المحتوى الرئيسى

محمود حامد الشريف يكتب: ميديا الإسهال والاجترار

06/30 15:40

المتابع لوسائل الإعلام ـ وبخاصة المرئى ـ يكاد يشعر لأول وهلة أن المشهد الإعلامى بات يعانى من حالتى استسهال واجتراء؛ وليس من قبيل التهكم لو قلنا إسهال واجترار. وما بين الإسهال والاستسهال؛ والاجترار والاجتراء.. شعرة دقيقة تكاد لا تراها العين. فالإسهال عرض أو مرض يصيب الجهاز الهضمي؛ أبسط تعريف له أنه زيادة عدد مرات االتبرز. والاجترار ظاهرة لدى الحيوانات المجترات تتمثل فى تقيؤ بعضا من الطعام بالمعدة ليلوكه الحيوان بأضراسه ثم يبتلعة مرة أخرى.

وفى توصيف حالة الإسهال أو الاستسهال الإعلامى تجد أنه من العتى على المتابع الحصيف أن يرسم خريطة واضحة المعالم للمشهد الإعلامي؛ ففضلا عن أنها غير متماسكة القوام تجد عدد القنوات فى العالم العربى يتجاوز 300 قناة. فضلا عن أن عدد البرامج أصعب من أن يحصى؛ وبخاصة ما يتم توصيفه تحت مسمى برامج حوارية (talk show) فماذا عن متابعة محتويات تلك القنوات. وأقل ما يوصف به هذا الوضع أنه أشبه ما يكون بحالة إسهال من القيل والقال والكلام المكرر والمعاد. وحالة من استسهال التكرار "واللت والعجن"؛ بل من فرط التكرار والتداخل يلتبس عليك الأمر بين الواقع والحلم إذ ينتابك شك هل سبق وأن شاهدت ما تشاهد، أم أنك كنت تحلم، أم أنه تداخل بين الوعى واللاوعى.

ولأن الكثير من هذه البرامج أشبه ما يكون بالمجمعات الاستهلاكية العملاقة التى تقدم كافة أنواع المنتجات من السيارات حتى ملح الطعام؛ فهذه البرامح أيضا تتناول كل شنكان وليس أدل على ذلك من أنها عجزت عن اتخاذ اسم يعبر عن محتواها؛ واتخذ البعض الآخر أرقاما كوديه فيتسنى له تناول حرب العملات جنبا إلى جنب مع مشكلة السمنة لدى النساء وأشهى وصفات الطعام.

وعن حالة الاجترار أو الاجتراء.. تتناسخ وتتشابه البرامج الكلامية بين مختلف الفضائيات دون خوف من ملاحقة قضائية لانتهاك حقوق ملكية فكرية؛ تلك الحقوق التى تكاد تضيع تماما فى المجتمعات ذات السبق والريادة فى قوائم الثقافات الاستهلاكية. وهى أشبه ما تكون بحالة من الاجترار للأفكار القديمة التى ترتدى ثوبا جديدا. والطريف أن كل مقدمى البرامج منظرين ومفكرين يتكلمون فى الشأن العام وغدا الكل ينظّر ويحلل ويخاطب الجماهير ويوجه الدفة. الاجترار هذا يعبر عن حالة من الإفلاس الإبداعى والإنتاجى حتى على مستوى النخبة فكما تنتشر المهن الثانوية والبطالة المقنَّعة حال إفلاس المدن؛ تنتشر حالة الاجترار والاستنساخ فى حالة الإفلاس الإعلامى.

وتعجز معظم هذه الفضائيات عن تحقيق سبق إعلامى أو صناعة حدث. ومقارنة بما فعله ويكيليكس تشعر بمدى تضاءل دور هذه الفضائيات مقارنة بما تحصده من أموال الإعلانات والفواصل الإعلانية التى ما فتئت تعكر على المشاهد صفو المشاهدة، أو بالأحرى تزيد المرارة علقماً. ولا مناص من مشاهدة هذه الفواصل الإعلانية أحيانا فمن قناة إلى أخرى تكتشف أنه فى ذات التوقيت يأتيك الفاصل الإعلانى ذاته لتكتشف أن إحدى شركات الدعاية تحتكر الدعاية الحصرية وتروج لذات المنتجات فى التوقيت ذاته.

فأين احترام حرية المشاهد من هذا الاحتكار المقيت؟ ورغم هذه المدد الزمنية الإعلانية المتطاولة، تضن عن تمويل مشروع بحثى تطبيقى أو إعلامى يثبت حقا قوميا أو يكشف حقيقة الفساد وما يدور وراء الكواليس، الأنكى والأدهى أن الكثير من البرامج الكلامية تفتح أبواب التبرع فى حالة من المزايدة ما فتئت تجرح كرامة المصريين. ولا نسمع صخبها وضجيجها إلا بعد خراب مالطا. فى حين أن بعض وسائل الإعلام الغربية تمول بعض الأبحاث التطبيقية أو المهمات الاستكشافية نظير احتكار نشر نتيجة تلك الأبحاث لتحقيق السبق الصحفي، واحترام عقلية المتلقي، وكبريات الصحف والفضائيات عندنا لا تستنكف النقل عن هذه الوسائل الغربية نقل عشواء؛ وهى بعد لا تكف عن أن تنحو باللائمة على الجامعات المصرية التى لا تحظى بأى تصنيف عالمى.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل