المحتوى الرئيسى

الثورة علي الاكتئاب العربي

06/29 23:58

كان العرب في تعاملهم مع اكتئابهم وإحباطهم‏.‏ إما خافوا منه كعفريت طلع لهم أو تعاملوا معه بحذر أو بأناقة شديدة‏(‏ خاصة النخبة منهم‏:‏ المثقفين والفلاسفة والشعراء‏)‏ لكن الجميع ـ تقريبا ـ حولوه إلي مضغة يجترونها كما جمالهم السائرة في تيه الصحراء‏,‏ تحمل بضاعتهم ومصائبهم‏,‏ تمرهم ونساءهم‏,‏ ذهبهم‏,‏ وأطفالهم‏.

وبعدما صار اكتئابهم خبزهم اليومي وقهوتهم الصباحية, إذاعتهم, تليفزيونهم, شتيمتهم, جورنالهم اليومي, فضائيتهم المفضلة,( إخبارية كانت أم عريانة).. ثاروا, ولم تكن ثورتهم فجأة, ولكنها جاءت مباغتة لهم ولحكامهم من بعدهم وللعالم أجمع وتحديدا دول أوروبا الغربية( فيما عدا إيطاليا فالنابغ بيرلسكوني صرح بأن المصريين لم يقدموا شيئا جديدا, فهم كعادتهم يصنعون التاريخ), الأكثر مباغتة ودهشة وترقبا كانت إسرائيل والولايات المتحدة, فهما ـ رغم كل تصريحات أوباما وكلينتون لا يريدون لنا الصحة النفسية ولا يودون رؤيتنا نتحرر من ثقل هم الاكتئاب, فلقد تصوروا أن العرب قد لاكوا الاحباط واليأس في أفواههم وحركوه بألسنتهم, خزنوه كالقات في تجاويفهم الفمية والنفسية ليمضغوه ويتخدروا بعد سويعات, ثم يناموا ويلهون بعد سويعات أخري.

تري سوزان سونتاج في مقالتها الرائعة( المرض) كاستعارة. أو بالأحري وأكثر دقة( ميتافور)Metaphor ناقشت فيها تأثير المرض كميتافور في ثقافتنا, واستخدمت السرطان والسل ككلاسيكيات, بالطبع في( مجتمعنا العربي) يعشعش المرض كميتافور قوي, ليس فقط السل والبلهارسيا والتهاب الكبد الوبائي, لكن كذلك الذبحة الصدرية والسكر وارتفاع ضغط الدم, ومؤخرا انفلونزا الطيور وبالطبع الاكتئاب, وهي كلها نماذج تاريخية, لكن من يغطي( المرض) معناه ومفهومه كفعل عقابي ومن وجهة نظر مينيجنرMenninger المحلل النفسي الذي رأي المرض شيئا مختلفا فلم يره كمصيبة من مصائب الدنيا لكنه رأي أن المريض الضحية مسئول إلي درجة كبيرة عما فعل هو بحياته وبنفسه من( إهمال, استسلام, عبث..).

نحاول يأسا وأملا أن نلصقها أو نوازيها كقطع البازل, لكن هذا العربي في مجتمعاته وأزماته, في غربته أوروبيا وأمريكيا, إفريقيا استراليا ونيوزيلاندا, يعاني من تناقض وجداني خطير يتمثل في ضدين( ذاته العربية المتضخمة) أنا( كويتي), أنا( سعودي), أنا( غني),( مصر أم الدنيا), احساس بالامتلاء لدي المغربي العربي وإدراكه بالامتياز عن أقرانه في الشرق, ومن خلال ارتباطه فرانكفونيا بالعالم الأول لغة وثقافة وهجرة!!

ذاته القوية زيفا وإرهابا وعمالة وسلاحا, مقابل دونية شديدة تجاه الخواجة المتفوق, وتجاه بعض أقرانه العرب حسب الحالة والموقف والتفوق العلمي, وبالطبع حسب امتلاك وانتشار محطات البنزين.

تكاد المسألة برمتها تسير في طريق ذي اتجاهين: دونية تتمثل في أميته, جهله, فقره, مرضه, عجزه, قلة حيلته, ضعفه وعدم خروجه من دائرة المستهلك لكل شيء أمريكي وصيني, مرورا بتايوان وجنوب إفريقيا, إلي سقفه الواطيء علميا وعسكريا في مقابل( اليهودي التائه) الذي أصبح راقدا في قلبه يطلع له لسانه, ويغيظه كل لحظة بتفوقه وإبداعه وقدرته علي احتلال أرضه وغزو سماواته وكتم أنفاسه واحتقاره....

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل