكانوا خارج الأرض ، وكانت الدولة خالصة لليهود من دونهم ، فهم بما أصابهم وحل بهم وهو ليس بالقليل ، أشبه ما يكون ، بمن حلت بهم الكارثة . لقد أصبحوا أقلية في دولة الغالبية فيها من اليهود .

فعلى هذا الحال ، وجدوا أنفسهم ، بعد أن هبت عواصف التاريخ على المنطقة التي يعمرونها .

لقد انقطعت حركتهم عن امتدادها في جغرافية أمتهم ، وانقطع اتصالهم بأهلهم ، وأصبحوا أقلية في وطن لهم ، كانوا فيه دوما الأغلبية ، وتلاشت حريتهم في الحركة والسكن أينما شاءوا في أرضهم ، لم يعد الشاطىء الذي كان ، ولا بيارات البرتقال ، ولا الميناء الذي أغرق الأحلام ، ولا حيفا ولا يافا عادتا موئلا للآمال ، ولا الحكم عاد في وطنهم شأنا خاصا بهم ، أصبحوا أقلية ، فلا هم من حيث حدود حركتهم داخل أمتهم ، ولا هم في دولة الحكم فيها لأبناء جلدتهم ، بل هي دولة من يحاربون العرب ويعتبرونهم الأعداء لهم ، فهم البقية المتبقية من الأعداء الذين قامت الدولة غصبا عنهم وبرغم أنفهم .

لقد أصبحوا في دولة دينها ليس دينهم ، وثقافتها ليست ثقافتهم ، ولغتها ليست لغتهم ، وتاريخها ليست تاريخهم ، وموروثها من عادات وتفاليد ليس موروثهم ، وهويتها ليست هويتهم ، أصبحوا الغرباء في وطنهم ، وأصبحت أرضهم في غالبيتها العظمى خارج سيادتهم ، وحتى القرى التي تم اخراجهم منها ، لم يقدروا أن يعودوا اليها ، بقوا يتأملونها من قريب ، ينظرون الى منازلهم وهي بين أيديهم ، ويتذكرون أيامهم فيها ويتوقون الى ملاعب الطفولة والصبا ، وأيام الحصاد والبيدر ، وخبز الطابون بشوق يدمي عيونهم ، ويشق قلوبهم كمدا واحساسا بالغضب ، وما عاد يمكنهم أن يقتربوا من بيارة ، أو مزرعة لهم بأكثر من دمعة تجري صامتة على خدودهم ، وهم ينظرون الى تاريخهم يعبث به الآخرون أمام عيونهم ، ويرونهم من حدود يكون في انتظار من يتجاوزها ، القانون والشرطة وخسارة المال ، والاستضافة في زنزانة ، وما يتصل بذلك من ضرب وملاحقة بعد ذلك بقيود على الحركة ، وبتنغيص في المعيشة ، فذلك هو أسلوب انتاج الردع الذي يراد به لصاحب الحق أن يتفرج على حقوقه حتى تتمزق في أعماقه علاقته بهذه الحقوق .

ومن الأراضي التي تم انتزاعها من أصحابها ، ما تم تشجيره بأشجار السرو أو ما شابه ذلك ، وأصبحت تحت اسم الأحراش ، وقد أقاموا حراسا عليها ، لا يسمحون لصاحب الأرض أن يأتي اليها ويستعيد ذكرياته معها ومع أمه وأبيه ، باحضار أسرته الى ذلك المكان ، ليقول لهم ، ها هنا كنت صغيرا ، وهذه أرضكم التي يجب أن تعودوا اليها ، كي تعود اليكم ، فاذا لم تأتوا اليها ، فلن تمشي هي على قدميها وتأتيكم تدق على أبوابكم ، تعالوا اليها تأت اليكم ، تفرح بكم ، فتعرفون ذلك ، فينشغل عقلكم بها ، فيتفتق حركة في اتجاها ، فاليها فكرا وشعورا وحركة ، واياكم وجفوتها ، فالجفاء في العلاقة ، مثل اليبس في غصن شجرة ، يقطع في مدى الأيام علاقة الغصن بالشجرة .

ولقد سيطرت الدولة على كافة الأراضي التي تعود في ملكيتها الى اللاجئين ،

فالعودة تندرج في الرؤية الاستراتيجية للدولة اليهودية على أنه النقيض من يهودية الدولة ، فاذا عاد اللاجئون ، فذلك يعني تحول الدولة الى عربية ، الأقلية فيها هم اليهود ، ولن تكون بعد ذلك دولة يهودية بتة ، ولأنهم أرادوها يهودية ، فقد كان قرارهم أصلا استعمال القوة في تفريغ الأرض من أهلها ، فكانت مشكلة اللاجئين ، وقد تبلغ المأساة ذروتها عندما تتقاسم الدولة مع مواطن أرض أبيه ، فتأخذ هي نصيب اخوته من الأرض ، بحجة كونهم خارج حدود الدولة.. لاجئين ، ثم تقوم الدولة بتمليك هذه الأرض لمن تشاء من يهود ، لا أحد يعرف ، كم يطول صبرهم في هذه الدولة قبل أن يغادروها .

وفي الوقت الذي لم يجد فيه المواطن العربي حولا ولا قوة في ذاته ، غير الاستنكار والاحتجاج على ما يلم به من استلاب واجحاف ، فلقد كان عليه أن يثبت بالدليل القاطع أمام المحاكم الاسرائيلية ، بأن هذه الأرض التي يقول بملكيته لها انما هي بالفعل تعود له ، وكان هذا كافيا لاغراق فلاحين كثيرين بالديون ، وبسط سيطرة الدولة على أراض ، لم يجد أصحابها أوراقهم الثبوتية ، فمنهم من تركها ، في أماكن لم يعد في مقدوره أن يعود اليها ، فلقد استحالت تحت سيطرة من يطالبونه بها ، ومنهم من لم يجدها بسبب من مداهمات الانكليز أو اليهود فيما بعد لبيته ، ومنهم من لم يعرف أين هي بسبب تقلب الأوضاع به ، وما حل به من مصائب ، ومنهم من اذا قدم كل دليل على ملكيته لأرضه ، فليس في ذلك ما يكفي القضاء ليعرف للعدل معنى ، فلا عدل ولا قيمة لكل دليل على ملكية ، فهي السيطرة التي تتجاوز في صلافتها وقمعها كل منطق يؤسس عليه عدل وحق .

وقد طاف المواطنون العرب بحثا عن بقاياهم وبقايا آبائهم في كل مكان بأمل الاقتراب منها ، وشاهدوا القرى المدمرة ، ومساجدهم التي استحالت مواخير واسطبلات ، ومقابر الآباء التي زالت من على سطح الأرض ، ومثلها غيرها لا تزال فيها شواهد تدل على صاحب هذا القبر أو ذاك ، فهاجت مشاعرهم ، تفجر لهم مخزون دفين في أعماقهم ، فلم يعودوا يصبرون على كرامتهم تداس بالقوة ، وهم في ضعفهم يتمنطقون ، تكلموا وكتبوا وغضبوا وعبروا عن غضبهم في أشكال شتى ، وسوف نجدهم في مستقبل أيامهم يتحركون كقوى جماهيرية منظمة منقادة بفكر محيط بالظروف السائدة ، ويعرفون كيف يتفاعلون معها ، ويتحدون باصرار على حقوقهم ، لكنهم في بداية أمرهم ، وحتى بعد أن اكتشفوا قدراتهم في المعرفة والتنظيم والتعاون والحركة الواعية الفاعلة ، نجدهم وأمام عيونهم مساجدهم ، ويا طالما تدارس آباؤهم القرآن فيها ، ولا يتاح لهم احياءها ، بالترميم والصلاة فيها ، وأيضا مثلها مقابر وشواهد تاريخ ، فلا يتاح حتى للحفيد أن يدنو من قبر جده لقراءة الفاتحة على روحه .

فاذا اقتربوا ، كما يحلو لهم بالترميم والصيانة والصلاة ، فالقيود وأبواب السجن تنتظر .

فكيف اذا هم تجرأوا وبادروا الى العودة بالسكن في مساكن كانت لهم في قرى ، قد تم تهجيرهم منها ، أو ماذا اذا أقاموا خيمة في أرض لهم أملا في أن يكلمهم أحد في استعادتها أو بعض منها ، وقد كان تكرر حال كهذا مرات ومرات في أحوال وظروف مختلفة ، فما كان من أجهزة القمع الا أن مارست العنف بحال أرادته أن يستودع في النفس والذاكرة ذكرى أليمة ، فلا يرغب من أصابه الألم أن يعاود الكرة فيتألم الألم ذاته ، أو أشد منه ، لكن الجماهير العربية ، في مجرى تجاربها تعلمت بأن الألم ليس بذاته الذي سوف يقرر في مصيرها ، وانما علاقة ارادتها بحقوقها ، فهنا تكمن صلابتها ، ومن هنا يبدأ اقترابها من حقوقها .

لقد خبر المواطنون العرب الألم ، من خلال عدم تنازلهم عن حقوقهم ، فهم يتألمون لحقوقهم وهي بين رموشهم ، وبين طيات قلوبهم ، بينما غيرهم يبسط سيطرته عليها ، ويتألمون حين يقتربون من حقوقهم بكلمة يكتبونها أو يقولونها ، أو بمظاهرة يتظاهرونها ، فعندها ينفتح الجراح بشدة ، ويتألمون بما يواجهونه من عنف ، عند كل مطالبة بحق لهم . مما جعلهم على استعداد دائم للسير في طريق الآلام صوب حقوقهم ، كان ذلك على صعيد الفكر أو الحوار ، أو الحركة الجماهيرية .

لم يكن الألم اختيارا يختارونه ، ولكنه المعاناة التي لم يكن من مفر أمامهم الا أن يعانوها ، واذا العنف ضدهم أراد لهم أن يخرجوا من هويتهم ، بتجفيف علاقاتهم بحقهم في الحياة والحرية ، فانه بما دلت عليه نفوسهم وتفتقت عنه أذهانهم انما هو العنف المضيف اليهم تألما ، فعمقا في التفكير ، فلا مفر أمامهم من المصابرة والصبر والاستقواء على الآلام ، في خلال السعى الحثيث نحو كل ما يعزز انبعاث الارادة الجماعية في حركة الاستجابة الواعية للحقوق ، في مستوى الفكر وفي مستوى الحركة الفاعلة التي تتدافع دوما في حركة الاصرار على الاستواء على نوال الحقوق .. هكذا تعلقت لهم آمالهم بين عيونهم ، وعلى أكف الوعي والحركة النشطة ، فتراهم وقد تلاقوا يتسابقون في تأجيج العزم على المواجهة من أجل الأرض ، وغيرها مما له صلة بحريتهم وهويتهم الجماعية .

لقد فهموا في خلال الصراع ، بأن الجهة التي تحاول ارهابهم بالعنف ، هي بذاتها التي صاغت القوانين التي بنصها تم استلابهم حقوقهم ، والتي بنصها يتم قمعهم ، فالقانون لن يكون في جانبهم ، وليس هناك من يقوم بتغيير القانون ، حتى ولو أرسل العرب عددا منهم للجلوس على مقاعد الكنيست ، ليحاولوا ، ولو بالعقل والكلام معا منع ضياع ما ضاع ، أو ما هو مرشح لأن يضيع ، فالصهيونية ما كانت يوما عابئة بقيمة من ترى فيهم الأعداء بعينهم .

فهذا القانون فن الدجل الذي تحترفه الديمقراطية الكلاسيكية التي لم تعد بحال تعني مساواة بنصها التي توجبها الحريات ، ذلك بأن القانون بما ينص عليه أسلوب الديمقراطية الصهيونية في امتصاص الحقوق ونقلها من أصحابها الى من يراد لهم أن يكونوا أصحابا لها ، ولم يكونوا يعرفونها ، لا هم ولا آباءهم من قبلهم .

فاحترام القانون الذي يوجب سلب الحقوق ، من جانب من سلبوه حقوقه باسم هذا القانون ، انما هو احترام زائف ، لأنه هو القانون الذي لا فرق بينه وبين جهاز القمع ، فالقانون في ديمقراطية حقيقية يجب أن يجسد حرية وعدلا ، لا عدوانا وقهرا ، ولا سلبا وقمعا ، فقانون سلب ونهب وقمع مضمونه عدوان من طرف على طرف آخر ، وهو بعينه وكما يلمس حقيقته ، المواطنون العرب ، انما هو لعبة الديمقراطية في تجريدهم من حقوقهم ، وأيضا في مقاضاتهم وزجهم في السجون ، اذا هم طالبوا بحقوقهم ، فالاقتراب من الحقوق كالاقتراب من مخالفة القانون والمخالفة أو عدم احترام القانون جناية توجب العقاب .

ولذلك عند كل اقتراب من الحقوق يعلو الصوت اليهودي الذي يطالب بضرورة احترام القانون ، وبأن المواطن في نظام ديمقراطي يتوجب عليه أن يحترم القانون ، والا فالفوضى تعم كل شيء .

فلماذا يا عرب لا تحترمون القانون ، ولماذا يا عرب أنتم متطرفون ولا أحد يسأل ما هو التطرف ، ولا ما هو القانون ، ولا ما هي الديمقراطية ، ولا ما هي المواطنة ، ان التطرف يعني انتاج حركة تتجاوز القانون ،حتى وان كان القانون هو هذا الذي أجاز سلب الحقوق ، وبما أن القانون يصب في خدمة يهودية الدولة فان الاقتراب من الحقوق أو التطرف في حد ذاته مس بهوية الدولة .

فالمواطنون العرب اذا اقتربوا من حقوقهم الى حد التماس ، فهم وجها لوجه مع الدولة ، بهوية أخرى ، فلا عجب اذا أطلقت الأجهزة القمعية للدولة النار على الهوية التي أمامها ، ولا غرابة في أن يتم توصيف كل هؤلاء الذين هم تحت النيران بالتطرف ، فكذلك كان ويكون القهر العنصري .

فعربية ليست يهودية ، فهذه هوية ، وتلك هوية ، وعربي يعني أرض ، ويهودية دولة لا تقوم الا على أرض هذا العربي ، فأخذ الأرض من هنا الى هنا ، فعربي مسلوب والدولة سالبة ، ولكي لا يكون السالب والمسلوب ، فعودة ما تم سلبه الى من سلبوه منه ، وهذا هو التناقض ، وهذا حل يناقضه الحل الذي تفرضه يهودية الدولة .

ومن أجل تغذية يهودية الدولة ، فقد تم تجريد المجتمع العربي من امكانياته ، وذلك منذ قيام الدولة ، وذلك لوضع كل هذه الامكانيات في خدمة الدولة . ولم يتوقف التجريد الى هنا ، بل امتد الى معاودة المحاولة في تجريد آخر للأرض من أصحابها ، بل امتد الى معاودة المحاولة في تجريد آخر للأرض من أصحابها ، بارغامهم على الرحيل ، بدب الفزع في نقوسهم ، فيرحلون ، فكانت مجزرة كفرقاسم ، تجسيدا لممارسات ظنوا بها يتكرر ترحيل آخر لعرب آخرين ، لكن أحدا من العرب لم يغادر أرضه هذه المرة ، فلم يعد الرعب مفيدا في زحزحة عربي من منزله ولا من أرض تحت أقدامه .

وحيث أنه لم يبق من امكانيات للمواطنين العرب ، بعد تجريدهم منها ، سوى تلك الكامنة في ذاتهم ، وفي كونهم بشر يتشبثون بحق الحياة ، فلا مفر يستهلكون ، وفي حكم وضعهم الاقتصادي الذي أصبحوا عليه ، فلا يبيعون ومن هنا فهم طاقة عمالية ، تبيع جهدها في أسواق العمل وبما تتقاضاه تشتري ، ولا تبيع ، واذا باعت فانها تبيع ما تشتريه ، وليس لها جهة أخرى ، غير السوق اليهودية تشتري منها وهذه هي التبعية الاقتصادية . مجتمع بحاله بما حل به ، قد استحال تابعا من الناحية الاقتصادية وبرغمه ، فلم يكن له اختيار في ذلك ، فالتبعية جاءت فسرية ، شاء العربي ذلك أم أبى ، فأو يموت جوعا أو يبحث عن معيشته ، ببيع جهده في أسواق العمل الرخيص ، في بناء الدولة اليهودية نفسها ، هكذا تم تسخير امكانيات المجتمع العربي برغمه في خدمة يهودية الدولة .

لقد فقد المجتمع العربي قدرته على الاختيار ، ولم يكن أمامه الا أن يتشبث بحق الحياة ، فكيف اذ ذاك لا يكون فاقدا لحريته .

وكيف اذ ذاك لا تكون الديمقراطية بذاتها الاسم الذي لا يعني مما يعنيه أي شيء ، بل يعني كل ما هو ضد اسلوب تحقيق الحرية ، فالفاقد لحريته ، لم يفقدها الا باسلوب وظروف تهيأت وبما بها من قسريات لتجريده من حريته ، وذلك لتسخيره في خدمة القوة التي فرضت سيطرتها عليه ، وتلك القوة هي الدولة وذلك الذي جردته الدولة من حريته ، هو ذاك المواطن العربي ، والدولة كما نعرفها ، تنظيما قانونيا للمجتمع ، وهذا التنظيم كان عبقريا محكما في نصوصه ، لم يترك للمواطن العربي ، سوى الشقاء معاشا ، والعصا ارهابا ، فاذا أثقل الشقاء كاهله ، وفتح فمه بما يزعج ، أو تحرك حركة تقلق فالعصا ، وهذه في حركتها على جلده ، صعودا ونزولا لن تخرق القانون، بل تحرسه ، وتشير لهذا المواطن كيف يحفظ القانون .

لقد أفاق المواطن العربي ، بعد قيام الدولة ، من فظاظة الكارثة التي حطت على رأسه ، وراح باحثا عن رزق عياله ، لا في مزرعته التي لم تعد له ، وانما في سوق العمل ، ولم تخل ظروف المأساة من انفتاح الجرح على مصراعيه ، ولا من البحث عن رغيف الخبز داخل النار ، فكم من مواطن عربي وجد نفسه أجيرا ، في مزرعة كانت لجده ، وكان من قبل تبدل الأحوال يأتي اليها مرافقا لأبيه .

ان المآسي كثيرة في تاريخ المواطنيين العرب ، وخاصة في العشرين سنة الأولى من قيام الدولة . ولكن تلك المآسي تحتاج الى آذان ، وأقلام وسرد مسطور ، فالعمال العرب ،أو بناة المدينة اليهودية ، كانوا هم البناؤون ، وهم الذي ينشئون البساتين والحدائق ، وهم الذين يكنسون الشوارع وينظفون درجات البيوت ، وهم الطباخون في المطابخ ، وهم عمال الحفريات .

ولعل أشد المشاهد قسوة ، هي تلك التي كان العمال العرب فيها يحملون حجارة البناء على كرسي خاص ، يصنعونه من خشب ، يضعونه على ظهورهم ويصعدون به من أسفل البناء الى طابق تلو طابق . كانت ظهورهم تنزف دما ، وذلك من شدة الضغط عليها ، وبرغم ذلك لا يتوقفون ، فهذا خبز أطفالهم ، واذا استمعت اليهم ، فلا يفارق ألسنتهم قولهم بأن هذا العمل الشاق ، لن يكون من نصيب أبنائهم . كأنما الجهد الذي يبذلون ، بما يضيفه من شقاء يفجر في أعماقهم التفاتات عميقة الى الماضي والمستقبل ، فكأنهم يبحثون في داخل المعاناة عن خيوط ينسجون بها أملا في حياة يتمنونها ، فهذه الحياة التي يشقونها ، وتشقهم بالعذاب قد قهرتهم الدولة عليها ، فاستحالت العلاقة بينهما كعلاقة السيد بالعبد . وهي بما هي عليه ، من توتر دائم ، بما تتشبع به من تباين وتنابذ تفصح في حركة الواقع بالدلالة الصريحة عن أن تصرفات السيد بها علامات كشافة عن رغبته في سحب اعتراف من هذا العبد ، بأنه هو سيده . وفي المقابل ، يأبى هذا العبد أن تكون فكرته عن نفسه مشتقة من فكرة السيد عن نفسه ، ولا بأن تكون منبثقة من واقع يتمزق به ، ولا يراه ثابتا بعلاقاته السائدة فيه .

فهو يرفض الواقع وكل ما نزل على رأسه ، ولا يعترف بأن اجتماع المصائب يعني أن يستصغر الانسان نفسه حيالها ، فكم من كوارث غلبها الانسان ، وهو يستنكف أن لا يتذكر بأنه كان دوما السيد على أرضه وفي مجاله ، ويرفض أن يتنازل عن مقدوره بأن يقلب الأوضاع ليستعيد دوره كرة أخرى كسيد المجال ، فظروفه التي تنغصه كيفما كلحت فهي عابرة ، طارئة ولن تدوم ، وقد تعلم من الأشجار بأنها لم تبدل في هويتها ، حين كانت تهب عاصفة عليها .

فهو اذ يساهم رغما عنه ، في اعادة تشكيل المكان ، بأعمال تزيد في الصعوبة في ظروف مأساته ، فتلك دوامة الخبز والآلام ، لكنه في خلال ذلك كله ترهقه تلك العلاقة بذاك الذي ينظر اليه متوهما بأنه سيده ، فيلجأ الى ما بين يديه ليستعيد توازنه في هذه العلاقة .

يحاول أن يستخرج من داخل الاتقان لأعماله منزلة فوقية تبعث الدهشة والانبهار ، دالة على أنه سيد الابداع ، فارضا على السيد بأن يراه ، على هذا الحال ، ساحبا منه اعترافا ، بأنه هو السيد المبدع الذي من دونه ما كان هذا الانجاز على هذا الابداع ، معيدا بهذا صياغة فكرة الآخر عنه ، فارضا التوازن بين طرفي تلك العلاقة ، فليست هي علاقة سيد بعبد ، وانما بين طرفين متكافئين .

ولم يكن للشقاء ، في ظلال تلك العلاقة أن يتركه بغير أن يعيد اكتشاف ذاته من جديد ، وبشكل لم يعهده من قبل .

لقد وعى ظروفه ، ولم يعد أمامه الا أن يغالبها ، فبرغم كونه الطرف الضعيف في علاقة تمده بالشقاء ، فقد ظل قابضا على الأمل ، مدركا ما للأمل من اتصال بالزمان ، وفاهما امكانياته ، بأنها تتخرج من استقوائه على معاناته ، وبأنها ضرورة بعث الأمل في حياته ، من خلال أبنائه ، بدفعهم الى امتلاك العلم ، فلعلهم يجدون طريقهم الى تجاوز ظروف آبائهم القاسية .

وقد تغذى الأمل ، ليس فقط من ضرورات حياة في واقع مرير ، وانما أيضا من احساس عميق بالتاريخ ، ومن عمق حضارة في ذاته ، كانت تطل عليه دوما عند كل اندلاق للمرارة من صدره ، وكانت هذه الاطلالة من داخل ذاته ، تحفظ له توازنه فيزداد استمساكا بالأمل الذي أصبح بالنسبة له التعويض عن شقاء أكره عليه .

ولم تكن تلك الجدلية بين الهوية واشراقة لها لا بد آتية غدا ، في محل اهمال أو غفلة من جانب الدولة ، فهذه قد أحاطت بالمجتمع برمته محاولة اخضاعه ، واعادة تشكيله على ما يضيف في يهودية الدولة .

لم تكن هذه الدولة على استعداد ، أن تقبل هوية أخرى غير الهوية اليهودية ، فهذه هي هويتها ، وأية هوية أخرى تريد مزاحمتها ، فانها كمن يجاهر بالعداء ، ويوشك أن يعلن الحرب عليها فتسبقه اليه بالقمع .

فلا تزال سياسات الدولة غير قابلة لاغفال مسألة الانتماء الآخر ، فهي توليها انتباها يعدل حرصها على أمنها ، وعلى تطوير ذاتها بصورة دائمة ومستمرة ، ولذلك فان كل ما يغذي الهوية الأخرى تحاول اكتشاف جذوره ، ثم تمحيصه فالاقتراب منه بأساليب تخفي أو تظهر مريده تجفيف هذه الجذور .

فسيرة كتب التاريخ والدين التي تم وضعها بين يدي طلاب المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية فصيحة الدلالة على سياسة ترغب في تشويه الوعي ، فلم تخل تلك الكتب من كذب على التاريخ وتحريف في الدين ، يراد به تشكيل رؤية الطالب لتاريخه ودينه ولذاته ، لتكون هذه بدايات القطيعة بينه وبين انتمائه .

ولم تكن اللغة العربية بمنأى عن التآمر عليها ، فحالها من حيث الكيد بها ، كحال كل علم وثقافة له صلة بالهوية ، وهي مسألة لم تكن يوما تحتاج الى بذل الكثير من أجل اكتشاف حقيقة المؤامرة على الهوية العربية ، على الرغم من أن الدراسات والأبحاث في هذا الجانب ، تكتسب أهمية فائقة ، في تغذية الوعي ، وفي توفير الشواهد والأدلة المكتوبة ، فهذا جانب يسند العمل السياسي ، بل هو أحد ضروراته .

فالسيطرة على جهاز التعليم ، من جانب جهاز المخابرات، لم تكن اعتباطا ولا جهلا بما يتم التخطيط له ، فصناعة أسباب الفشل مسألة تحتاج الى روية ودهاء واحاطة ، فعلى الرغم مما يبدو للوهلة الأولى من أن مفاتيح الفشل تبدأ بالدخول من كون العملية التعليمية تحتاج الى معلم وكتاب ومتعلم ، وادارة وظروف تعليمية ومناخ عام ، وبالنظر الى ما يعنيه التعليم ، من كونه عميق الصلة بتنمية قدرات الانسان ، وما لهذه القدرات من أثر في مقدرته على تغيير أوضاعه تأتي صناعة الفشل لجهاز التعليم جزءا حقيقيا في مخطط يستهدف ضرب تلك القدرات ، وذلك لأنها على مقدار ما تكون ناجحة وفاعلة في مستقبل أيامها ، فعلى مقدار ما تكون قدرتها على التنظيم والحركة النشطة والواعية مؤثرة عند اقترابها من حقوقها ، وقد دارت الأيام ، وقامت حركة الوعي بالهوية ، بتشكيل ذاتها ، باستخراجها من داخل الصمت ، فالتربية للهوية والرعاية لها ، بربطها بالفعاليات التي تفصح من خلالها عن ذاتها ، ما أحالها الى قوة جماهيرية ، يربطها في حركتها تأكيد هويتها وتوصيل ذاتها بأعمال من املاءات هذه الهوية ، ما جعل الوعي بالهوية وعيا حركيا ، وفي مستوى الايمان بالحق ، فالايمان صلة النفس المؤمنة بالتراحم بين أفراد الجماعة ، والايمان صلة صيانة للمقدسات ، والايمان صلاة في المسجد الأقصى ، وحماية له وصيانة وتواصل لا ينقطع مع القدس ، ما جعل الايمان في الوعي بمعنى الواجب ، ما صب طاقات الجموع المؤمنة في وحدة متحركة الى أعمال تؤصل الهوية ، ما أظهر الجموع زاهية بتمايزها ، واختلاف هويتها ، ما ضاعف في اظهار الهوية الجماعية كحقيقة في داخل دولة ، لا تعرف أن تكن للهوية العربية غير الضيق بها والمكر المحنط بكل غيظ وحقد ولؤم متواثب على أدوات القمع .

فهي دولة لا تعترف لنفسها بهوية غير كونها هوية يهودية، وتريد لها أن تكون المهيمنة والمسيطرة ، وبأن يكون كل شيء غيرها ، لا يتنافر معها ، بل يصب في خدمتها .

وانني ومعي كل من يوافقني الرأي ، أقول بأن الديمقراطية في جوهرها أسلوب تحقيق الحرية ، وأرى الاختلاف حرية ، ولا أجد في التعددية في الهوية الغاء لهوية أخرى ، ورؤيتي حقي الذي لا أتجاوز فيه حرية غيري ، في أن نظام الحرية هو الأولى بأن تقوم عليه دولة تريد قيامة للسلام الاجتماعي والعدالة وتكافؤ الفرص ، وما الى ذلك مما يجعل المواطنة أساسا يتنظم عليها نظام الدولة ، فتغدو دولة لكل مواطنيها ، فدولة تقوم على هذا الأساس الذي نقترح ، انما تكون مؤهلة لتكون نظاما للحرية ، وهويتها الحرية .

فرفض نظام الحرية كبناء تنظيمي للدولة ، يستدعي عميق الوعي بمبررات الرفض ودواعيه ، ففي أي ماهية تضرب جذوره ؟ ، ومن أي العقائد يتغذى وبها تتشكل معانيه ونصوصه ؟ ، فهو ليس أي رفض ، ولا هو بمحدود بكونه رأيا مطروحا لحوار بحثا عن صالح أطراف مختلفة في رؤاها ، انه في ماهيتة رفض وجود ، استمرارا في تثبيت وجود آخر في محله ، فهو ينطوي على تربص ، فوراءه عدوانية اقتلاعية تريد أن تستمر في الاقتلاع ، لكنها تنتظر فرصتها ، وهو أيضا بمعنى التعصب لهوية تصر على أن لا تنافسها هوية أخرى في تعريفها للدولة ، وهو رفض يتعدى مستوى الحوار ، ليغدو موقفا مبرمجا كآلية قمع ، تتهافت على قمع الهوية التي تناهز وتصر على أن تتهيكل هوية الدولة وفق منظومة ماهيتها أيضا ، وهذا موقف متعصب ، به رفض سافر للآخر ، وهو النقيض من الحرية ، وهو موقف دولة ، وهذا مخيف ومحزن ومخجل في آن واحد ، وذلك لأنه موقف يغلي بالعنف والرفض للهوية الجماعية العربية ، وهذه اشكالية تريد حلا ، واذا الحل متوفر من حيث الصياغة في الأوراق وعلى الألسن ويجد توافقا جماعيا عليه من جانب الأقلية القومية العربية ، فمجرد التعبير عنه والاعلاء من شأنه بعينة بمثابة العدوان على يهودية الدولة ، فمن يقول به يقول بالحرية ، لكنه في اعتبار الدولة هو الذي يجاهر بالعدوان على الدولة وماهيتها وحاضرها ومستقبلها ، فهو العدو ، وتتوجب مواجهته بالقمع ، فعلى ذلك ، يبقى السؤال في فم الحرية ، عن الحرية وعن حق الانسان في انسانيته وحريته ، ما يدعو الى القول بأن الحل لن يكون بالكتابة على الماء ، فكيف يتأتى اذن ، على أكف الصراع ، وحتى يسفر الصراع عنه ، يبقى السؤال ، فلماذا الانسان يتوجب عليه أن يرتضي سجنا يوضع فيه ، ولماذا هو مطالب بأن يرى في قيودة عطرا يتعطر بها ، واذا هو فعل مرغما ، فلا عقله يرتضي ذلك ولا نفسه ، فبينه وبين هويته وبين حاجته ، بأن ينقض على قيوده ، فحبس الحرية هو الذي لا يمكنه أن يتحقق بتة ، طالما أن هناك النفس وهناك العقل وهناك الزمن ، وهناك التغير الذي يطرأ على الظروف .

ولن تحتار نباهة في الانتباه ، وادراك الفهم ، وهي ترى عنف الضيق بالهوية الجماعية العربية ، كيف يتصبب عنفا ويعترض طريق الحركة الواعية ، تماما مثل ما أنه يتصبب دوما ضيقا يتهافت على دروب الحياة في شتى مناحيها ، وتماما كما أنه بذاته كان النار التي شردت الناس من الأرض ، وتماما كما أنه أقصى الناس عن حقوقهم ، فهو العنف الذي يطل من جوف التعصب ورفض الآخر ، ليقدم نفسه حلا .

لن تحتار النباهة في أن ترى الموقف العنيف ضد الحركة الواعية ، على أنه خطوة عنيفة واحدة ، في سياسات قمعية واحتوائية جاهزة ، فتفريخ العنصرية لمضامينها في أساليب عنيفة تتوخى تحصيل غايات محددة ، وتستهدف الجماهير العربية بكاملها ، انما هي استراتيجية ديمومية العدوان على هوية الأقلية القومية العربية ، فهي التي لا يمكنها أن تنقطع ولا أن تكف عن التفريخ ، كأنما املاءات الهوية الجماعية العربية ، وما أفرزته من وعي ، وما استدعته من حركة واعية ، تطل على الصهيونية بالرعب والفزع فتستدعيها الى مزيد من الاحتراف في استكمال بنيوية سجن تنحصر في داخله الحركة الواعية ومعها عقليتها الفاعلة ، فتنزوي بعيدا عن التأثير على الجماهير ، ومقصود هذا بعينه هو تفكيك القدرة ، أو اضعافها من حيث تأثيرها ، فأشد ما يقلق هو انتاج القدرة على تحريك الجماهير في اتجاه أهداف سامية بحيث تكون الحركة مثمرة في سعيها ، وان لم تقطف الثمرة بأيديها فانها تؤسس لحركة جماهير قادرة في مستقبل الأيام أن تفرح بثمار نضالها ،

فنحن بازاء استراتيجية احتوائية قمعية بدأت ، منذ قيام هذه الدولة على أرض فلسطين .

وسوف نجد منذ ذلك الوقت لجوء مصممي هذه الدولة الى المدارس الاستعمارية ، ليتعلموا ويوظفوا ما تعلموه في صالحهم ، ففي هذه المدارس ما يتم الانتفاع به من تجارب في اضطهاد الشعوب . ولعل أبرز هذه التجارب في السيطرة ، ما ثبت نجاحه استعماريا في منطقة الشرق الأوسط ، وغيرها من مناطق العالم ، وهو انتاج قيادات وأحزاب جديدة تعرف كيف تتلمع في لباسها ولسانها وثقافتها ، وذلك من أجل فكفكة وحدة الجماهير العربية ، وافساد تماسكها بهدف تعطيل ضغط الجماهير من أجل حقوقها ، وبهدف افساد التأكيد على ذاتيتها وهويتها ، بتشويه اسلوب الكفاح وعلاقته بغايات الكفاح الوطني ، فلقد يدل تاريخ الاستعمار على أنه استطاع في مراحل من السيطرة بأن ينتج قيادات قادرة على أن تنتج نشاطات تتمسى بسياسية لكنها ليست مثمرة ، فليس ما تنتجه ، أو تبدعه من أهداف تسعى اليها بذات تأثير على السيطرة الاستعمارية ، بل تزيد في التمكين لهذه السيطرة ، بما توفره من تضليل وتشويه لنضال وكفاح الجماهير الشعبية ، فترى الى قيادات مدعومة خفية بكل الامكانيات من القوى الاستعمارية تنشط على الصعيد السياسيي والاقتصادي ، وترى الى جماهير شعبية منساقة وراءها ، لكنك وأنت تتبصر عمق النشاط وعمق غاياته لتجد بأنه على كل الانفعال الهادر فيه ، والعقلانية التي ينساق بها انما هو في سيرورته بعديا من أن يؤثر في زحزحة السيطرة ، وليس با ما يتركه من أثر تضار منه السيطرة الاستعمارية ، فهو نضال زائف .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل