المحتوى الرئيسى

نرمين حسين تكتب: اخترت أن أكون إنسان

06/30 15:18

نرمين حسين تكتب: اخترت أن أكون إنسان

نرمين حسين تكتب: اخترت أن أكون إنسان

(خاص) الجريدة – كتبت نرمين حسين

مشهد نادرا ما يتكرر وكثيرا ما أتوقف أمامه للتفكر كلما شاهدت هذا الفيلم. هو فيلم عادي وربما لم يحظى بأي جوائز أو تكريم ولكن متى كانت الجوائز أو التكريم مؤشر على ما يغير الإنسان!

في هذا المشهد النادر ينقض بطل الفيلم على الشرير ليثبته على الأرض ثم يضم قبضته ويستجمع فيها كل قوته ليضرب الشرير ضربته القاضية لينهي بها حياته ويخلص البشرية منه. يستفزه الشرير وهو يعلم أن حياته ستكون الثمن، “هيا، اقتلني! هيا فقد عشت حياتك كلها حيوان وليس في مقدورك أن تكون شيء أخر غير الحيوان! هيا اقتلني لتعرف مدى قوتك! لقد قتلت أمك وعذبتها وهي تموت، ثم خطفتك وأنت طفل صغير وربيتك كالكلب لتكون كلبي الخاص، فأنت لا تعرف سوى أن تكون كلب! ماذا تنتظر هيا!” ويظل يستفزه ليقضي عليه ويظل البطل يستجمع قوته وتنقبض كل قسمات وجهه لتعبر عن كم الكراهية والاحتقار التي يكنها لهذه الحشرة التي أصبحت تحت رحمته، حشرة لا تستحق الحياة بل وإنها ستخلص الإنسانية بأكملها من شرور لا يعلمها سوى الله لو فارقت الحياة. يظل يستجمع قوته ثم يحرك قبضته في اتجاه الموت الحتمي ولكن شيء ما كالحائط يعلو ليقف أمام هذه القبضة. كلمات قليلة من الرجل الذي أحسن إليه وداوى جراحه بعد أن هرب من عذابه ولجأ إليه. كان يراقب المشهد من قريب ويذكر البطل، “لا تفعل! من يقتل بيده ليثأر لحقه فهو حيوان وليس من بني الإنسان! لا تقتله وإلا هزمك وعشت باقي حياتك كالحيوان! لو قتلته سينتصر عليك، لا تجعله ينتصر عليك! اثبت!”

وفي اللحظة التي يأخذ فيها البطل القرار المستحيل يدرك فورا أنه كان في حاجة لاستجماع كل قوته كما لم يفعل من قبل، كل قوته وهو مشهود له بقوة بدنية كبيرة جدا منذ صغره، ولكنه أدرك أن تمالك نفسه كان يتطلب أن يستجمع كل ما أوتي من قوة بدنية ونفسيه وعقلية وهو نوع من القوة لم يتعود على استدعائه من قبل فكل ما تعلم أن يستدعيه من قبل هو قوته البدنية فقط، وهنا أدرك أن استدعاء كل القوى التي لديه شيء صعب جدا ومرهق جدا بل هو فعلا منتهى القوة! لقد أدرك لعبة هذا الشرير الذي أراد أن يخرجه من إنسانيته إلى حيوانيته إلى الأبد وأدرك أن الخروج من الإنسانية نادرا ما تكون منه عودة فهذا الطريق عادة طريق بلا عودة وبلا نهاية، وعرف وقتها أن قوته الحقيقية بل أشد ما عنده من قوة يكون في تمالك نفسه وليس في مطاوعتها.

المشهد واضح ولكني أكرر على الأسماع أن تمالك النفس يكون عند التمكن من الخصم وليس عند الدفاع عن النفس لآن بعض الناس لا تأخذ من الأمور إلا السطح ولا تحاول أن تفهم ما تقرأه. الدفاع عن النفس أمام حيوان غاشم أمر بديهي لا يحتاج إلى تفسير أو تعليل، أما قرار استخدام القوة لفرض السيطرة والنظام ثم التمادي بعد فرض كلاهما لإنهاء الحياة فهذا هو عالم الحيوان.

ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم).

توقفت عند هذا المشهد من فيلم (داني الكلب) وأنا أفكر فيما وصلنا له من استعراضات حيوانية مفرطة أخرجت فئة من الناس تماما عن إنسانيتهم وغالبا لم يعودوا صالحين للإنسانية مرة ثانية فمن خرج عن هذا الباب فقد أغلق ورائه بالمتاريس وصار ضائعا في عالم الحيوان. كلنا غضبى وكلنا جرحى وكلنا راغبين في الثأر، كلا المعسكرين غاضب وجريح ويريد الثأر لنفسه سواء من جانبه الصواب أو وافقه ولكن هناك معسكر من المعسكرين لديه القوة والقدرة ومعسكر أخر لا يملك سوى الدفاع عن نفسه ليكف عنها الأذى. المعسكر الأقوى خرج من إنسانيته منذ عشرات السنين ولا أرى له عودة ثانية أما المعسكر الأضعف فمازال الأمل معقود عليه، هل يثبت على إنسانيته عندما يتمكن، أم يخرج منها للأبد هو الأخر؟

لو تخيلت هذا الخصم الذي تكرهه كراهية لا أول لها من أخر ملقى تحت قدمين وانقلبت الآية وأصبح السلاح معك، لو وجدته يستفزك ويسبك ويذكرك بما فعله فيك وبمن قتلهم من أهلك وبني وطنك وكيف أنه تلذذ بموتهم وكيف أنه لم ولن يشعر بالندم على ما فعله بل لو عاد به الزمن لفعل أكثر مما فعل، ماذا ستفعل حينها؟ هل تترك عالم الإنسان للأبد وتنضم إلى نفس العالم الذي ينتمي إليه من تكرهه، أم تختار أن تغلق باب عالم الحيوان وتقف مرفوع الرأس وتعلن له بمنتهى الثقة في النفس، “أبدا، لن أقتلك! لن أكون حيوان مثلك! لن أنضم إلى عالم أنت جزء منه! لقد اخترت أن أكون إنسان!

الرابط المختصر: http://www.algareda.com/?p=20194

بإمكانكم دومًا متابعة آخر أخبار الجريدة عبر خدماتها على موقع تويترأو عبر موقع فيسبوك.



أهم أخبار مصر

Comments

عاجل