المحتوى الرئيسى

كأبيه.. هل ينجح الأسد الابن في لعبة «حافة الهاوية»؟!

06/30 10:19

صالح القلاب

خابت آمال كل الذين راهنوا على أن الرئيس السوري بشار الأسد في إطلالته الأخيرة، بعد غياب طويل أثار الاستفسارات والتكهنات، سيأتي بجديد يضع هذه الأزمة الطاحنة على بداية طريق الحل المقبول، لكن كل مراهنات هؤلاء اصطدمت بحقيقة أن هذا النظام لا يستطيع تغيير اتجاه سيره حتى وإن هو رغب في ذلك وأن شرايينه باتت متصلبة وأنه لا يصلح العطار ما أفسد الدهر.

ظن المنتظرون لخطاب الأسد الأخير أن تجربة ثلاثة أشهر من العنف وحمامات الدماء وفشل حلول جنازير الدبابات ربما أقنعت هذا الشاب، الذي ورث نظاما أقيمت أركانه على الجماجم والتصفيات، بأن عليه، حتى يبقى نظامه قائما، أن يخضع للأمر الواقع وأن يقدم لشعبه تنازلات حقيقية وعلى أساس أنه لم يعد هناك أي بقاء للأنظمة الستالينية وأنه لا بد من التلاؤم مع معطيات واستحقاقات القرن الحادي والعشرين وأهمها الديمقراطية الحقيقية بمواصفات هذا العصر وحقوق الإنسان والحريات العامة.

لكن هذا لم يحصل، بل إن الرئيس الشاب بعد غيبته الطويلة هذه عاد بما هو أسوأ، حيث جاءت دعوته للحوار على أرضية أن هناك مخربين لا بد من تصفيتهم وأن «القطر العربي السوري» يتعرض لمؤامرة خارجية، والأسوأ أن وزير خارجيته وليد المعلم، الذي أشاع رفاقه المعجبون به أنه مترنيخ العرب، قد بدا في مؤتمره الصحافي المكمل لخطاب رئيسه أنه يعيش في عصر غير هذا العصر، وأنه يعتقد أن هذا النظام، الذي بات كحصان منهك ومتهالك وفي نهاية الشوط، قادر على شطب أوروبا من خريطة الكرة الأرضية وقادر على تغيير المعادلة الكونية واستبدال واقع القطب الواحد بواقع العالم المتعدد الأقطاب تحل فيه البرازيل وجنوب أفريقيا والهند والصين وروسيا محل الولايات المتحدة.

في كل الأحوال يبدو أن هذا النظام، ورغم التظاهر بالقوة وبأنه ماض بالشوط حتى آخره، قد بات يستعد لأسوأ الخيارات، والدليل هو أن هناك معلومات توصف بأنها على جانب كبير من الصحة تتحدث عن ترحيل كل العائلات العلوية، وللأسف التحدث بهذه اللغة المريضة، من دمشق ومدن الأكثرية السنية إلى مناطق جبال النصيريين ذات اللون العلوي الواحد وتتحدث عن نقل موجودات البنك المركزي إلى مدينة القرداحة ونقل طائرات سلاح الجو ومعدات القوات المسلحة الحديثة إلى هذه المناطق لتكون الأساس الذي ستبنى عليه الدولة المذهبية في حال وصلت الأمور إلى هذا الخيار المدمر ليس لسوريا وحدها وإنما للمنطقة كلها، أي بلاد الشام وما حولها.

ولعل ما يشير إلى أن هذه المعلومات والتقديرات غير بعيدة عن الصحة، أن كل العالم شاهد عمليات إخلاء تماثيل حافظ الأسد من مدن الأغلبية السنية التي تجذرت فيها الثورة المضادة لهذا النظام والمصممة، كما واضح، على إطاحته مثل درعا ودير الزور وحماه وحمص ونقلها ربما إلى القرداحة، وهذا يعزز معلومات صحيفة «الغارديان» البريطانية التي تحدثت عن أن حزب الله اللبناني قد بادر أخيرا إلى نقل صواريخه وأسلحته الإيرانية المتطورة من مخابئها في عمق الأراضي السورية إلى لبنان خوفا من وقوعها في أيدي بديل نظام بشار الأسد، وقبل ذلك في أيدي «ثوار» الانتفاضة السورية في حال وصول الأمور إلى المواجهة العسكرية المفتوحة.

والغريب أن نظام بشار الأسد، بدل أن يبذل الجهود الممكنة للإبقاء على أزمته في الإطار الوطني الداخلي، بات يدفع في اتجاه تحويلها إلى أزمة إقليمية، على غرار ما كان يفعله والده عندما كان يهرب من مشاكله الداخلية إلى افتعال مشكلة في الإقليم كله إن في اتجاه لبنان أو في اتجاه الأردن أو في اتجاه العراق وأيضا في اتجاه تركيا. وذلك عندما كان يلعب مع هذه الجارة الشمالية ورقة عبد الله أوجلان، وهذا كله أطلق عليه مصطلح «حافة الهاوية»، وهي لعبة كان يلعبها الرئيس السوري السابق حتى مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة ونجح فيها مرارا لكنه فشل أكثر من مرة.

وإن مما يرجح بل يؤكد على أن بديل بشار الأسد، في حال أن تتجاوز الأمور في بلده الخطوط الحمراء ويصبح نظامه مهددا بالسقوط بالفعل، هو نفس البديل الذي سعى إليه صدام حسين والبديل الذي وفره معمر القذافي لنفسه، وهو تحويل الحدث الداخلي إلى حدث إقليمي ودولي واستدراج مواجهة مع الولايات المتحدة أو مع قوة إقليمية متحالفة مع الولايات المتحدة، والهدف هو الظهور بمظهر البطل القومي المتصادم مع الاستكبار العالمي ومع القوى الكبرى التي تستهدف الوطن وأهله وخيراته. ولهذا فإننا نرى كل هذا التحرش بتركيا ودفع وحدات من الجيش السوري حتى آخر نقطة تماس حدودية في اتجاه أنطاكيا التركية، فالهدف واضح وضوح الشمس وهو الهروب من المشكلة الداخلية المتفاقمة التي باتت مع الوقت مستعصية إلى افتعال مشكلة خارجية.

وفي هذا الاتجاه، فإن هناك معلومات متداولة في أوساط كردية (سورية) مطلعة تتحدث عن أن هناك توجها جديا من قبل نظام الرئيس الأسد لاستعادة مجموعات من بقايا مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي بزعامة عبد الله أوجلان، المعتقل الآن في سجن في إحدى الجزر القريبة من اسطنبول، يقدر عدد أفرادها بنحو سبعمائة مقاتل يوجدون في جبل قنديل بالقرب من مدينة السليمانية الشهيرة الواقع في قلب مثلث الحدود العراقية – الإيرانية – التركية، وتركيزهم في قواعدهم القديمة على الحدود الطويلة في نقاط التماس بين البلدين المتجاورين سوريا وتركيا.

ويقينا أنه إذا صحت هذه المعلومات، والواضح أنها صحيحة، فإن هذا سيكون أكبر استفزاز لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ومجموعته وسيكون سببا كافيا لتحريك القوات التركية، التي اقتربت كثيرا في الأيام الأخيرة من خطوط التماس مع سوريا، في اتجاه الجنوب في عمق الأراضي السورية وعلى غرار ما كاد يحدث في عام 1998 عندما هدد كبار الجنرالات الأتراك الرئيس حافظ الأسد بأن قواتهم ستصل إلى مدينة درعا على الحدود السورية - الأردنية خلال ثمان وأربعين ساعة إذا لم يطرد عبد الله أوجلان من دمشق على الفور وينهي علاقات نظامه بحزب العمال التركي الكردستاني ويبعد مقاتليه عن الأراضي السورية وينهي قواعده في منطقة البقاع اللبنانية، وهذا هو ما حصل بالفعل.

كان جمال عبد الناصر قد برز كبطل قومي عربي بعد أن أثمر الضغط الأميركي أيام الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور في وقف العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وإجبار القوات الإسرائيلية والبريطانية والفرنسية المعتدية على الانسحاب من قناة السويس ومدنها ومن كل الأراضي المصرية، وحاول صدام حسين أن يلعب هذه اللعبة في عام 2003 لاعتقاده بأن الغزو الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة سيتوقف عند مشارف بغداد وأن مساومات كمساومات حرب السويس ستجري وأن اتفاقات سياسية وعسكرية ستبرم وأنه بالتالي سيغتنم الفرصة ليكرر ما كان فعله الرئيس المصري الأسبق ويظهر كزعيم للأمة العربية على أساس أنه انتصر على أميركا وحلفها الدولي وأنه استطاع أن يمرغ أنف أكبر قوة كونية بالتراب، لكن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر فانتهت الأمور إلى ما انتهت إليه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل