المحتوى الرئيسى

الثقة من أركان دعوتنا

06/30 21:39

بقلم: محمد حامد عليوة

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، القائم على كل نفس بما كسبت والمجازي لها بما عملت، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه.. وبعد،،،

تعد الثقة من ركائز الدعوة، وأحد مصادر قوة البناء النفسي والتنظيمي للصف المسلم، وهي من ثمار الأخوة الصادقة والحب في الله، وبقدر الثقة المتبادلة بين الأفراد تكون قوة الصف، وبقدر ثقة الصف في قيادته تكون قوة الجماعة، وما أحوجنا بعامة- وفي هذه الأيام بخاصة- إلى أن نعرض أنفسنا على هذا الركن وما فيه من إشارات ومعانٍ.  

 

إن سير الأخ على طريق الدعوة وعمله للإسلام في ظل الجماعة يعتبر القضية المصيرية بالنسبة له؛ حيث يقدم وقته وجهده وماله ونفسه وكل شيء يملكه في دنياه ليبني مستقبله الأخروي.

 

وبالتالي لا بدَّ أن تتوفر عنده الثقة التامة والاطمئنان الكامل وبصفة دائمة إلى سلامة الطريق، وإلى الجماعة التي يعمل من خلالها لأداء واجب الإسلام، وإلى قيادته وإخوانه؛ كي ينطلق في عمله دون تردد، ويسمع ويطيع لقيادته في غير معصية ودون تباطؤ، ويتعاون مع إخوانه ويلتحم معهم في الصف كالبنيان المرصوص، بل يلزم أن يثق بنفسه أيضًا أنه قادر- بعون الله- على مواصلة السير وتخطي العقبات دون تقاعس أو قعود.

 

ما أحوجنا هذه الأيام إلى الثقة!:

أولاً: إن حاجتنا إلى الثقة بكلِّ صورها حاجة مستمرة ودائمة ومهمة، وحاجتنا إلى مراجعتها وعرض أنفسنا عليها في هذه الآونة ضروري وأكثر أهمية، فقد تعالت الأصوات وتنوعت السهام التي أرادت النيل من وحدة هذه الجماعة المباركة، بعد أن مَنَّ الله على مصرنا الحبيبة بالحرية من الظلم والطغيان، وفتح الله لدعوتنا أبواب الخير في التواصل الطبيعي مع أهلنا ومجتمعنا دون ملاحقة أو تضييق، فبدأت تنهال على الجماعة (قيادة- منهج- صف) التهم والافتراءات، فتارة يحاولون تصنيف الإخوان إلى (شيوخ وشباب) أو (حمائم وصقور) أو (محافظين وإصلاحيين)، أو يتهموننا في نوايانا ويقفزون إلى النتائج دون مقدمات، وتارة يحاولون هز ثقة الصف بقيادتهم؛ فيثيرون الشكوك ويؤولون التصريحات ويلفقون الأخبار والعبارات التي تتصدر الصحف والفضائيات، وتارة أخرى يتكلمون عن الانشقاقات والصراعات، كل هذا بهدف النيل من وحدة وترابط هذه الجماعة.

 

وقد وضح الإمام البنا في رسالة دعوتنا صنف المتحاملين علينا وموقفنا منهم فيقول: "وإما شخص ساء فينا ظنه وأحاطت بنا شكوكه وريبه، فهو لا يرانا إلا بالمنظار الأسود القاتم، ولا يتحدث عنا إلا بلسان المتحرك المتشكك، ويأبى إلا أن يلجّ في غروره ويسدر في شكوكه ويظل مع أوهامه، فهذا ندعو الله لنا وله أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا أتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يلهمنا وإياه الرشد… ندعوه إن قبل الدعاء، ونناديه إن أجاب النداء، وندعو الله فيه وهو سبحانه أهل الرجاء، ولقد أنزل الله على نبيه الكريم في صنف من الناس: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: من الآية 65).. وهذا سنظل نحبه ونرجو فيئه إلينا واقتناعه بدعوتنا، وإنما شعارنا معه ما أرشدنا إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم من قبل "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"".

 

ثانيًا: يزيد من حاجتنا إلى الثقة في هذه المرحلة أن الجامعة مقبلة على مرحلة جديدة من عمرها العريق والطويل، مرحلة تتعدد فيها المحكات، وتتنوع فيها الميادين والمجالات في جوٍّ جديدٍ من الحرية والعدالة، وبالتالي ستتعدد حالات التقييم والنقد البنَّاء وغير البنَّاء لأداء الجماعة أفرادًا ومؤسسات، وسيكون الشأن الإخواني محل حوارات ومناقشات في الداخل والخارج.

 

 إذن نحن أمام مرحلة من الانفتاح الكبير داخليًّا وخارجيًّا، وبالتالي وجب علينا إلى جانب تربية الصف على مهارات العمل مع المجتمع، أن نعنى أكثر بالبناء الداخلي وتقوية اللحمة الداخلية للصف؛ من خلال التربية والتكوين على ثوابت الجماعة، فضلاً عن بناء وتربية الأفراد على الثقة في المنهج والطريق، والثقة في القيادة، والثقة بين عموم الإخوان.

 

دلالات حول ركن الثقة:

ولأهمية الثقة وضرورة توافرها ودوامها جعلها الإمام الشهيد ركنًا من أركان البيعة العشرة؛ ليحافظ كل أخ عليها وفاء لبيعته وعهده مع الله، ولا يعرضها للاهتزاز أو الفقدان فإن ذلك لا يقل خطورة عن النكث في ركن الجهاد أو الطاعة أو التجرد أو غيره، فيذكر الإمام الشهيد عليه رحمة الله: "وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء 65).

 

ومن المعاني والدلالات المرتبطة بهذا الركن ما يلي:

1- أن الثقة هي حالة قلبية واطمئنان داخلي لا تفرض ولا تملى، وهي امتداد للحالة الإيمانية التي يحياها القلب الموصول بربه سبحانه وتعالي.

 

2- كما أنها حالة عميقة متجذرة في أعماق النفس، فهي حقيقة وجوهر لا شعار ومظهر.

 

3- أن هذه الحالة من الاطمئنان القلبي بين الجندي وقائده متبادلة، فلا يمكن أن تتولد في نفس أحدهما، وهي منعدمة عند الآخر.

 

4- أن الثقة- وهي حقيقة مستقرة في أعماق النفس- لها دلائل وشواهد ومؤشرات على وجودها واستقرارها، وهذه الدلائل والشواهد الأربعة حددها الإمام البنا وهي (الحب- التقدير- الاحترام- الطاعة)، وهي أيضًا شواهد متبادلة بين القائد والجندي.

 

5- أن وجود الثقة في نهاية منظومة الأركان العشرة قد يكون له دلالته وتأويله. فالثقة في نهاية الأركان بمثابة السياج الذي يحمي هذه الأركان ويقويها ويعضدها، فتكون الأخوة الصادقة بين الإخوان أخوة في إطار وفي ظلال الثقة، فأنا أحب أخي وقيادتي، وأحفظ غيبتهم، وأكون سليم الصدر نحوهم دائمًا؛ لأني أثق بهم وأتقرب إلى الله بصحبتهم ومؤاخاتهم، وأنا أطيع أخي على الطريق؛ لأني أثق به وأنه لم ولن يأمرني يومًا بمعصية الله، وهكذا يكون الجهاد والتضحية وغيرها من الأركان في ظلال وإطار الثقة.

 

من جوانب الثقة

أ- الثقة بالمنهج:

لا يمكن للمسلم أن يعمل، ويتحرك، ويخالف هواه من غير قناعة بأنه يحمل منهجًا هو الحق كله، الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (17)﴾ (هود: من الآية 17)، وقال جل شأنه: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾ (النمل).

 

إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم، الذي لا أرجحة فيه ولا تردد بأن دينه هو الدين الوحيد الذي يتقبله الله من الناس بعد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه منهج متفرد لا نظير له بين سائر المناهج، ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر، ولا يمكن أن يقوم مقامه منهج آخر ولا تصلح الحياة البشرية ولا تستقيم إلا أن تقوم على هذا المنهج وحده دون سواه، إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو- وحده- الذي يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض لتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس، في وجه العقبات الشاقة، والتكاليف المضنية، والمقاومة العنيدة، والكيد الناصب، والألم الذي يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان.

 

ب- الثقة في القيادة:

يذكر الأستاذ مصطفى مشهور (رحمه الله) في كتابه "القدوة على طريق الدعوة" ما يوضح هذا المعنى فيقول: وعلى الفرد المسلم أن يثق بقيادته ثقة كبيرة لا حدود لها "ثقة تبعث الاطمئنان الذي ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة، فالقائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها ونجاحها في الوصول إلى غايتها وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب. فالثقة بالقيادة أمر مهم في نجاح الدعوات، وإذا خالطه شيء في نفسه فليسارع في إزالته بالتبيين واللقاء والمصارحة، وألا يسمح لنفسه أن تتأثر بالشائعات المغرضة والتشكيك الذي يثيره الأعداء في صورة نصائح؛ بغرض بث الفرقة وتوهين العزائم والنيل من وحدة الجماعة.

 

ولكي ترسخ هذه الثقة في القلب وتصبح واقعًا عمليًّا في حياة الفرد المسلم عليه أن يتعرف على قائده عن قرب، ويدرس ظروف حياته وأن يطمئن لكفايته وإخلاصه وأن يحاول دائمًا الاقتراب الدائم منه، فإذا تم ذلك فيسهل عليه أن يسمع ويطيع لهذا القائد دون تردد ودون مراجعة ولا شك ولا حرج، مع إبداء النصيحة والتنبيه إلى الصواب، بل سيفترض في نفسه الخطأ وفي القيادة الصواب إذا تعارض ما أُمِر به مع ما تعلم في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص شرعي.

 

وثقتنا في قيادتنا تلزمنا أن نثق في توجهاتها وقراراتها ومواقفها، التي دائمًا تخضع لمؤسسات الشورى في الجماعة على اختلاف مستوياتها.

 

ج- الثقة في عموم الإخوان:

ومع الثقة في القيادة عليه أن يثق بمن يسير معه في الطريق فلا ينتقص من أحد، ولا يتعالى على أحد منهم، وليعلم أن الأخ مع أخيه في الصف كاليدين تغسل إحداهما الأخرى "والمؤمن مرآة أخيه"، والأخ الصادق يرى أن إخوانه أولى بنفسه من نفسه، فهو إن لم يكن بهم ما كان بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره. ومن هنا وجب أن تقوى الثقة بين الأفراد فيزداد الحب والتقدير والاحترام.

 

الثقة بين النقد والتشكيك

ولأهمية الثقة نجد الأعداء والمتربصين في القديم والحديث يحرصون على محاولة النيل منها بأسلوب التشكيك والتشويه والتخوين واتهام النوايا وإلصاق التهم الباطلة، وأحيانًا يستعملون أسلوب الضغط أو الترغيب كعامل مساعد على هز الثقة.

 

وقد يلتبس على البعض النقد والتشكيك، فيظن التشكيك نقدًا لا بأس به أو يظن النقد تشكيكًا فيرفضه، والحقيقة أن هناك نقدًا بنَّاءً ونقدًا هدَّامًا، فالنقد البناء له أسلوبه وآدابه وقنواته التي يصب فيها دون أن يحدث بلبلة، وتلمس الجماعة من صاحبه الصدق وحب الخير، أما النقد الهدَّام وهو من أساليب التشكيك أيضًا فنجده لا يأخذ الطريق الصحيح، ولا يوحي بحب الخير والمصلحة، ويصاحبه كثير من الافتراءات والاتهامات الباطلة، وعادة يكون من ذوي أهواء ومصالح ونوايا غير كريمة.

 

فالواجب أن نقبل النصح ونستفيد من النقد البناء، وأن نرفض التشكيك والنقد الهدَّام، لا نستمع إليه ولا ننشغل به، ولا نبادل أصحابه مهاترات أو مساجلات إعلامية أو كلامية أو كتابية.

 

والانحراف أن نتأثر بهم أو ننشغل بهم وبالردِّ عليهم، وننصرف بذلك عن العمل الجاد البنَّاء في مجال الدعوة وإصلاح المجتمع، وتوصيل الخير إلى اللناس، فلا نستدرج ولا نتأثر مهما كان سوء الاتهامات، فلسنا أكرم وأعز من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعتوه ظلمًا وعدوانًا وكذبًا أنه ساحر ومجنون وشاعر وكاذب وكاهن، فلم يغضب لنفسه، ولم يشغل نفسه بذلك، ولم يوجه المسلمين إلى الرد على ذلك، والتزم توجيه الله له حول هذا المعنى في بعض آيات القرآن، نذكر بعضها لنتمثلها ونقتدي به صلى الله عليه وسلم ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ (يونس: من الآية 65)، وقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)﴾ (الأنعام)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ (الأنعام: من الآية 34)، وقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186)﴾ (آل عمران).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل