المحتوى الرئيسى

الإسراء والمعراج: رمز ومفهوم بقلم:ياسين السعدي

06/29 22:32

الإسراء والمعراج: رمز ومفهوم!

ياسين السعدي

في سورة الإسراء، افتتح الله سبحانه وتعالى هذه السورة المباركة بقوله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير). وفي هذه الآية نص واضح وصريح إلى مكانة القدس وما حولها من الديار المقدسة.

في كل عام تطل علينا هذه المناسبة المباركة، فتتبارى فيها الأقلام، وتكتب المقالات، وتُنشأ الخطب، وتقام الاحتفالات، ثم ينتهي كل شيء بعد إلقاء آخر خطيب كلمته، ويطوى الموضوع إلى العام الذي يليه، وهكذا دواليك.

لا أعرف بالضبط متى بدأ المسلمون احتفالات الإسراء والمعراج. لكن المؤكد أنها لم تكن احتفالاتٍ وأعياداً أيام الخلفاء الراشدين، والصحابة والتابعين؛ بل كانت مناسبة عِبرة وتبصر، وذكرى تكريم الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، من الله جل جلاله.

ففي العام الحادي عشر للبعثة المحمدية، شاء الله تكريم نبيه ورفع شأنه، فطلبه إلى رحابه؛ حيث أرسل إليه البراق؛ سفينة الفضاء الربانية، يقودها جبريل عليه السلام.

وفي القدس كان بدء الاحتفال: هناك استقبله الرسل، موفدين من رب العزة الإلهية، وبهم صلى سيدنا محمد، صلى اله عليه وسلم، إماماً. هناك في القدس، كانت المحطة الأولى في الرحلة، ومنها كان المعراج إلى السماء؛ حيث كانت حفلة التكريم لمحمد، صلى الله عليه وسلم.

هناك التقى الرسول إخوانه الأنبياء والرسل، وتعرف عليهم. وهناك التقى ربه، وقارب سدرة المنتهى؛ حيث تفيأ ظلال العرش، وهو تتلى عليه تعاليم الله، وعاد يحمل للمسلمين هدية الرحمن؛ ألا وهي الصلاة، التي هي عمود الدين، والتي هي الصلة المباشرة بين المسلم وربه.

عاد محمد، صلى الله عليه وسلم، من رحلته يقص على أصحابه ما رأى، ويحدثهم عن الرحلة ودقائقها: عن هدية السماء إلى الأرض، فقام الخرّاصون من حوله يتهكمون، وقام المرجفون يبثون التشكيك والتكذيب في كل مجلس. وفي الجانب المقابل، قام الذين أنار الله قلوبهم بهدي النبوة، وفتح بصائرهم على نور الحكمة؛ قاموا ينافحون عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويَصْدقونه الوعد بنصرته. فقد كان أبو بكر يقول: صدقت يا رسول الله، والرسول يصف رحلته المباركة وعودته المظفرة.

المشككون الحاقدون على الإسلام، والمرجفون المارقون، يحاولون خلخلة العقيدة عن طريق طرح علامات استفهام خبيثة حول الإسراء والمعراج. لكن الإسلام الذي يزيده العلم تألقاً في القلوب، وتكسبه المعرفة ترسيخاً في النفوس، يدحر الزنادقة والملحدين.

إن رحلة البراق هي برنامج رباني يفوق ما نراه اليوم من البرامج العلمية لغزو الفضاء بمراحل ومراحل!

برامج غزو الفضاء، للوصول إلى كواكب وأقمار بعيدة عنا يقبلونها؛ لأنهم يلمسون أثر ذلك، أما المعراج، فهو عندهم من باب الخرافة.

اليوم أطلق العلم الأقمار الصناعية والسفن الفضائية تدور حول الأرض، تجوب آفاق الفضاء لسبر أغوار المعرفة الإنسانية المحدودة، والتي ستظل محدودة، مهما علا شأنها قياساًَ؛ على الذي (علَّم الإنسان ما لم يعلم).

لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج بمثابة الخط الواصل بين الأرض والسماء. وقد قام بتدشين هذا الخط، رسولنا الكريم، وحبيب رب العالمين، وأفهمنا أن استعمال هذا الخط هو للذين يسيرون على نهجه الكريم، ويتفانون في محبة القدس.

إن رحلة الإسراء والمعراج، هي رمز للعلاقة الأزلية، والرابطة الأبدية بين القدس وهذا الدين؛ بين القدس وقلوب المسلمين في كل بقاع الأرض. إنها مفهوم من الله ورسوله إلى المسلمين؛ أنَّ القدس هي عروس إسلامكم، وليست (عروس عروبتكم) فقط، كما يقول الشاعر المعاصر، مظفر النُّواب.

القدس هي محطة محمد، صلى الله عليه وسلم، في معراجه إلى السماء. وفي هذا مفهوم للمسلمين؛ في كل العصور؛ أنَّ القدس هي (المحطة الأرضية) التي اختارها الله، ليكون منها منطلق الرسول إلى لقاء ربه، وفي هذا تكريم للقدس، وأي تكريم!

وعلى هذا الأساس يفهم المسلمون مكانة القدس. فهم ينظرون إليها على أنها أخت مكة وتوأم المدينة، ولذلك فإن لها في نفوسهم مكانة مميزة.

حدثني صديق ذو ميسرة، منّ الله عليه بأداء فريضة الحج، أنه التقى هناك حاجاً باكستانياً فقيراً. وعندما تم التعارف، وأيقن الباكستاني أن محدثه من فلسطين، أخذ يقبله ويتمسح به وهو يبكي، ويردد متسائلاً بلهفة: من القدس؟ من القدس؟ وأخرج من جيبه ريالاً يريد أن يتقرب به إلى الهد بتقديم الصدقة إلى من يجاورون الأقصى، وأبى إلاّ أن يعطيه الريال؛ رغم كل محاولات إفهامه أنه ميسور الحال.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل