المحتوى الرئيسى

إسلام القاصرات.. بين أهل الفقه وأهل الحديث

06/30 15:16

بقلم: د. صلاح عبد الحميد زيدان

لم أكن أتصور أن يكون لبعض الأحكام الفقهية فتنة تتخطى أرض الميدان الذي تشرع فيه، ولم أكن أتصور أن تعمى أبصار فترى في الفتوى أمرًا آخر غير الفتوى، ولكن الذي لم يكن.. كان!

 

كلمة حق

أجمع العلماء أن من شروط قبول إسلام الصبي البلوغ والعقل، ومعرفة أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن هؤلاء العلماء الشافعي، واختلفوا في تحديد زمن البلوغ:

(الشافعية) قالوا: يُعرف بلوغ الذكر والأنثى بتمام خمس عشرة سنة بالتحديد، ويعرف بعلامات غير ذلك منها: "الإمناء"، ولا يكون علامةً على البلوغ إلا إذا أتم الصبي تسع سنين، فإذا أمنى قبل ذلك يكون المني ناشئًا عن مرض لا عن بلوغ فلا يعتبر، ومنها: الحيض في الأنثى، وهو يمكن إذا بلغت تسع سنين تقريبًا.

 

(الحنابلة) قالوا: يحصل بلوغ الصغير ذكرًا كان أو أنثى بثلاثة أشياء:

أحدها: إنزال المني يقظةً أو منامًا سواء كان باحتلام أو جماع أو غير ذلك.

 

الثاني: نبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته إلى الموسى، أما الشعر الرقيق فإنه ليس بعلامة.

 

الثالث: بلوغ سنهما خمس عشرة سنةً كاملةً وتزيد الأنثى على الذكر بشيئين:

أحدهما: الحيض. ثانيهما: الحمل.

- يجوز إسلام القاصرات اللاتي لم يبلغن السن القانونية "18 سنة" في حال بلوغهن سن الحيض أو سن الحلم للصبيان، بشرط عدم إشهار إسلامهن إلا بعد بلوغ السن القانونية المعمول به في مصر؛ لأن هناك فرقًا بين التشريع والقانون، والعلماء اختلفوا حول تحديد سن الأهلية لكلٍّ من الولد والبنت، فمنهم من حدده بالاحتلام أو الحيض، في حين حدده البعض حتى سن 15، ومصر تعمل برأي بعض الفقهاء وهم قلة بتحديد سن الرشد حتى 18 سنةً.

 

- إسلام أي قاصر دون سن الـ 18 صحيح بشرط عدم الاعتراف به أو إشهاره حتى يبلغ السن القانونية، وهي السن المعمول بها في مصر، والقاصر يتبع أباه أيضًا في حال دخول هذا الأب الإسلام حتى يبلغ القاصر السن القانونية، وبعدها يقرر رغبته في البقاء على الإسلام أو العودة لدينه القديم عملاً بالرأي الفقهي الذي يجعل تبعية معتقد القاصر لوالده.

 

- عائشة بنت أبي بكر تزوجها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بسنتين وهي بكر، وكان عمرها لما تزوجها رسول الله ست سنين، وقيل: سبع سنين، وبنى بها في شوال بالمدينة وهي بنت تسع سنين، كما نعرض بعض أسماء الصحابة الكرام الذين دخلوا في دين الله تعالى وهم دون الثامنة عشرة، أي على مذهب هذا الرهط كانوا قاصرين ولا يصح دخولهم في الدين، فكيف بالنبي العدنان- صلى الله عليه وسلم- قَبِل إسلامهم:

علي بن أبي طالب دخل الإسلام وعمره 8 سنوات، وطلحة بن عبيد الله دخل الإسلام وعمره 11 سنةً، والأرقم بن أبي الأرقم دخل الإسلام وعمره 12 سنةً، وعبد الله بن مسعود دخل الإسلام وعمره 14 سنةً، وسعد بن أبي وقاص دخل الإسلام وعمره 17 سنةً.

 

فهل هؤلاء الصحابة الأجلاء وغيرهم الكثير- رضي الله عنهم أجمعين- لم يصح إسلامهم ولم يقبله منهم النبي- صلى الله عليه وسلم- وأمر بأن يرجعوا مرة أخرى إلى الكفر والجاهلية وأن يُرَدُّوا إلى أهلهم؟!

 

- محل النزاع في الصبي المميز الذي لم يبلغ سن البلوغ الشرعي لا فيمن بلغ بلوغًا شرعيًّا، فقد ذهب الجمهور وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة وصاحباه والإمام أحمد وسائر أصحابه أن إسلام الصبي صحيح، قال الشيخ العلامة محمد المطيعي الشافعي في تتمة شرح المجموع على المهذب ما نصه: وقال أبو حنيفة وصاحباه وأحمد بن حنبل وسائر أصحابه، وإسحاق وابن أبي شيبة وأبو أيوب: يصح إسلام الصبي إذا كان له عشر سنين وعقل الإسلام؛ لعموم قوله- صلى الله عليه وسلم-: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"، وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ، وقوله- صلى الله عليه وسلم-: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا".

 

وهذه الأخبار يدخل في عمومها الصبي، ولأن الإسلام عبادة محضة فصحَّت من الصبي العاقل كالصلاة والحج، ولأن الله تعالى دعا عباده إلى دار السلام وجعل طريقها الإسلام، وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الأليم.

 

وقال الشافعي: إن إسلام الصبي المميز وكذا رِدَّتَهُ لا تصح حتى يبلغ، إذن محل النزاع في الصبي المميز الذي لم يبلغ شرعًا، وهو ما لا ينطبق على حالة الأختين كريستين ونانسي لأنهما قد بلغتا سن البلوغ الشرعي.

 

- أنقل لمشايخنا الأجلاء علامات البلوغ عند الشافعية، قال الشيخ وهبة الزحيلي في الفقه الإسلامي وأدلته: (ومذهب الشافعية: يحصل البلوغ إما باستكمال خمس عشرة سنةً قمريةً، أو بالاحتلام أو بخروج المني وقت إمكانه من ذكر أو أنثى، ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين، أو بنبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته لنحو حلق، وأما نبات شعر الإبط واللحية، فليس دليلاً للبلوغ لندورهما دون خمس عشرة سنة، ويزيد على المذكور بالنسبة للمرأة: الحيض والحبل.

 

والخلاصة: أن البلوغ عندهم يحصل بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة، وهي الإنزال (الاحتلام) والإنبات والسن، واثنان تختص بهما المرأة وهما الحيض والحبل،
إذن حالة الأختين كريستين ونانسي خارج محل النزاع، لأن كلتيهما قد بلغت بلوغًا شرعيًّا يقينيًّا ولا عبرة بتلبيس بعض العلماء بأنهما قاصرتان في حكم القانون، ومحل التلبيس في كلام بعض العلماء أنه نقل كلام الشافعية في عدم صحة إسلام الصبي وأراد تنزيله على حالة الأختين البالغتين، فبإجماع علماء المسلمين جيلاً بعد جيل فإن إسلام الأختين صحيح لا مرية فيه ولا شك، وعلى فرض أن الأختين لم تبلغا بعد وأنهما صبيتان لم تبلغا سن الحلم فنقول وبالله التوفيق: قد ثبت عن أئمة الشافعية بل عن الشافعي نفسه أن الصبية التي تأتينا من الكفار لا يجوز إرجاعها إليهم، وهاك بعض كلامهم:

* قال الشافعي- رحمه الله- في كتابه الأم 4/196 : "وَإِنْ خَرَجَتْ إلَيْنَا منهم زَوْجَةُ رَجُلٍ لم تَبْلُغْ وَإِنْ عَقَلَتْ فَوَصَفَتْ الإسْلامَ مَنَعْنَاهَا منه بِصِفَةِ الإسْلامِ وَلا يُعْطَى حتى تَبْلُغَ فإذا بَلَغَتْ وَثَبَتَتْ على الإسْلامِ أَعْطَيْنَاهُ الْعِوَضَ إذَا طَلَبَهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَثُبُوتِهَا على الإسْلامِ... وَلَوْ جَاءَتْنَا جَارِيَةٌ لم تَبْلُغْ فَوَصَفَتْ الإسْلامَ وَجَاءَ زَوْجُهَا وَطَلَبَهَا فَمَنَعْنَاهُ منها فَبَلَغَتْ ولم تَصِفْ الإسْلامَ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَتَكُونُ من الَّذِينَ أُمِرْنَا إذَا عَلِمْنَا إيمَانَهُنَّ أَنْ لا نَدْفَعَهُنَّ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَمَتَى وَصَفَتْ الإسْلامَ بَعْدَ وَصْفِهَا الإسْلامَ وَالْبُلُوغَ لم يَكُنْ له عِوَضٌ" فها هو الإمام الشافعي نفسه- رحمه الله- يمنع الجارية إذا أتت إلينا من زوجها إن كان لها زوج أن ترد إلى الكفار، فما قول أصحاب الفضيلة في هذا النص عن الشافعي رحمه الله؟

 

* وجاء في أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري في شرحه على روض الطالب ما نصه: "وَلَوْ جَاءَتْ صَبِيَّةٌ مُمَيِّزَةٌ تَصِفُ الإسْلامَ لَمْ نَرُدَّهَا؛ لأنَّا وَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ إسْلامَهَا نَتَوَقَّعُهُ فَيُحْتَاطُ لِحُرْمَةِ الْكَلِمَةِ".

 

* وقال السيوطي الشافعي في كتابه في القواعد الأشباه والنظائر: إذا جاءتنا من المهادنين صبية تصف الإسلام: فإنا لا نردها إلى الكفار، وإن قلنا: لا يصح إسلام الصبي؛ لأن الأصل بقاؤها على ما تلفظت به إذا بلغت".

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل