المحتوى الرئيسى

غموض يلف العلاقات المصرية ــــ الإيرانية

06/30 12:31

نيفين مسعد

فى مثل هذا اليوم قبل ثلاثة أشهر أى فى 30 مارس الماضى ألقى وزير الخارجية السابق نبيل العربى بتصريح مفاجئ قال فيه «إن إيران دولة من دول الجوار ولنا معها علاقات تاريخية وطويلة وممتدة فى مختلف العصور، والحكومة المصرية لا تعتبرها دولة معادية»، وحول ما إذا كانت هناك نية لتبادل السفراء بين البلدين قال العربى «هذا الأمر يتوقف على الطرفين، ومن جانبنا نعرض فتح صفحة جديدة وسنرى رد فعلهم». التصريح السابق كان يفيد أن مصر تمد يدها لإيران وتنتظر المعاملة بالمثل، وقد قيل وقتها إن نبيل العربى رفع سقف التوقعات من السياسة الخارجية المصرية سواء تجاه القضية الفلسطينية أو العلاقة مع أفريقيا أو حتى الموقف من إيران إلى مستوى سيكون من الصعب جدا على خليفته أن ينزل به إلى ما هو أدنى.

واليوم وقد مر تسعون يوما على مبادرة العربى وترك الرجل منصبه إلى أمانة الجامعة العربية يحق لنا أن نسأل: ماذا تبقى من هذه المبادرة؟ الواقع أنه حتى قبل أن تؤول مسئولية وزارة الخارجية إلى محمد العرابى، فإن سقف العلاقة مع إيران قد أخذ ينخفض بالتدريج وصولا إلى تصريح معتز عبدالفتاح المستشار السياسى لرئيس الوزراء فى حديثه أمام ندوة عن «مصر المستقبل: التحديات والواجبات» التى نظمتها مكتبة الإسكندرية فى 14يونيو الجارى، وقوله «لابد من أن تظل العلاقة ــ أى مع إيران ــ كما هى وأن تقتصر على المداعبات، دون التحالف معها مثل حزب الله أو غيره». التصريح المنشور فى المصرى اليوم فى 16يونيو يستبعد التحالف مع إيران وهو غير مطروح من أى أحد، ويفيد تجميد العلاقات المصرية-الإيرانية وإن لم يمانع من بعض مداعبات لا أدرى كيف بين الطرفين.

وفى المسافة الزمنية الفاصلة بين التصريحين المذكورين ألقيت فى مياه علاقات مصر بإيران أحجار كثيرة، أحدها قضية اتُهم فيها سيد قاسم حسين الدبلوماسى بمكتب رعاية المصالح الإيرانية فى القاهرة بالتجسس وتجنيد شيعة عراقيين ومصريين والتنسيق مع أستاذ جامعى متهم فى قضية حزب الله ومع أحد القادة الصوفيين لهذا الغرض. تم ترحيل الرجل إلى طهران ثم فهمنا أن ملف القضية أُغلق لعدم وجود أدلة.

حجر آخر هو الكشف فى 11 من الشهر الجارى عن إحدى وثائق ويكليكس تتضمن تحريضا من وزير خارجية النظام السابق أحمد أبو الغيط لنظيرته الأمريكية ضد إيران قائلا إن العقوبات على النظام الإيرانى لا تكفى. أبو الغيط كان يمثل إحدى القوى المناوئة بشدة لإيران هذا صحيح، لكن غموض مستقبل علاقة مصر بإيران لا يستبعد استمرار تلك القوى فى التأثير. حجر ثالث هو تحقيق الحرس الثورى مع رجل أعمال مصرى بتهمة التحرش الجنسى بإحدى الإيرانيات خلال إقامته فى فندق بطهران. والخبر نشرته صحيفة اليوم السابع فى 18 من هذا الشهر.

ولمزيد من إضفاء الغموض على الموقف برمته سافر وفد شعبى مصرى لزيارة إيران فى توقيت كشف قضية التجسس وهذا شىء غريب. فإما أن الرجل تجسس فعلا فلا يليق بحال تسفير الوفد المصرى حينها، وإنما أنه لم يتجسس فلا يكون هناك مبرر لاتهامه. الأغرب أن السلطات المصرية رفضت أن تهبط فى مطار القاهرة طائرة إيرانية كانت ستقل الوفد الشعبى إلى طهران لكنها سمحت بسفر الوفد على طائرة الإمارات إلى دبى ومنها لطهران، وكأن المشكلة هى فى وسيلة الانتقال وليس فى وجهة السفر. فما الذى يحدث بالضبط فى الكواليس؟ من حقنا أن نعرف ماذا تقرر بخصوص العلاقات المصرية ــ الإيرانية، وإذا كان القرار هو تجميدها فليكن، المطلوب فقط هو تقديم التبرير إلا أن يكون المبرر هو شارع خالد الإسلامبولى. فلا يُعقل أن نؤاخذ إيران على اسم شارع بينما أطل علينا عبود الزمر فى أفضل صورة عبر فضائية مصرية، وتغطى صحفنا أخباره وتستمزج رأيه إن كان يعتزم الترشح للرئاسة أم لا.

هل ثمة تنافس فى المصالح بين مصر وإيران؟ يقينا يوجد تنافس، ومن أجل هذا كان أول ما فعلته إيران بعد ثورة مصر هو المسارعة إلى نسبة هذه الثورة إلى نفسها، بل والمصادرة على مضمون هذه الثورة بوصفها «إسلامية». إيران تعلم أن فى ثورة مصر فرص ومخاطر.

تأتى الفرص من إطاحة نظام عاداها أشد العداء، وتنبع المخاطر من أن مصر عندما تبنى نفسها سياسيا واقتصاديا ستمثل حائط صد أمام تمدد نفوذ إيران فى العراق ولبنان وتهديدها أمن الخليج وتدخلها فى الشئون العربية، فقوة إيران تظهر أكبر من حجمها كلما تقزم دور مصر العربى وضعف. ومن أجل هذا توجد دوائر داخل إيران لا ترحب بالانفتاح على مصر وتفضل التعبئة فى مواجهتها، وهى قوية وتؤثر لكن القرار الأخير فى يد المرشد.

هناك إذن قضايا خلاف كثيرة بين مصر وإيران، لكن مواجهة تلك الخلافات لا تكون عبر القطيعة لأن القنوات الدبلوماسية تسمح بالتنسيق بين دول لا تربطها علاقات صداقة بالضرورة بما يحقق مصالحها. وتزيد الحاجة لمثل هذا التنسيق على ضوء ما يلى:

احتمالات عدم الاستقرار التى تأتى فى ركاب الحراك الشعبى فى العديد من الساحات العربية، والتى يمكن أن يؤدى تنسيق مصر مع إيران وتركيا وغيرهما إلى الحيلولة دون تدهور الأوضاع خصوصا مع عدم توقف الحديث عن عمل عسكرى إسرائيلى ضد لبنان وحتى غزة.

تزايد الاستقطاب المذهبى السنى/ الشيعى على نحو ما كشفت عنه أحداث البحرين وسوريا فضلا عن العراق بطبيعة الحال، وهو استقطاب يمكن لمصر بحكم وسطيتها وتشبعها بحب آل البيت أن تلعب دورا فى خفض حدته.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل