المحتوى الرئيسى

رِسالةُ حِوَارِيّةْ سادسَةْ بقلم: حسين أحمد سليم

06/30 21:38

رِسالةُ حِوَارِيّةْ سادسَةْ

بقلم: حسين أحمد سليم


إليكِ أنتِ, إِلَيْكِ وَحْدَكِ, يَا إِمْرَأَةً مَرْيَمِيَّةً أَتَتْ مِنْ رَحَمِ حَوَّاءَ, يَا إِمْرَأَةً لاَ تُشْبِهُ بِقِيَّةَ النِّسَاءِ, أَيَّتُهَا السَّيِّدَةُ الجَمِيلَةُ الجَلِيلَةُ الفَاتِنَةُ الدَّاهِيةُ فِي الإِغْوَاءِ وَالإِغْرَاءِ, وَالّتِي تَوَدَّيْنَ الحِوَارَ سَامِياً رَاقِياً شَفِيفاً أَثِيرِيّاً, وَأَوَدُّهُ حِوَاراً نَاضِجاً وَاعِياً عَارِفاً مُسْتَنِيراً وَمُعَمَّقاً, يَتَجَلَّى فِي رَسَائِلَ حُبٍّ أَقْدَسٍ وَعِشْقٍ أَطْهَرٍ, مُتَبَادَلَةٍ فِيمَا بَيْنَنَا, تَبْقَى مُخَلَّدةً فِي بِشَارَاتَ قَدَاسَةٍ وَطَهَارَةٍ, وَتَبْقَى أَقَانِيمَ لِلْحُبِّ وَالعِشْقِ, تَتَجَلَّى فِي المَكَانِ وَالزَّمَانِ...

حَبِيبَتِي المَرْيَمِيَّةْ:

أبَداً... لا تَقْلَقي حَبيبَتي المَرْيَمِيَّةِ, المَعْشوقَةُ قَدَراً فِي وَمْضَةٍ مِنَ الرُّوحِ... إذا الليْلُ أتَى, يَتَهادى الهُوَيْنا في مِشْيَتِهِ, وَأرْخى سُدولَهُ المُخيفَةُ... وَزَحَفَ بِبْطْءٍ, يَجْتاحُ الفَضاءاتَ, وَيَغْمُرُ الكَوْنَ, بِوِشاحِهِ الّدَيوجِيِّ الرَّهيبِ... وَيَحْتَلُّ بِظَلامِهِ, امْتِداداتَ السُّهولِ, وَيَحْلُوَ لَهُ السَّكَنَ, عِنْوَةً في البِطاحِ, وَيُخَيِّمُ قَهْراً عَلى الأوْدِيَةِ... وَيُوَشِّيَ بِرَهْبَتِهِ, قِمَمَ الجِّبالِ, وَيَسودُ قَدَراً, أرْجاءَ هَذا العالَمِ الشَّاسِعِ, وَالمُتَرامِيَ الأطْرافِ... فَتَأويَ طَوْعاً, كُلُّ الأحْياءَ إلى سَكَنِها, وَتَهْجَعُ مُطْمَئِنَّةً, هادِئَةً في مَرْقَدِ ضَجْعَتِها... وَيُسْرِعُ كُلُّ ذي نَسْمَةِ حَياةٍ, وَيُلْقيَ لِلأرْضِ, بِنَفْسِهِ تَعِباً, وَيَسْتَسْلِمُ في أحْضانِ الكَرى, يَغُطُّ في نَوْمٍ عَميقٍ... عِنْدَها, أفيقُ أنا, مِنْ غَيْبوبَتي القَدَرِيَّةِ, وَأسْتَيْقِظُ مِنْ سَكِينَةِ هَدْأتي, وَأنْتَعِشُ مِنْ هَجْعَةِ ضَجْعَتي, وَأسْتَقْبِلُ دَجِنَّةَ الليْلِ المَهيبَةِ, وَأهيمُ في الرُّؤى... أبْحَثُ عَنْكِ, مُتَشَاغِفاً بِشَوْقٍ عَميقٍ, وَأُناجيكِ جَلاءً روحِيّاً... وَإلَيَّ تَخاطُراً وَاسْتِشْعَاراً فِي البُعْدِ, وَعَلى ذِمَّةِ الحُبِّ وَالعِشْقِ, هائِماً وَلِهاً مُتَيَّماً, مُؤْمِناً عابِداً بِخُشوعٍ وَتَقْوَى... لِصَوْمَعَةِ تَصَوُّفي الفَرِيدَةِ, حُبّاً في الله وِعِشْقاً, لِرِحابِ الحُبِّ وَالعِشْقِ, بِإِسْمِ الله أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي وَتَوَالَهَ, وَاسْتَجابَ لي وَتَمَازَجَ بِي, وَالعِشْقُ هامَ بي وَجُنَّ, وَلَبَّى الحُبُّ نِدائي وَالعِشْقُ, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ, لِدَعْوَتي وَنِدائي...

أبَداً, أبَداً... لا, لا تَقْلَقي حَبيبَتي, الّتي أحْبَبْتُها قَدَراً, وَأحَبَّتْني عَلى حينِ وَمْضَةٍ, رَحْمَةً وَمَوَدَّةً مِنْ لَدُنِ الله... لا, يا حَبيبَتي, لا تَسْتَوْحِشي الوَحْدَةَ في هَدْأةِ سَكينَتَكِ, وَإنْ طالَ انْتِظارُكِ, وَلْهى هائِمَةً, مُتَيَّمَةً حائِرَةً, تَتَوَقَّعينَ لِقائي بَيْنَ وَمْضَةٍ وَوَمْضَةٍ ... فَعِنْدَما تَتَألَّقُ النُّجومَ, في مَدى أعاليها, تَتَماهى في البُعْدِ المُوْغِلِ بُعْداً, وَكَأنَّها قَناديلٌ مُكَوْكَبَةٌ, بأطْيافٍ مِنَ الأضْواءِ, مُعَلَّقَةٌ في قُبَّةِ السَّماءِ, اللامُتَناهِيَةِ الإمْتِداداتِ... تَظْهَرُ في كَوْكَباتٍ تَشْكيلِيَّةٍ, وَبُروجٍ مُتْعَةً لِلْنّاظِرينَ, بأجْمَلِ رَوْعَتِها, وَأبْهى مَعانيها... تُرْسِلُ لأرْضِنا العَطْشى, أطْيافِ أنْوارِها الحالِمَةِ, تَتَناهى في وَمَضاتٍ شاعِرِيَّةٍ مُلْهِمَةٍ, تُوْحِيَ لِلْخَلْقِ وَ الإبْداعِ... عِنْدَها, أجْثُوَ عَلى التُّرابِ, أتَيَمَّمُ بِغُبارِيّاتِ الرَّغامِ, بِضَراعَةْ وَخُشوعٍ, وَاُقيمُ في كِوَى صَوْمَعَتي, صَلاتي, لله راكِعاً ساجِداً, قانِتاً ضارِعاً مُتَهَجِّداً, باكِياً مُنْتَحِباً, وَأهيمُ مُتَيَّماً في رُؤى البُعْدِ... أبْحَثُ عَنْكِ في كُلِّ اتِّجاهٍ, أسائِلُ الخَوافِقَ عَنْكِ, بِشَوْقٍ عَميقٍ عارِمٍ, وَأُناجيكِ جَلاءً روحِيّاً شامِلاً... وَإلَيَّ تَخاطُراً وِجْدانِيّاً, وِجْداني يَتَخاطَرُ بِكِ, وَعَلى ذِمَّةِ الحُبِّ وَالعِشْقِ, أغْدُوَ هائِماً وَلِهاً مُتَيَّماً, عابِداً مُتَصَوِّفاً, بِخُشوعٍ وَتَقْوَى... لِصَوْمَعَةِ تَصَوُّفي وَعِبادَتي, حُبّاً خالِصاً في الله وِعِشْقاً آخَرَ, لِرِحابِ الحُبِّ وَالعِشْقِ, أدْعوكِ حَبيبَتي, وَأدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

مَهْلاً حَبيبَتي المُخْلَصَةُ وَفاءً, في الحُبِّ وَالعِشْقِ, وَرُوَيْدَكِ, رُوَيْدَكِ فيما يَتَناهى لِخاطِرَكِ, مِنَ سَراباتِ الخَيالاتِ... أبَداً, لا تَحْمِلُكِ الأفْكارُ الأخْرَى بَعيداً, عَلى صَهَواتِ راحِلَتَها, وَتَرْمي بِكِ في مَتاهاتِ الحيرَةِ وَالقَلَقِ... وَلا تَأخُذُكِ الظُّنونُ بَعيداً, وَتَزُجُّ بِكِ في لُجَجِ الضّياعِ... فَعِنْدَما يُشْرِقُ البَدْرُ, لَيلاً في كَبِدِ السَّماءِ, يَتَماهى عُنْفُواناً, بَيْنَ النُّجومِ الرّاقِصاتِ... يَتَحَلَّقْنَ مِنْ حَوْلِهِ, عاشِقاتَ وَلِهاتَ هائِماتَ... وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَهُنَّ, يَشِعُّ بأضْوائِهِ الفِضِّيَّةِ, الّتي تَتَكّسَّرُ عَلى صَفَحاتِ المِياهِ, تَعْكِسُ مَشْهَدِيَّاتَ جَمالٍ في لَوْحاتٍ مِنْ سِحْرٍ وَجَمالٍ... فَتَنْتَشي لأضْوائِهِ الأزْهارَ وَالوُرودِ, وَتَضوعُ بأريجِها, يَتَشَذَّى في النَّواحي, فَتَتَرَنَّحُ لِعَبَقِ طيبِها كُلُّ الأشْياءَ, وَيَثْمَلُ لِعَبيرِها, البَدْرُ وَالنُّجومُ, وَالليْلُ وَكُلُّ الأشْياءَ... إذْ ذَاكَ يا حَبيبَتي, يَلْتَقي الأحْباُبُ تَشاغُفاً, وَيَهيمُ وَلَهاً جَميعُ العُشّاقِ, وَيَغْفُوَ الجَميعُ خُشوعاً, يَتَقَرَّبونَ لله في غَيْبوبَتِهِمْ, يُقيمونَ عَلى ذِمَّةِ الحُبِّ وَالعِشْقِ, صَلاةَ الحُبِّ وَالعِشْقِ... عِنْدَها يا حَبيبَتي, أحْمِلُ ما تَبَقَّى مِنْ رَميمي, وَأرودُ صَوْمَعَتي خاشِعاً, وَأضَّجِعُ مُتَفَكِّراً بِكِ, فَتَطْلُبَكِ نَفْسي, بوَلَهٍ وَجُنونٍ, وَإلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

أيْ حَبيبَتي الحالِمَةُ, النّائِيَةُ بُعْداً في البُعْدِ, تَهْرُقينَ الدَّمْعَ حارّاً, يَكْوي مِنْكِ الخُدودَ, وَيُلْهِبُكِ الشَّوْقُ إلى حَنينِ اللقاءِ... أيَّتُها المُقيمَةُ قَهْراً, خَلْفَ حُدودِ المياهِ, وَالّتي لا أعْرِفُها إلاّ في رُؤى الخَيالِ... وَصَوْتُها يَتَناهَى إلَى مَسامِعي, يُنْعِشُني في قَلْبِ الليْلِ وَيُرْعِشُني... يَمْتَطي صَهَواتَ الأثيرِ, شَجِيّاً يَتَأوَّهُ في الحُبِّ وَالعِشْقِ, يَهْمُسُ في أذُني, هَمساتَ الحَنانِ في دِفْءِ الحَنانِ... وَيَبْثُّني الشَّوْقَ تَشاغُفاً, يُحَرِّضُني إلى شَوْقِ اللقاءِ في البُعْدِ... يَتَجَلَّى الحُبُّ شَفيفاً في مُنْتَصَفِ الليْلِ, وَيَتَرَاءى العِشْقُ حالِماً... فَتَتَناشَدُ الفاتِناتُ الوالِهاتُ, بِرَخيمِ الصَّوْتِ, أناشيدَ الحُبِّ, وَ أغانِيَ العِشْقِ... عِنْدَها يا حَبيبَتي, إذا تَناهَى لِسَمْعَكِ في هّدْأتَكِ, الحَنينُ المُتَشاغِفُ, يَتَمَوْسَقُ في تَرانيمِ الحُبِّ وَالعِشْقِ... وَيُوَشْوِشُكِ وَلَها وَهِياماً... فاعْلَمي أنَّني في البُعْدِ, أنْشِدُكِ حُبّي وَعِشْقي, وَإلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

يا حَبيبَتي الوَلْهَى في الحُبِّ وَالعِشْقِ, يا مَنْ تَكْتُبينَ الحُبَّ وَالعِشْقَ, تَرانيمَ القَلْبِ العاشِقِ, تُدَنْدِنُ في كَلِماتَكِ الحانِيَةِ, وَتُرْسِلينَها لي هائِمَةً, مَعِ الحَمامِ الزَّاجِلِ... تَصِلُني رُغْمَ البُعْدِ النّائي, وَأقْرَأها شَغَفاً وَشَوْقاً, وَإعيدُ القِراءَةَ وَأعيدُ, بلا مَلَلٍ وَلا كَلَلٍ وَلا ضَجَرٍ... فَلا تُرْبَكِي حَبيبَتي, وَلا تَخافي, فَكُلَّما ازْدادَ إبْداعَكِ ابْداعاً, وَكُلَّما ازْدِدْتِ خَلْقاً عَلى خَلْقٍ في كِتاباتَكِ... تَرَيْنَني أتَخاطَرُ بِكِ جَلاءً شامِلاً, وَتَسْتَشْعِرينَني أطْلُبَكِ, وَتَتَلَمَّسينَني في كُلِّ حَرْفٍ وَفي كُلِّ كَلِمَةٍ وَفي كُلِّ خاطِرَةٍ... وَإلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

يا حَبيبَتي المُؤْمِنَةُ في الله, المُلْتَزِمَةُ في تَقْوَى الله, الهائِمَةُ في رِضى الله... يا مَنْ تَتَعَبَّدينَ تَقْوَى, وَخُشوعاً في صَلاتُكِ العَميقَةِ, تَرْفَعينَها خالِصَةً لله, تَضْرَعينَ لِلْباري, وَتَتَهَجَّدينَ أنْ يَتَقَبَّلَ أعْمالَكِ, وَيُثيبَكِ, وَيُجْزِلُ العَطاءَ لَكِ, وَيًكْتُبَكِ في عِدادِ المَلائِكَةِ الأطْهارِ, وَيُسْكِنَكِ مَعِ الأخْيارِ... يا مَنْ تَدْأبينَ عَلى صَلَواتَكِ, وَتَتَهَجَّدينَ في الليْلِ وَالنَّهارِ... لا يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ لَكِ, وَلا يُشْغِلَكِ عَنْ عِبادَةِ الله... وَكُلَّما ازْدادَ خُشوعَكِ خُشوعاً, وَازْدِدْتِ تَقْوَىً عَلى تَقْوىً في الله, تَرَيْنَني مُتَعَفِّفاً مُتَبَتِّلاً خاشِعاً, غارِقاً في عِبادَةِ الله, هائِماً حَتّى الذَّوَبانِ, مُتَيَّماً حَتَّى الهَذَيانِ... وَإلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

أجَلْ يا حَبيبَتي, لا تُحَدِّثُكِ نَفْسَكِ, بالسُّوْءِ وَتَأمُرَكِ... وَلا تَتَعْجَلي عَلَيَّ, وَتَحْكُمينَني ظُلْماً, وَتُصْبِحينَ نادِمَةً عَلى ما فَعَلْتِ... أنْظُري الثَّكْلى, كَيْفَ الثَّكْلَى, تَبْكي وَتَنُوحُ, بِلَوْعَةٍ وَتَفَجُّعِ, وَمَرارَةٍ وَحُزْنِ, وَألَمٍ وَوَجَعٍ, وَعّذابٍ وَتَحَرُّقٍ... قَدْ غَدَتْ سَجينَةَ الوِحْدَةِ القاتِلَةِ, وَأضْحَتْ فَريدَةً, ضائِعَةً في المَتاهاتِ, جَفَّتْ مَآقيها, وَهِيَ تَبْكي وَحيدَها في وادي الدُّموعِ... وَصارَتْ لله تَتَضَرَّعُ, بإيمانٍ خالِصٍ, يُنْهِيَ الله أيّامَها, أوْ إلَيْها, يُعيدُ فَلِذَةَ كَبِدِها... أنا يا حَبيبَتي, الغَريبُ, الثّاكِلُ نَفْسي, أبْكي وَأنوحُ, هائِماً ضائِعاً في المَتاهاتِ, أبْكي عُمْري في وادي الدُّموعِ... لِهّذَا, يا حَبيبَتي... إلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

حَبيبَتي وَمُلْهِمَتي وَمُعَلِّمَتي, الّتي تُوْحي الفَلْسَفَةِ لِتَفَكُّري, وَتُلْهِمَني الحِكْمَةَ في وَعْيِ, وَتُخاطِرُني جَلاءً في البُعْدِ, وَأسْتَشْعِرُها وَتَسْتَشْعِرُني... أتَدْرينَ ماذا يَحُلُّ بي؟! عِنْدَما تَكْفَهِرُّ السَّماءُ, وَيَسودُ الضّبابُ, وَتُوْمِضُ البُروقُ, وَتَقْصُفُ الرُّعودُ, وَتَعْصُفُ الرِّيَاحُ, وَتَهوجُ العَوَاصِفُ, وَتَتَساقَطُ الأمْطارُ, وَتَثورُ العَناصِرُ, وَتَئِنُّ الطَّبيعَةُ, وَتَضْطَّرِبُ الأشْجارُ, وَتَتَكَسَّرُ الأغْصانُ, وَتَتَنَاثَرُ الأزْهارُ, وَتُذْرَى الأوْراقُ, وَتَهْرُبُ الأطْيارُ, وَتَخْتَبيءُ العَصافيرُ, وَتَموتُ الفَراشاتُ, وَتَجْتاحُ الأرْضَ السُّيولُ؟!... عِنْدَها يا حَبيبَتي, أنْدَفِعُ بخَيالي, وَأرْتَحٍلُ في الإمْتِداداتِ, حَيْثُ تُقيمينَ بَعيداً... وَإلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

أيا حَبيبَتي, الّتي في حُبِّها تَيَّمَتْني, وَغَدَوْتُ كَما المَجْنونِ في عِشْقِها, هائِماً عَلى وَجْهي... أنْظُري كُلَّما الشَّمْسُ مَزْهُوَّةً, تُشْرِقُ في الصَّباحاتِ, مِنْ خَلُفِ القِمَمِ الشَّمَّاءِ... وَتُرْسِلُ سَيَّالاتِها الذَّهَبِيَّةِ, تَتَرَاقَصُ عَلى صَفْحَةِ مِياهِ البَحْرِ, السَّحيقِ الغَوْرِ البَعيدِ... وَتَتَكَسَّرُ أشِعَّتُها, تَتَماهى عَلى زُرْقَتِهِ, السَّماوِيَّةِ الفَيْروزِيَّةِ اللطيفَةِ... وَتَعْبَثُ النَّسَماتُ النّاعِمَةُ, تُداعِبُ الأمْواجَ, تَتَهادى عَلى صَفْحَتهِ الرَّائِعَةِ, فَيَخْتالُ البَحْرُ طَروباً, ويََثْمَلُ في مَوْسَقاتِه... هَكَذَا يا حَبيبَتي, أخْتالُ عُنْفُواناً, وَإلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

إعْلَمي يا حَبيبَتي المَعْشوقَةُ, أنَّهُ عِنْدَما يُنْفَخُ في البوقِ, لِيَوْمَ الحَشْرِ, وَيُبَوَّقُ في كُلِّ ناحِيَةٍ, وَيُنْفَخُ في البوقِ الأخيرِ... وَتَضُجُّ دَرَكاتُ الجَّحيمِ, وَتَضْطَّرِبُ العَوالِمُ, وَيَنْتَشِرُ الرُّعْبُ, وَيَتَدَفَّقُ الخَوْفُ... وَتَنْطَلِقُ الأبالِسَةُ, تَجْتاحُ الأرْضَ, فَيَعُمُّ الهَلَعُ, وَيَرْتَعِبُ النّاسُ, كُلُّ النّاسِ... سَتَرَيْنَني يا حَبيبَتي, رابِطَ الجَأشِ, لا أعيرُ المّشاهِدَ اهْتِماماً, وَلا يُلْهيني ما يَجْري... وَإلَيَّ في رِضى الله, وَتَقْوىَ الله, وَحُبِّ الله, وَعِشْقِ الله, إلَيَّ حُبّاً وَعِشْقاً أدْعوكِ... فَالحُبُّ تَشَاغَفَ بي, وَاسْتَجابَ لي, وَالعِشْقُ هامَ بي, وَلَبَّى نِدائي, وَأنْتِ لَمْ وَلَنْ وَلا تَسْتَجيبينَ لِدَعْوَتي وَنِدائي...

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل