المحتوى الرئيسى

لهم تأويلهم و لنا تأويلنا

06/29 23:58

شهدت السنوات الأخيرة حوارات لا تنقطع حول علاقة الإسلام بالدولة‏,‏ و لقد شاركت في عدد من تلك الحوارات كان أطولها ذلك الحوار الذي أداره الدكتور إسماعيل سراج الدين في فبراير‏2007‏ لما يقرب من الساعات الخمس المتصلة في مكتبة الإسكندرية‏.‏

كان كل فريق يطرح مجموعة من النصوص القرآنية و الأحاديث النبوية والأحداث التاريخية التي يراها مدعمة لوجهة نظره, حيث خلص فريق إلي أن القيم الإسلامية تتجاوز قيم المواطنة والديمقراطية حيث لا فضل لعربي علي عجمي إلا بالتقوي, فضلا عن العديد من وقائع التاريخ الإسلامي التي تبرز قيم السماحة و المساواة و العدل; و في المقابل رأي البعض أن تطبيق الشريعة الإسلامية يتعارض مع مبادئ المواطنة و الديمقراطية متوجسين من التمييز ضد أصحاب الديانات الأخري, و عدم موالاتهم بل و قتالهم, مستشهدين بالعديد من الممارسات التاريخية التي تدمغ حكاما مسلمين بارتكاب المذابح ضد من يخالفونهم حتي لو كانوا من المسلمين, فضلا عن نماذج من أنظمة معاصرة تعتمد تأويلات إسلامية في باكستان و أفغانستان و إيران و السعودية والسودان.

كانت مثل تلك المحاورات تدور في مناخ يسوده التشكك المتبادل بحيث يصبح التمسك بالمادة الثانية كما لو كان دعوة لقهر الآخر و التسلط عليه, و في المقابل تصبح الدعوة للمواطنة و الديمقراطية كما لو كان هدفها القضاء علي الإسلام, و كان منبع القلق هو: ما الذي يضمن ألا يأتي في المستقبل من يتبني تأويلا متشددا للشريعة الإسلامية, أو علي الجانب الآخر ما الذي يضمن ألا يأتي من يتبني رؤية للمواطنة تفصل الدين تماما عن الحياة اليومية للبشر؟ و كنت أتساءل: هل ثمة إمكانية لأن يتضمن الدستور مثلا ما يعني صراحة تبني ذلك الفهم المحدد للشريعة الإسلامية و هو الفهم الذي يمكن أن تقبل به الأطراف جميعا؟

و جاءت ثورة يناير لتجسد الصياغة المصرية الفريدة لعلاقة الدين بالسياسة: لقد ارتفعت أصوات الآذان و أصوات التراتيل, و أدي الثوار صلواتهم; متمايزين حسب عقائدهم, ملتحمين جميعا قبل و بعد ذلك خلف هدف واحد و في مواجهة خطر واحد.

كان ذلك النموذج المصري مثارا لفزع العديد ممن يتبنون تأويلات إسلامية تأخذ بتوارث السلطة, و بالتمييز بين المواطنين وفقا للجنس و الدين, وتمارس التكفير والإقصاء; و تري أنه لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم, و أنه لا ينبغي الالتزام برابطة الشعوب, و أنه ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتساوي فيه العصبية الوطنية مع الأخوة الإسلامية, و أن الاستعمار كان وراء إذكاء النعرة الوطنية, و أنه قد تم نسخ آيات الصفح, و التسامح, و المسالمة, و المجادلة بالتي هي أحسن, و عدم الإكراه في الدين; و من ثم لا يصبح أمام المسلم الحق سوي قتال غير المسلمين.

و من ناحية أخري فقد أفزع ذلك النموذج المصري قوي كانت تراهن علي تقسيم الوطن العربي علي أساس الانتماء الديني بحيث يصبح وجود دولة يهودية علي أرض فلسطين أمرا منسجما مع العالم المحيط بها.

و من ناحية ثالثة أثار هذا النموذج فزع أولئك الذين تجمدت رؤيتهم علي مقولة أن الدين ليس سوي أفيون للشعوب يخدرها و يبتعد بها عن الثورة, و أنه لا مجال لحديث عن ثائر وطن ثائر ملتزم إسلاميا.

تكاتفت تلك القوي العاتية لتجند كل قدراتها المالية و الدعائية لتشويه ذلك النموذج المصري و محوه من الذاكرة, فشهدنا كنائس تحرق, و رايات لدول غير مصرية ترفرف علي رؤوس من يشعلون تلك الحرائق, و سمعنا من يستنجد بالغرب المسيحي لإنقاذ أقباط مصر.

و أخيرا أطل علينا أزهر مصر الشامخ ليؤصل ما جسده شباب الثورة في' بيان الأزهــر ونخبة من المثقفين حول مستقبل مصر' الصادر في19 يونيو2011, و الذي صدر بعد اجتماعات دعا إليها الإمام الأكبر و شاركت فيها' كوكبة من المثقفين المصريين علي اختلاف انتماءاتهم الفكرية والدينية مع عدد من كبار العلماء والمفكرين' و تتصدر البيان عبارة تقيم جسرا مع ثوار يناير بتأكيد أنه يصدر في تلك' اللحظة التاريخية الفارقة التي تمر بها مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير' مؤكدا أن الإسلام' ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم, شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع, وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخري الاحتكام إلي شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية' ثم يمضي ليبين تفصيلا ما يعنيه الالتزام بالمبادئ الكلية للشريعة, و يكفينا عبارة بالغة الدلالة تقرر' اعتماد النظام الديمقراطي, القائم علي الانتخاب الحر المباشر, الذي هو الصيغة العصرية لتحقيق مبادئ الشوري الإسلامية'.

ثمة فارق إذن بين التأويل المصري' الثوري' للإسلام و علاقته بالدولة, و تأويلات أخري ارتضتها دول ترفع راية الإسلام و لا تعرف الانتخابات أصلا, أو تعرفها و لكن فيما هو أدني من انتخاب رأس الدولة, أو تعرفها مزيفة مهلهلة تكرس الدكتاتورية والتوريث والتمييز.

هذا هو اجتهاد الأزهر الشريف في علاقة الإسلام بالسياسة, و لا مجال بعد اليوم لتساؤل ممجوج عن كيفية الجمع بين المادة الأولي و المادة الخامسة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل